يعد مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء رافعة استراتيجية للتكامل الإقليمي والسيادة الطاقوية، إذ يتجاوز دوره كقناة لتصدير الغاز نحو أوروبا ليصبح أداة لتعزيز الأمن الطاقوي في إفريقيا وخلق مصادر دخل مستدامة للدول الثلاث المشاركة، في ظل تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع الطلب على الغاز. كما يمنح المشروع الجزائر موقعا محوريا كحلقة وصل طاقوية حيوية بين إفريقيا وأوروبا، ويضع الدول الثلاث في موقع قوة تفاوضية، مستفيدين من مزايا الاستقرار النسبي، والخبرة التقنية، وإمكانيات التمويل الاستثماري.
في الوقت نفسه، يشكل إطلاق أول شحنة من خام الحديد من منجم غارا جبيلات محطة تاريخية لإعادة بعث قطاع المناجم الوطني، حيث يتجسد الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تحويلها محليا ودمجها في سلاسل القيمة الصناعية. ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز الأمن الصناعي، دعم الاستثمارات الوطنية، وفتح آفاق تصديرية عبر الموانئ الوطنية، بما يرسخ تنويع الاقتصاد الوطني بعيداً عن الاعتماد الكلي على قطاع المحروقات.
كما تعكس النشاطات المنجمية والطاقوية خارج التراب الوطني، من خلال متابعة مشاريع سوناطراك في النيجر وغيرها، التزام الجزائر القانوني والدستوري بضمان مصالحها الاستراتيجية، مع اعتماد إطار تشريعي حديث يسمح بالاستغلال في البر والبحر على حد سواء، ما يعزز استثمار الثروات الطبيعية وفق معايير قانونية واضحة وعصرية.
بهذه الخطوات المتوازية، تؤكد الجزائر أن مشاريع الغاز والمناجم ليست مجرد مشاريع طاقة، بل أدوات استراتيجية شاملة لتعزيز التكامل الإقليمي، دعم التنمية الاقتصادية المستدامة، وترسيخ السيادة الوطنية، بما يجعلها فاعلا محوريا على الصعيدين الإقليمي والدولي في المشهد الطاقوي والاقتصادي العالمي.
في خطوة تعكس رؤية استراتيجية شاملة للجزائر في مجال الطاقة والمناجم، وتؤكد على تعزيز مكانتها كفاعل إقليمي موثوق، شهدت الأسابيع الأخيرة نشاطات متعددة في هذا القطاع الحيوي، من أبرزها زيارة وزير الدولة، وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب إلى جمهورية النيجر، وتفعيل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (نيجيريا–النيجر–الجزائر)، إلى جانب إطلاق أول شحنة من خام الحديد من منجم غارا جبيلات، وهو ما يعكس تزامناً بين تعزيز التكامل الإقليمي وتحقيق المكاسب الاقتصادية الوطنية.
ضروي لـ”الجنوب الكبير”: أنبوب نيجيريا–النيجر–الجزائر ورقة طاقوية جديدة في معادلة أوروبا
قدم الدكتور محمد شريف ضروي، خبير التخطيط الاستراتيجي والعلاقات الدولية، قراءة معمقة للأبعاد الاقتصادية، الجيوسياسية، والأمنية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا – النيجر – الجزائر، مؤكدا في تصريح لـ”الجنوب الكبير”أن هذا المشروع لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الطاقوي العالمي، ولا عن موقع الجزائر المتقدم كفاعل موثوق في معادلات الطاقة الإقليمية والدولية.
وأوضح الدكتور ضروي أن الحديث عن التنسيق الكامل أو الشامل في مختلف مراحل المشروع، سواء مع الشركاء الإقليميين أو الدوليين، من دول أو شركات ناشطة في قطاع الغاز، وحتى المؤسسات المالية والمصرفية، يعد مدخلا حاسما لاختصار الزمن قبل اختصار التكاليف. وأضاف أن الاستثمار في الوقت، قبل الاستثمار في الأموال، هو الضامن الحقيقي لاستدامة المشروع إقليميا ودوليا، لا سيما وأن الأنبوب المرتقب سيكون بمثابة “بطارية طاقوية” الدول الاتحاد الأوروبي، في ظل بحثها المتسارع عن بدائل آمنة ومستقرة لإمدادات الطاقة.
وأشار الخبير إلى أن الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لأنبوب الغاز العابر للصحراء تنبع من مردوديته العالية على الدول الثلاث: الجزائر، النيجر، ونيجيريا. غير أن المشروع، ورغم وجاهته الاستراتيجية، يواجه في كل مرة جملة من الإشكالات، أبرزها – حسب تعبيره – ضعف البنية التحتية في النيجر، التي تبقى بعيدة عن الحد الأدنى المطلوب لإنجاح مشروع بهذا الحجم. وهو ما يستدعي استثمارات ضخمة وخبرات تقنية متقدمة، تجعل من عنصر التمويل الاستثماري حجر الزاوية في مسار الإنجاز.
وتوقع الدكتور ضروي أن تلجأ حكومة النيجر إلى المصارف والمؤسسات المالية الدولية، من أجل بلوغ مستوى تمويلي يضمن شراكة متوازنة ومستدامة مع الجزائر ونيجيريا، مؤكدا في السياق ذاته أن الجزائر تبقى دائما قيمة مضافة استثمارية، بالنظر إلى الامتيازات والتسهيلات التي توفرها، إضافة إلى خبرتها المتراكمة في إدارة المشاريع الطاقوية الكبرى.
تحديات لوجستية وأمنية والجزائر عنصر توازن
وفي ما يتعلق بالتحديات اللوجستية، شدد الخبير على أن النيجر تواجه إشكالات حقيقية بسبب غياب بنية تحتية مكتملة أو حتى قاعدية، غير أن تغطية هذا العجز – حسب رأيه – يبقى ممكنا بفضل القدرات التقنية واللوجستية لكل من الجزائر ونيجيريا.
أما على صعيد التمويل، فأكد أن السيناريوهات المطروحة متعددة، من بينها شراكات مباشرة مع الاتحاد الأوروبي، باعتباره المستفيد النهائي من المشروع، ما يمنحه مصلحة مباشرة في ضمان تمويله واستقراره.
وبخصوص البعد الأمني، أشار الدكتور ضروي إلى أن المشروع لا ينفصل عن تحديات محاربة الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة، معتبرا أن النيجر تمثل الحلقة الأضعف أمنيا، خاصة في ظل هشاشة الاستقرار الداخلي ومرحلة ما بعد تراجع النفوذ الفرنسي، التي خلفت – على حد وصفه – فراغات أمنية واضحة. ومع ذلك، يرى أن الجزائر، بما راكمته من خبرة أمنية وإقليمية، قادرة على لعب دور محوري في تحصين مسار المشروع.
سياسيا، اعتبر الخبير ضروي أن التحديات تبقى محدودة، ولا تتجاوز إطار التنافس الإقليمي والدولي، مؤكدا أن الكفة تميل بوضوح لصالح الجزائر ونيجيريا، بفضل الثقة التي تحظيان بها في مجال الطاقات الأحفورية. أما النيجر، فيرى أن المشروع قد يشكل لها انطلاقة تاريخية في قطاع الطاقة، ليس فقط باعتبارها دولة عبور، بل كطرف مستفيد من حصص الغاز، ورسوم العبور، واكتساب الخبرات التقنية، فضلا عن فك العزلة عن مناطقها النائية الممتدة من الجنوب إلى الشمال.
وبالنسبة للجزائر، شدد الدكتور ضروي على أن المشروع يعد من أكبر المشاريع الاستراتيجية للدولة، ومنسجما تماما مع مسار سوناطراك وخبراتها الدولية، حيث يشكل المردود المالي والاستثماري قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، إلى جانب أبعاده السياسية والدبلوماسية.
أوروبا في موقع المتلقي والثلاثية في موقع القوة
وفي تحليله لموقع الاتحاد الأوروبي، أوضح الخبير أن المشروع يضع الثلاثية الجزائر–النيجر–نيجيريا في موضع قوة تفاوضية، مقابل وضع أوروبي يتسم بالهشاشة الطاقوية، خاصة بعد الابتعاد عن خيار الغاز الروسي. كما أن قرب المشروع جغرافيا من أوروبا، واستقراره النسبي، يجعله خيارا استراتيجيا ضمن المنظومة الطاقوية العالمية.
وتوقف الدكتور ضروي عند دلالة التعاون في مجالات البحث والاستكشاف، معتبرا أن الكفة تميل بوضوح لصالح الجزائر، الرائدة في هذا المجال، مقابل النيجر التي تسعى للخروج من التخلف التقني والتكنولوجي، بعد عقود من تركيز الشركات الفرنسية على اليورانيوم وإهمال الطاقات الأحفورية. وهو ما يجعل من سوناطراك الشريك الأنسب، بحكم تشابه البيئة الجيولوجية، وتطابق مناهج العمل، وغياب الأجندات الخفية.
وأكد أن هذا التعاون سيعزز السمعة الدولية لسوناطراك، ويفتح آفاقا جديدة لاكتشاف آبار إضافية في النيجر، مشيرا إلى أن الإكراهات التقنية والإدارية ستتلاشى في حال توفرت إرادة سياسية حقيقية، تبقى – حسبه – المفتاح الرئيسي لإزالة العوائق.
وأضاف الدكتور محمد شريف ضروي أن الجزائر تظل الوجهة الأنظف والأكثر ثقة دوليا بالنسبة للنيجر ونيجيريا، بالنظر إلى تاريخها القائم على الندية والشفافية، وغياب الكواليس في إدارة المشاريع الكبرى، وهو ما يجعل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء ليس فقط مشروع طاقة، بل مشروع سيادة وتنمية وتكامل إقليمي بامتياز.
وتحدث محمد شريف ضروي، خبير التخطيط الاستراتيجي والعلاقات الدولية، عن الأبعاد العميقة للزيارة محل النقاش، معتبرا أن قراءتها لا يمكن أن تقتصر على مشروع أو ملف بعينه، بل ينبغي وضعها ضمن سياقها الإقليمي والاستراتيجي الأوسع.
وأوضح ضروي أن هذه الزيارة تطرح، بطبيعة الحال، جملة من التساؤلات الجوهرية المرتبطة بالتحول الذي تشهده الجزائر في مقاربتها لقطاع الطاقة، حيث انتقلت – حسبه – من منطق “المشروع الوطني للطاقة” إلى منطق المشاريع الإقليمية، التي باتت تتجسد من خلال انخراط الجزائر في تكتلات ثنائية ومتعددة الأطراف، بهدف واحد يتمثل في ترسيخ موقعها كقوة ارتكاز طاقوية على المستوى الإقليمي.
وأضاف الخبير أن هذا التوجه لا ينفصل عن التحولات العميقة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، والذي أصبح خلال العقدين الأخيرين من أكثر الأسواق استراتيجية وحيوية، ما فرض منطق التنافسية على جميع الدول، بما فيها الجزائر، ودفعها إلى التموقع ضمن تكتلات قادرة على موازنة ثقل تكتلات المشترين الكبار والمستوردين المحتملين، وتحقيق قيمة مضافة اقتصادية أوسع.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الجزائرية–النيجرية، أشار ضروي إلى أن الزيارة تفتح مباشرة ملف مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر، في اتجاه السوق الأوروبية التي تُعد من أكبر مستهلكي الغاز في العالم. واعتبر أن مجرد عقد هذا اللقاء يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن المشروع يشهد تقدماً فعلياً ويتحرك بخطوات ثابتة، وفق إرادة سياسية مشتركة تسعى إلى تجسيده على أرض الواقع.
كما لفت المتحدث إلى بعد ثالث لا يقل أهمية، يتمثل في البعد التكنولوجي، مبرزا المكانة الدولية التي باتت تحظى بها شركة سوناطراك، والتي أصبحت – حسبه – مصنفة ضمن كبريات الشركات العالمية الرائدة في مجالات الطاقة الأحفورية، ولا سيما الغاز. وأكد أن سوناطراك تمتلك براءات اختراع ومنظومات تقنية معترف بها دوليا في سوق الغاز، ما يمنحها قدرة تنافسية عالية ويعزز حضور الجزائر كشريك موثوق في المشاريع الطاقوية الكبرى ذات البعد الإقليمي والدولي.
شيبوط لـ”الجنوب الكبير”:أنبوب الصحراء رافعة للتكامل الإقليمي والسيادة الطاقوية
أكد البروفيسور شيبوط سليمان، أستاذ بجامعة الجلفة، أن زيارة العمل التي يقوم بها وزير الدولة، وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب إلى جمهورية النيجر، تكتسي أهمية استراتيجية بالغة، وتتجاوز بعدها التقني الظرفي، لتندرج ضمن رؤية شاملة تقوم على تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية وتعزيز الشراكات الطاقوية الإقليمية في سياق دولي شديد التعقيد.
وأوضح البروفيسور شيبوط في تصريح لـ”الجنوب الكبير”أن هذه الزيارة، التي تهدف إلى الاطلاع على آخر مستجدات نشاط مجمع سوناطراك في النيجر، ولا سيما متابعة مشروع البحث والاستكشاف في حقل كفرا النفطي شمال البلاد، تندرج في إطار تعزيز التنسيق والتشاور بين الجزائر والنيجر، وإزالة العراقيل التنظيمية والقانونية التي قد تعيق تقدم المشاريع المشتركة، خاصة بعد سلسلة الاجتماعات التنسيقية التي جمعت الطرفين، بحضور المدير العام لسوناطراك وممثلي الشركة الوطنية النيجرية للبترول “سونيديب”.
وأضاف المتحدث أن هذا الحراك الميداني يعكس إرادة سياسية واضحة لدى البلدين لضمان تحقيق الأهداف المشتركة، والاستفادة من الخبرة الواسعة التي راكمتها سوناطراك في مجالات التنقيب والبحث والاستكشاف، بما يسمح بتسريع وتيرة الإنجاز واحترام آجال استكمال المشاريع الاستراتيجية، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالنيجر فالجزائر، وصولاً إلى السوق الأوروبية.
مشروع استراتيجي يتجاوز الحسابات المالية
وبخصوص الجدوى الاقتصادية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، شدد الدكتور شيبوط سليمان على أن تقييم المشروع لا ينبغي أن يختزل في كلفة الإنجاز أو توزيع المساهمات المالية بين الدول الثلاث، حيث ساهمت الجزائر ونيجيريا بنحو خمسة مليارات دولار لكل منهما، مقابل ثلاثة مليارات دولار للنيجر، بل يجب النظر إليه كمشروع استراتيجي طاقوي بامتياز، يهدف إلى تعزيز الأمن الطاقوي في إفريقيا، وخلق مصدر دخل مستدام للدول الثلاث، خاصة في ظل تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع الطلب على الغاز الإفريقي بعد الحرب الروسية–الأوكرانية.
وأشار إلى أن استكمال المشروع سيحول الجزائر إلى بوابة عبور رئيسية للغاز الإفريقي نحو أوروبا، ما يعزز موقعها الجيوطاقوي ويمنحها وزنا تفاوضيا أكبر في السوق الدولية. كما لفت إلى أن تقاسم المخاطر والتعويضات يندرج ضمن الأطر التقنية الطبيعية لمثل هذه المشاريع الكبرى، مؤكدا أن نيجيريا والجزائر أنجزتا أشواطا متقدمة من الأنبوب داخل أراضيهما، بحكم خبرتهما الطويلة في مجالات النقل الطاقوي واللوجستيك، في حين يبقى التحدي الأبرز متمثلا في ضعف البنية التحتية بالنيجر.
غير أن هذا العائق، حسبه، يمكن تجاوزه من خلال الدعم التقني واللوجستي الذي توفره كل من سوناطراك والشركة النفطية النيجيرية، ما سيسهم في تسريع وتيرة الإنجاز وتحقيق مكاسب تنموية واضحة، من بينها تحسين التزويد بالطاقة الكهربائية، وترقية الاستثمار، وتسريع التنمية الاقتصادية في الدول الثلاث.
وفي حديثه عن التحديات الاستراتيجية، أوضح البروفيسور شيبوط أن المشروع يواجه جملة من المخاطر الأمنية واللوجستية والسياسية، نظرا لطوله الذي يتجاوز 4000 كيلومتر، ومروره بمناطق صحراوية ذات درجات حرارة مرتفعة، وما يرافق ذلك من تكاليف صيانة واحتمالات أعطال تقنية. غير أن الاستقرار السياسي في الجزائر ونيجيريا، وعودة الاستقرار التدريجي في النيجر، يمثل – حسبه – عاملا مطمئنا، رغم استمرار بعض التهديدات في منطقة الساحل.
وأكد أن التنسيق الأمني بين الدول الثلاث، إلى جانب الاهتمام الأوروبي المتزايد بالغاز الإفريقي، يمكن أن يحد من هذه المخاطر، خاصة إذا ما اقترن ذلك بدعم مالي قوي. وفي هذا السياق، أبرز المتحدث أهمية الجانب التمويلي، مشيراً إلى أن عددا من البنوك والمؤسسات المالية أبدت استعدادها للمساهمة في تمويل المشروع، من بينها البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد والبنك الإفريقي للتنمية، بالنظر إلى الطابع الاستراتيجي وطويل الأمد لهذا الأنبوب، لا سيما في ظل تقدم مسار منطقة التجارة الحرة الإفريقية وتعزيز المبادلات البينية.
الجزائر فاعل محوري وعوائد مستدامة
وأضاف البروفيسور شيبوط سليمان بالتأكيد على أن الجزائر قادرة على جني فوائد كبيرة من تعزيز التنسيق والتشاور بين مختلف الأطراف المعنية بالمشروع، خاصة عبر تسريع إنجاز الجزء المتبقي داخل الأراضي النيجرية. واعتبر أن زيارة وزير الدولة ووفد سوناطراك تشكل دليلا واضحا على جدية الجزائر في كسب هذا الرهان الاستراتيجي، وتعزيز مكانتها كدولة فاعلة في المشهد الطاقوي الإفريقي والدولي.
وأضاف أن المشروع سيمكن من نقل ما يقارب 35 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، وهو ما يضمن عوائد اقتصادية معتبرة وتدفقات مالية مستدامة، بالنظر إلى الأهمية المتزايدة للغاز في الاقتصاد الأوروبي، مؤكدا أن أنبوب الغاز العابر للصحراء لم يعد مجرد مشروع طاقة، بل رافعة حقيقية للتكامل الإقليمي والتنمية المشتركة وتعزيز السيادة الطاقوية.
بخوش لـ“الجنوب الكبير”: أول شحنة من غارا جبيلات محطة تاريخية لقطاع المناجم
أكد الدكتور أحمد بخوش، مستشار الرئيس المدير العام للمؤسسة الوطنية للبحث والاستغلال المنجمي “سوناريم”، في تصريح إعلامي أن إنجاز خط السكة الحديدية المخصص لنقل أول شحنة من خام الحديد من منجم غارا جبيلات بولاية تندوف، يمثل محطة تاريخية فارقة في مسار إعادة بعث قطاع المناجم، وخطوة عملية نحو تحقيق تنويع فعلي للاقتصاد الوطني خارج قطاع المحروقات.
وأوضح بخوش، أن هذا المشروع يندرج ضمن رؤية استراتيجية جديدة اعتمدتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، تقوم على تثمين الموارد المنجمية محليا وربطها بسلاسل القيمة الصناعية، بما يسمح بتحويل الثروات الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، بدل الاكتفاء بتصديرها في شكل مواد خام. واعتبر أن هذا التوجه يكرّس انتقال قطاع المناجم من نشاط تقليدي محدود الأثر إلى قطاع تنافسي داعم للأمن الصناعي الوطني.
و أشار بخوش إلى أن الحكومة وضعت منذ سنة 2020 مخطط عمل خاصا بقطاع المناجم، تضمن إطلاق ثلاثة مشاريع استراتيجية كبرى، يتقدمها مشروع غارا جبيلات للحديد، إلى جانب مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة في تبسة، ومشروع الزنك والرصاص بتالة حمزة – وادي ميزاب ببجاية، فضلا عن مراجعة قانون المناجم لجعله أداة فعالة لاستقطاب الاستثمار وتعزيز الشراكات التكنولوجية.
وبين بخوش أن مشروع غارا جبيلات لا يقتصر على نشاط الاستخراج فقط، بل يقوم على منظومة تثمين متكاملة، تبدأ بمرحلة المعالجة الأولية في موقع المنجم بطاقة إنتاج تصل إلى 8 ملايين طن سنويًا، تليها مرحلة تحويل خام الحديد إلى مركزات وكريات في مركب توميات بطاقة 4 ملايين طن سنويًا، قبل توجيه الإنتاج لتلبية حاجيات الصناعات الوطنية من الحديد والصلب، مع فتح آفاق التصدير عبر ميناء وهران.
وأكد المتحدث أن الهدف الاستراتيجي المسطر في أفق سنة 2040 يتمثل في بلوغ إنتاج 50 مليون طن سنويا من خام الحديد، مع تحويل 25 مليون طن منها إلى مواد مخصصة لصناعة الحديد والصلب، موزعة بين مركبات صناعية في ولايتي بشار والنعامة، وهو ما من شأنه، حسبه، تعزيز تموقع الجزائر في الأسواق العالمية ومنحها نقاط قوة تفاوضية في إطار الشراكات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
وأضاف بخوش أن انعكاسات مشروع غارا جبيلات تتجاوز البعد الصناعي والاقتصادي، لتشمل خلق ديناميكية تنموية شاملة في الجنوب الغربي، تشمل الجوانب الاجتماعية والثقافية وحتى السياحية، من خلال ربط هذه المناطق بالشمال وبالموانئ الوطنية، وفتح آفاق لربط الجزائر بعمقها الإفريقي، وتعزيز دورها الإقليمي كمحور للمبادلات التجارية.
وأكد أحمد بخوش أن خيار التحويل المحلي للموارد المنجمية يشكل حجر الأساس في نجاح الرؤية الاقتصادية الجديدة للجزائر، باعتباره يضمن بقاء القيمة المضافة داخل الوطن، ويضع حدا لمرحلة تصدير المواد الخام واستيرادها مصنعة، بما يعزز السيادة الاقتصادية ويدعم مسار التنمية المستدامة.
بودهان لـ”الجنوب الكبير”:سوناطراك رافعة الشراكة الجزائرية-النيجرية في الطاقة
قدم الخبير في القانون الدستوري موسى بودهان قراءة قانونية ودستورية لزيارة وزير الدولة، وزير الطاقة والمناجم، إلى جمهورية النيجر، وما تحمله من دلالات سياسية وقانونية واقتصادية، مرتبطة أساسا بمتابعة نشاطات الشركة الوطنية سوناطراك في مجالات البحث والاستكشاف، لا سيما في حقل كفر النفطي، وباقي المشاريع المنجمية والطاقوية التي تشرف عليها الشركة خارج الوطن.
وأكد بودهان في تصريح لـ”الجنوب الكبير”أن هذه الزيارة لا يمكن قراءتها كحدث تقني أو بروتوكولي فحسب، بل تندرج في إطار اختصاصات قانونية واضحة منحها المشرع الجزائري لوزير الطاقة والمناجم، ضمن النصوص الجديدة المنظمة للنشاطات المنجمية والطاقوية، والتي تلزم أعلى مسؤول في القطاع بمتابعة ميدانية ودائمة، ليس فقط داخل الإقليم الوطني، وإنما أيضا خارج الحدود، متى تعلق الأمر بمصالح استراتيجية للدولة الجزائرية.
الأساس الدستوري للنشاطات المنجمية والاستثمارية
وأوضح الخبير أن مقاربة الدولة الجزائرية لملف المناجم والطاقة تستند، في جوهرها، إلى مرجعية دستورية صريحة، مذكرا بالمادة 61 من الدستور الجزائري، التي تنص على أن “الصناعة والتجارة والمقاولاتية والاستثمار مضمونة وتمارس في إطار القانون”. واعتبر أن هذه المادة تشكّل القاعدة الدستورية الأم التي تُبنى عليها مختلف القوانين القطاعية ذات الصلة بالاستثمار والنشاطات المنجمية.
وأضاف أن الجزائر لا تعتمد إطارا قانونيا واحدا، بل منظومة متكاملة من النصوص، بدأت بالقانون الصادر سنة 1980، مرورا بالقوانين اللاحقة التي عدلت وطورت، على غرار قانون 71-10، وقانون 45-15، وصولا إلى القانون الأحدث والأكثر أهمية، وهو القانون 25-18 المتعلق بالاستثمار، إلى جانب القوانين المنظمة للنشاطات المنجمية.
وشدد موسى بودهان على أن القانون 25-18 يعد حجر الزاوية في تكريس حريات الاستثمار في الجزائر، موضحا أن هذا النص خضع لإعادة صياغة ومراجعة أكثر من مرة، بإرادة سياسية واضحة، من أجل إنضاجه وتوفير أقصى الضمانات القانونية والقضائية والتنظيمية وحتى السياسية، قصد تشجيع المستثمرين، سواء كانوا جزائريين أو أجانب، دون عراقيل أو تعقيدات بيروقراطية.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن الدولة لم تكتف بإصلاح القوانين الاقتصادية فقط، بل ذهبت أبعد من ذلك، عبر تعديل قانون العقوبات بموجب الأمر 16-265 المعدل والمتمم، لتسليط عقوبات صارمة على كل من يعرقل الاستثمار أو يفرض منطق البيروقراطية، بغض النظر عن صفة الفاعل، سواء كان من القطاع العام أو الخاص، وطنيا أو أجنبيا.
وأوضح الخبير أن القانون الجديد للنشاطات المنجمية لا يفتح المجال للاستغلال في البر فقط، بل يمتد إلى الاستغلال في البحر، بما في ذلك المياه البحرية، وهو ما يعكس – حسبه – تحولا عميقا في رؤية الدولة الجزائرية لهذا القطاع، وسعيها لاستغلال كل الثروات الطبيعية وفق أطر قانونية واضحة وعصرية.
وأكد أن رئيس الجمهورية يولي أهمية قصوى للمتابعة الميدانية لهذه المشاريع، وهو ما يفسر تكليف وزير الطاقة والمناجم شخصيا بمتابعة نشاطات سوناطراك في النيجر وغيرها من الدول، باعتبار ذلك جزءا لا يتجزأ من مهامه القانونية المنصوص عليها في القوانين الجديدة.
إيمان علياني
