من طفلة كانت تكتب على هوامش الدفاتر، إلى كاتبة تنسج من الكلمات عوالم من الإحساس والوعي، وجدت أم الخير مرابط نفسها بين السطور، فكانت الكتابة طريقها نحو النضج ووسيلتها لفهم الحياة والناس من حولها. في هذا الحوار، تأخذنا في رحلة داخل عالمها، بين الحلم والبدايات والنضج.
أم الخير الإنسانة قبل الكاتبة
قبل الكتابة كنتُ إنسانة تمنح من وقتها وجهدها بسخاء، تُصغي للآخرين وتحتويهم قبل أن تلتفت إلى نفسها. عُرفت بطيبتها واهتمامها بالناس وبقلبٍ واسع لا يعرف الأنانية. وحين قررت أن أكتب، لم يكن القرار هروبًا من أحد، بل عودة إلى ذاتي وخطوة نحو التغيير، نحو النضج والوعي، ونحو أن أكون أفضل مما كنت، وأسخّر هذا التحوّل لخدمة الآخرين وإلهامهم كما كنت دائمًا أفعل، لكن هذه المرّة بالكلمة.
بداية المشوار الأدبي
بدأت رحلتي مع الكتابة منذ سنوات طفولتي الأولى، حين كنت أجد في الكلمات ملاذًا أوسع من حدود الواقع. كنت أكتب خواطر صغيرة على هوامش دفاتري المدرسية، وأحيانًا نصوصًا قصيرة، بل حاولت دخول عالم القصة منذ الصغر. لم أدرك حينها أنها كانت البذور الأولى لحلم كبير. كنت دائمًا أحلم أن أصبح كاتبة، ومع مرور الوقت تحولت تلك الخواطر إلى نصوص تحمل شيئًا من روحي وقلبي. اللحظة الفاصلة كانت حين شعرت أن القلم صار رفيقي الحقيقي، أعود إليه في الفرح والحزن، لأكتب وأتنفس وأفهم العالم ونفسي أكثر. عندها أيقنت أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل حياة كاملة أعيشها بين السطور.
من هي الشخصية أو التجربة التي ألهمتك لمواصلة طريق الأدب والصحافة؟
إذا تحدثت عن الشخصية التي ألهمتني حقًا لمواصلة طريقي في الأدب والصحافة، فهي أستاذتي الكاتبة والصحفية ياسمينة زايد التي آمنت بي وشجعتني على المضي قدمًا، وكانت دائمًا تدفعني إلى أن أرى في الكتابة رسالة لا مجرد هواية. أما من ناحية التجربة، فقد كانت مشاركتي في كتب جامعية متعددة وخوضي غمار المسابقات الأدبية وانخراطي في فعاليات مختلفة، منعطفًا مهمًا جعلني أتشبث أكثر بهذا الطريق وأؤمن أن الكلمة قادرة على صنع أثر عميق.
ماذا يعني لكِ الأدب العربي الحديث والمعاصر الذي تخصصتِ فيه أكاديميًا؟
الأدب العربي الحديث والمعاصر بالنسبة لي ليس مجرد تخصص أكاديمي، بل نافذة على تحولات الإنسان العربي وصوته في مواجهة القضايا الكبرى، من الاستعمار إلى الهوية، ومن الاغتراب إلى البحث عن الحرية. هو مرآة تُظهر هموم المجتمع، وفي الوقت نفسه فضاء رحب للإبداع والتجريب الفني. هذا الأدب منحني القدرة على فهم عمق التجربة الإنسانية، وجعلني أرى أن الكلمة ليست مجرد تعبير، بل موقف ووعي ومسؤولية تجاه الواقع والتاريخ.
برأيك، ما الفرق بين الكتابة الورقية والكتابة الإلكترونية من حيث التأثير والانتشار؟
يمكن القول إن الفرق بينهما يكمن في أن الكتابة الورقية تحمل في داخلها هيبة التاريخ ورونق الحضور المادي. حين يمسك القارئ كتابًا بين يديه يشعر بثقل الكلمة ودفئها، ويمنح الورق النص عمرًا أطول وعلاقة أكثر حميمية. أما الكتابة الإلكترونية فهي ابنة عصر السرعة والانفتاح، تمنح الكاتب فرصة للوصول إلى عدد أكبر من القراء في وقت قصير، وتفتح فضاءات للتفاعل المباشر، لكنها تبقى عابرة أحيانًا أمام زخم المحتوى وسرعة الاستهلاك الرقمي. لذلك أرى أن كليهما يكمل الآخر: الورقي يمنح الرسوخ، والإلكتروني يمنح الانتشار.
صدر لكِ كتاب “التشافي (عن الذات)”، كيف وُلدت فكرته؟ وما الذي أردتِ أن توصليه للقارئ؟
فكرة الكتاب وُلدت من جرح شخصي عميق بعد وفاة والدي رحمه الله. وجدت نفسي أمام سلسلة من المواقف الصعبة التي أجبرتني على مواجهة الحقيقة، ورؤية وجوه كثيرة سقطت عنها الأقنعة. كانت الكتابة بالنسبة لي بداية علاج لنفسي أولًا، ثم محاولة لفهم الألم وتحويله إلى قوة. ومع مرور الوقت، تحولت إلى رسالة للغير، لعل القارئ يجد بين الصفحات عزاءً أو نورًا يرشد خطاه في طريق التعافي الخاص به. أردت أن أقول من خلاله إن الجرح ليس نهاية، بل قد يكون ولادة جديدة للذات.
ماذا أضاف لكِ التتويج في مسابقات مثل “الميكروفون الذهبي” أو “المسابقة الوطنية للقصة القصيرة”؟
التتويج أضاف لي الكثير على المستويين الشخصي والأدبي. شخصيًا منحني ثقة أكبر في صوتي وكتابتي، وأكد لي أن ما أكتبه قادر على ملامسة المتلقي. أما عمليًا، فقد فتح أمامي آفاقًا جديدة، وعرّفني بجمهور أوسع.
هل الجوائز هي دافع للاستمرار، أم أن الكاتب الحقيقي يكتب حتى دون اعتراف خارجي؟
الجوائز تمنح الكاتب دفعة معنوية وتقديرًا جميلًا لتعبه، لكنها ليست الدافع الجوهري للاستمرار. الكاتب الحقيقي يكتب لأنه لا يستطيع التوقف عن الكتابة، يكتب لأنه يجد نفسه بين السطور، ولأن القلم يصبح ضرورة حياة لا مجرد اختيار. أما الجوائز فهي إشارات ضوء على الطريق تؤكد أنه يسير في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست الطريق نفسه.
كيف ترين واقع الصحافة الثقافية في الجزائر؟ وهل تمنحينها نفس الاهتمام الذي تحظى به الصحافة السياسية أو الرياضية؟
بصراحة، الصحافة الثقافية في الجزائر لا تزال تعاني مقارنة بالصحافة السياسية أو الرياضية التي تحظى بالاهتمام الأكبر، وهذا مؤسف، لأن الثقافة تمنح المجتمع عمقه وهويته ورؤيته المستقبلية. أحيانًا نجد تغطية المناسبات الثقافية تتم بروتوكوليًا فقط، دون تعمق في المضامين أو اهتمام حقيقي بالمبدعين. ومع ذلك، هناك صحفيون شباب يحاولون بعث روح جديدة في هذا المجال، وأؤمن أن الصحافة الثقافية قادرة على استعادة مكانتها إذا وُجدت الإرادة والدعم، لأنه لا نهضة بلا ثقافة، ولا إعلام حقيقي بلا صوت للإبداع.
كيف تمثلين المرأة الكاتبة في الجنوب الجزائري وسط التحديات الاجتماعية والثقافية؟
المرأة الكاتبة في الجنوب الجزائري تتحمل مسؤولية قبل أن يكون حضورها شخصيًا. فهي تواجه تحديات اجتماعية وثقافية، وأحيانًا نظرات تقليدية تقلل من قيمة صوتها أو تحصرها في أدوار محددة. لكنني أؤمن أن الكلمة قادرة على اختراق هذه الحواجز، وأن القلم لا يعرف جغرافيا ولا قيودًا. أحاول أن أكون صورة للمرأة التي تكتب بجرأة وصدق، لأقول إن الجنوب ليس هامشًا بل مركز إشعاع ثقافي، وإن المرأة فيه شريكة في صناعة الوعي والفكر.
ما هو الحلم الأدبي أو المشروع الذي تسعين لتحقيقه مستقبلًا؟
أحلم أن أواصل طريقي بثبات، لأكون كاتبة مبدعة ومتألقة أترك بصمتي في الساحة الثقافية من خلال أعمالي. كما أسعى إلى تأسيس دار نشر تحتضن الأصوات الجديدة، وإطلاق برنامج ثقافي تلفزيوني يفتح المجال أمام المبدعين ويسلط الضوء على القضايا الفكرية والأدبية، لأساهم بدوري في نشر الثقافة وتعزيز مكانتها في المجتمع.
كلمة لقرّاء الجنوب الكبير
أنتم شركاء الكلمة وسبب استمرارها. حضوركم واهتمامكم يمنحاننا نحن الكتّاب دافعًا أقوى لنواصل. أتمنى أن تجدوا في كتاباتي ما يلامس قلوبكم ويشبهكم، وأن نواصل معًا رحلة الإبداع والثقافة.
حوار حنان ملاخ

