يُعَدّ ختم القرآن الكريم في مجتمعات إيموهاغ عمومًا قمّة السمو الروحي، غير أنّه في بيئة مدينة جانت والقصور المحيطة بها (إغرمان)، يأخذ بعدًا احتفاليًا مميزًا تُجسِّده طقوس أزابو، وهو المصطلح المحلي الذي يعادل معنى ختم القرآن الكريم. هذا اللفظ مأخوذ من الجذر التارقي “يزوبت”، أي أتمّ أو أكمل، ليغدو في العرف رمزًا للتمام والكمال في حيازة كتاب الله تعالى.
تبدأ مراحل التكريم منذ أن يبلغ الطالب الموضع المبارك من سورة آل عمران، عند قوله تعالى: ﴿يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ (آل عمران: 171)، إذ يعدّ الوصول إلى هذه الآية بمثابة “علامة” تُدخله زمرة الطلبة المكرّمين. ومن ثمّ يستمر في رحلته حتى يتم الحفظ كاملًا، فتتهيأ الأسرة لإقامة المراسيم الكبرى المسمّاة الختمتين، وهي لوحة فنية تُزخرف بالألوان المحلية المستخرجة من مواد طبيعية كـ تينغميت وتباريق، ويُخطّ على وجهها الآية الكريمة نفسها لتبقى شاهدًا حيًّا على جهده القرآني وشهادةً ترافقه مدى العمر.
بعد إعلان اليوم الموعود، تُفتح البيوت والأزقة لاستقبال الموكب، فيتحول الفضاء الاجتماعي كله إلى ساحة فرح جماعي. ويُقاد الطالب بدايةً إلى الشيوخ من كبار السن الذين يتلون عليه سورًا من قبيل (الفتح)، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من حياته. يخرج بعدها حاملًا لوحته المزخرفة المزينة أحيانًا برسوم المساجد وأشكال دينية، متنقّلًا بين بيوت أعمامه وعماته وخالاته، يغمرونه بالهدايا والنقود، فيما تتولى الأم والعمات تزيينه بالحناء، اعترافًا بمجهوده وتشجيعًا له على مواصلة السير في طريق العلم. في صباح اليوم التالي، تُلبسه أيدي الشيوخ لباسًا خاصًا يشبه زي “سبيبا” التراثي، لكنه يخلو من القناع الأحمر (تكومبوت). وخلال هذه اللحظة، يردّد المشايخ الآية الكريمة: ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾ (الصف: 13)، في تمازج بديع بين النص القرآني والإيقاع الطقسي. ينطلق بعدها الموكب إلى المسجد على وقع المدائح الدينية والأناشيد الروحية، حيث يؤدي الطالب ركعتين شكرًا لله، ثم يتجه مع رفاقه وأهل حيه لزيارة المقابر والدعاء للأموات.
وتتخلل مسيرتهم المدائح النبوية الشعبية الشهيرة مثل: «ربنا أنت الغفور، وارحم جميع أهل القبور، وأحيينا حيًّا شكور، بحرمة محمد»، وكذلك القصيدة الروحية التي تلهج بذكر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «مولانا مولانا يا سامع دعانا، لا تقطع رجانا بجاه محمد»، وغيرها من الأناشيد التي تربط الاحتفال بفضاء الذكر والابتهال. يعود الموكب بعد ذلك إلى منازل العائلة لتناول وليمة الغذاء التي أعدتها النسوة بمشاركة الجيران والأقارب، فيتحول البيت إلى منتدى للتهاني وتبادل الهدايا، ثم يأخذ الجمع قسطًا من الراحة استعدادًا لجولة مسائية تستكمل زيارة الأحياء والقبور بنفس الطابع الروحاني حتى مغيب الشمس. وبذلك تُختتم المراسيم في لوحة جامعة تجمع بين البهجة العائلية، والذكر الجماعي، والتضامن الاجتماعي. إنّ أزابو ليس مجرد احتفال بإنجاز فردي، بل هو فعل جماعي يُعيد وصل الحاضر بالذاكرة الروحية والدينية للمجتمع. فهو يكرّس قيمة القرآن في الوجدان، ويحوّل الختم إلى مناسبة اجتماعية يتشارك فيها الجميع الفرح، ويجدّدون من خلالها روابط القرابة والتكافل، كما يذكّرون أنفسهم بحتمية المصير عبر زيارة المقابر وقراءة الفاتحة على موتاهم.
إنها لحظة يتجلى فيها البعد الرمزي والوجداني، حيث يجتمع الجمال الفني في اللوحة المزركشة، بالبعد الروحي في تلاوة القرآن، بالبعد الاجتماعي في التكافل والولائم، وبالعمق التاريخي في استمرار العرف جيلاً بعد جيل. ولعلّ أجمل ما في هذا الطقس أنّه يمزج بين تقديس النص القرآني والتعبير الثقافي المحلي، فيغدو “أزابو” ذاكرة جمعية تختزن معاني الوفاء لكتاب الله، والاعتزاز بالهوية، والتأكيد على أنّ ختم القرآن في جانت ليس نهاية الرحلة، بل بداية عهد جديد مع النور الإلهي.

