كشفت أزمة انقطاع إمدادات الغاز إلى المغرب خلال الأيام الأخيرة عن اختلالات عميقة في البنية الطاقوية، رغم الخطاب الرسمي الذي يروج لنجاح مسار “الانتقال الطاقوي”. فقد أظهرت المعطيات توقف تدفقات الغاز عبر إسبانيا لعدة أيام، قبل أن تعود بشكل جزئي وبكميات أقل من المعتاد، ما تسبب في ضغط واضح على منظومة الكهرباء.
حيث تعكس هذه الأزمة إشكالية هيكلية، إذ لا يمتلك المغرب إنتاجا محليا كافيا من الغاز، ولا بنية مستقلة متكاملة للاستيراد والتخزين، بل يعتمد على استيراد الغاز الطبيعي المسال من السوق الدولية، ثم إعادة تغويزه في إسبانيا وضخه عبر أنبوب المغرب العربي-أوروبا. هذا النموذج يجعل أمنه الطاقوي رهينا بعوامل خارجية، من بينها تقلبات السوق الدولية والبنية التحتية لدول أخرى.
و أدى تراجع الإمدادات إلى اختلال سريع في توازن إنتاج الكهرباء، خاصة مع ارتفاع الطلب المحلي، ما دفع السلطات إلى زيادة الاعتماد على الفحم كخيار سريع ومتوافر. وهو ما يبرز تناقضا واضحا مع الخطاب الرسمي حول التحول نحو الطاقات النظيفة، إذ يبقى الفحم المصدر الرئيسي عند الأزمات.
و رغم تسجيل ارتفاع في واردات الغاز خلال 2025، فإن هذه الزيادة كشفت عن اعتماد مفرط على خط إمداد واحد، دون وجود سعات تخزين كافية أو بدائل مرنة. كما تشير البيانات إلى أن الفحم شكّل نحو 60% من إنتاج الكهرباء سنة 2024، مقابل نسب أقل بكثير للغاز والطاقات المتجددة، ما يعكس بطء التحول الطاقوي الفعلي.
كما تزامنت الأزمة مع تعثر مشاريع استراتيجية، أبرزها تعليق مناقصات إنشاء محطة للغاز الطبيعي المسال في الناظور، بسبب خلافات مالية ومخاوف تتعلق بتوزيع المخاطر. هذا التعثر يزيد من هشاشة المنظومة، ويؤخر بناء بدائل تقلل من الاعتماد على الخارج.

