منذ تنصيبه على عرش الكرسي الرسولي لدولة الفاتيكان، أعلن البابا الجديد أنه تلميذ القديس أوغستين وفي ذات الخطاب أعلن أنه سوف يزور الجزائر ويحمل حمامة السلام للعالم وسوف يركز كامل جهوده لاحتلال التعايش بين جميع شعوب المعمورة، بابا الفاتيكان أو الرجل الأول للكنيسة الكاثوليكية التي يصل أتباعها إلى قرابة المليار ونصف موزعين عبر كامل قارات العالم يعكس مدى التأثير للقوة الناعمة لهذه الدولة التي لا تتعدى مساحتها بضع مئات الأمتار، والملاحظ في خطاب البابا ليون الرابع ذكره للقديس أوغستين والجزائر معا مما يشير إلى ارتباط هذه الشخصية بأرض الجزائر، وكيف كان الحوار بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في زيارته الأخيرة إلى إيطاليا وزيارته لدولته الفاتيكان ولقاءه مع البابا الذي خصه بترحيب مميز وابدى رغبته في زيارة الجزائر وقابله الرئيس تبون بتوجيه الدعوة متى سنحت له الفرصة.
القديس أوغستين شخصية لها وزن كبير في الفكر السياسي الغربي اللاهوتي منذ قرون ولا زال حتى الان، علما أن القديس أوغستين مسقط رأسه في بلدة مداوروش بمدينة تيبازة، وأسس فيها جامعة ماديرا، التي تعتبر أول جامعة في التاريخ تقدم علوما متقدمة وراقية، وقاعدة حقيقية لتأسيس الفكر الغربي اللاهوتي والسياسي، فلا غرابة ان يذكره البابا ليون الرابع في خطابه مبديا رغبته في زيارة الجزائر ومسقط رأس القديس أوغستين، فهذه الشخصية التاريخية كان من أبرز أفكارها فكرة السلام وان كل المجتمعات البشرية مهما اختلفت اجناسها واعراقها وعاداتها وديانتها تستطيع ان تعيش في سلام مع بعض، ومع ذلك القديس اوغستين يرى أن لا اختلاف ولا معارضة بين السياسة والدين، بل يرى أن السياسة كلما اقتربت من الدين كلما زاد نضجها ووعيها وفهمها لاختلاف الاخر ومن ثم يعم السلام، وحتى الحروب يجب ان تكون من باب الدفاع لا الاعتداء على الاخرين، وهدفها إعادة الحق ويجب ان تدار بنية تحقيق السلام وليس الانتقام، علما ان أوغستين عاش في القرن الخامس الميلادي وطرح هذه الأفكار لتتجسد فعليا وواقعيا في القرن العشرين مع انشاء منظمة الأمم المتحدة التي هي بمثابة الحكومة العالمية وهدفها الأساسي هو إحلال السلام وتشجيع التعايش بين مختلف الشعوب والمجتمعات، ومجلس الامن فيها يعلن الحرب من اجل السلام وليس الانتقام، كما يركز أوغستين على فكرة السلام يجب ان تكون أصيلة لدى البشر وهذا لا يتحقق إلا من خلال الاخلاق والتأكيد على سموها بين البشر.
لماذا طرح بابا الفاتيكان فكر أوغستين رغم أنها موجودة وتدرس في أعرق الجامعات الغربية، فكر أوغستين سواء الديني أو السياسي يمثل جوهر القوة الناعمة التي ترتكز عليها عديد من دول العالم ومنها الفاتيكان، فدبلوماسية القوة الناعمة تحقق العديد من المزايا للدولة بتكلفة أقل وتغلغل أكثر ويحفظ مكانة صورتها النظيفة أمام العالم، فجوهر فكر أوغستين ان يعم السلام العالم، وفي هذه الظرفية التي نصب فيها بابا الفاتيكان ليون الرابع، العالم يمر بتحولات عميقة وظروف غاية الخطورة مع ما يحدث في قطاع غزة الفلسطيني من جرائم الكيان الصهيوني واعتداءاته المتكررة على سيادة الدول دون يجد من يوقفه او يحاسبه، فضلا عن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتحركات الجماعات الإرهابية في افريقيا والشرق الأوسط بايعاز من القوى الوظيفية التي تحاول نشر الفوضى، امام كل هذا يطرح اوغستين كيف نعيش في سلام في عالم بعيد عن الحروب وجرائمها المقيتة، كيف نجعل من الاختلاف أساس الحوار، وكيف نربي الأجيال على الاخلاق والفضيلة واحترام الغير مهما كان، كل هذه الأفكار وغيرها أثرت كثيرا في البابا الجديد، صحيح انها مثالية والواقع مختلف تطغى عليه الانانية، وتفضيل المصالح الشخصية وهيمنة القوة والامبريالية الغربية المتوحشة المستنزفة لثروات الشعوب سيما دول العالم الثالث، ومع ذلك تبقى رسالة أوغستين وفلسفته في الحياة ومبادئ التعايش مستمرة وتدرس كحكمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإيقاف الحروب سيما العبثية ولا مبرر لها، وان يكون المجتمع الدولي له الشجاعة الكافية لإدانة جرائم الكيان الصهيوني المرتكبة في قطاع غزة، بل إيقاف الحروب العبثية في منطقة الساحل الافريقي والقرن الافريقي ومناطق النزاع في العالم التي يذهب اغلب ضحاياها من الأطفال والنساء وكبار السن.
إرث القديس أوغستين لا تزال الجزائر تحصد نتائجه ويجعل صورتها ناصعة، لكن في مقابل ذلك ينتظر من السلطات أن تعمل الاستفاذة منه وترويجه قدر الإمكان، ولما لا تكون أكاديمية أوغستين للسلام في شكل مركز دراسات أو معهد يشجع على أبحاث السلام ويقدم جوائز تشجيعية كل سنة ويتم العمل على الترويج له إعلاميا، فالكثير من سكان المعمورة يدرسون أفكار اوغستين لكن لا يعلمون انه ولد وترعرع في الجزائر، هذه الأخيرة مطالبة أكثر من أي وقت مضى لبناء جسور التواصل أكثر مع دولة الفاتيكان وان تكون زيارة البابا حدثا إفريقيا أكثر منه جزائريا، وأن يكون الحدث مناسبة لبعث ميثاق السلام العالمي من أرض الجزائر الأرض التي أحبها القديس أوغستين.
