الدكتور محمد صالح جمال | مراسلو الجنوب الكبير
تعكس التطورات الأخيرة في شمال مالي، ولا سيما في محيط كيدال، تحولا عميقا في طبيعة الأزمة، حيث لم يعد الصراع مجرد تفاعلات ميدانية ظرفية، وإنما أصبح يعكس اختلالا هيكليا في منظومة التوازنات التي كانت تضبط العلاقة بين الدولة ومحيطها الداخلي والإقليمي. هذا التحول يشير إلى انتقال الأزمة من مستوى “الإدارة الأمنية” إلى مستوى “أزمة بنيوية متعددة الأبعاد”، تتداخل فيها المحددات السياسية والأمنية والدبلوماسية.
في هذا السياق، يبرز العامل الأكثر تأثيرا في المرحلة الراهنة والمتمثل في العزلة السياسية والدبلوماسية التي يواجهها النظام الانقلابي القائم في باماكو. فالتوتر المتزايد في علاقاته مع عدد من الفاعلين الإقليميين، إلى جانب خياراته في إدارة الشأنين الداخلي والخارجي، أدى إلى تآكل تدريجي في مستوى الثقة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تراجع فرص الدعم الخارجي أو تفعيل قنوات الوساطة. هذه العزلة لا تمثل مجرد معطى دبلوماسي، بل تتحول إلى عنصر ضغط استراتيجي، يحدّ من قدرة الدولة على المناورة في لحظة حرجة.
إن أحد أهم مظاهر هذا التحول يتمثل في غياب الوساطة الإقليمية الفاعلة، التي كانت تاريخيا تشكل صمام أمان في إدارة الأزمات داخل مالي. ففي المراحل السابقة، كانت الوساطات الإقليمية تسهم في احتواء التصعيد وفتح قنوات للحوار، بما يسمح بتحويل التوترات الميدانية إلى مسارات سياسية. أما في الظرف الحالي، فإن هذا الدور يبدو شبه غائب، ما يجعل الأزمة مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيدا. فغياب الوسيط لا يعني فقط غياب الحل، بل يعني أيضا غياب آلية لامتصاص الصدمات ومنع تحولها إلى أزمات ممتدة.
في ظل هذا الفراغ، تتزايد مخاطر الانزلاق نحو نمط من الصراع المفتوح الذي يتسم بالاستنزاف المتبادل. إذ أن استمرار المواجهات دون أفق سياسي واضح يؤدي إلى إنهاك قدرات الدولة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، ويؤثر سلبا على تماسكها الداخلي. كما أن هذا الوضع يخلق بيئات أمنية هشة، غالبا ما تتحول إلى فضاءات جاذبة لفاعلين غير تقليديين، يستفيدون من ضعف السيطرة المركزية ومن غياب التنسيق الإقليمي.
علاوة على ذلك، فإن غياب الإطار السياسي المنظم يعمّق من حالة الصراع، حيث تصبح موازين القوى قابلة للتغير السريع دون وجود مرجعية تضبط هذا التغير. فالإطارات التي كانت تؤدي هذا الدور، وعلى رأسها اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة في مالي 2015، فقدت جزءا كبيرا من فعاليتها نتيجة تكرار خرقه. ومع تراجع هذا الإطار، لم يظهر بديل قادر على ملء الفراغ، ما ساهم في تفاقم حالة عدم اليقين.
في هذا الإطار، يصبح من الصعب على النظام القائم تحويل أي تحرك ميداني إلى مكسب سياسي مستدام. فغياب الغطاء الإقليمي، وضعف الثقة الداخلية، وتآكل الآليات التفاوضية، كلها عوامل تجعل من أي إنجاز عسكري محدود الأثر، وغير قابل للترجمة إلى استقرار طويل الأمد. كما أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال أكثر تعقيدا، خاصة في ظل الطبيعة المتشابكة للتهديدات في منطقة الساحل.
بناء على ذلك، يمكن القول إن ما يواجهه النظام في باماكو اليوم يتجاوز كونه تحديا أمنيا تقليديا، ليصبح أزمة شاملة تمس قدرته على الفعل السياسي والاستراتيجي. فالتقاطع بين التصعيد الميداني والعزلة الإقليمية يقلص من خياراته المتاحة. وفي غياب مبادرة إقليمية قادرة على إعادة إطلاق مسار سياسي، تبقى الأزمة مفتوحة على سيناريوهات غير مستقرة، قد تتجه نحو مزيد من التعقيد ما لم يتم استدراك الاختلالات القائمة ضمن رؤية شاملة تعيد التوازن بين متطلبات الأمن وضرورات الحل السياسي.
