تفرض الجرائم الاستعمارية، رغم مرور عقود على وقوعها، حضورا قويا في الذاكرة الجماعية لشعوب إفريقيا ومنطقة الكاريبي. فصفحات التاريخ التي سطرت بالقوة والقهر والنهب لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت لحظات مفصلية غيرت مسارات دول بأكملها، وخلفت آثارا اجتماعية واقتصادية وثقافية ما زالت ماثلة إلى اليوم، وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، باتت العودة إلى هذا الماضي المؤلم ضرورة استراتيجية، ليس من أجل اجترار الآلام، بل من أجل تفكيك منظومات الظلم واستعادة الحقوق وبناء مستقبل أكثر عدالة وتوازنا. ومن هنا، تبرز الدعوة إلى توحيد الجهود بين إفريقيا والكاريبي كخطوة تاريخية لإعادة تعريف مكانة الجنوب العالمي في النظام الدولي، عبر تعزيز الذاكرة المشتركة، وتوحيد الخطاب السياسي، وتثبيت حق الشعوب في العدالة التاريخية والتنمية المستدامة.
في هذا السياق، احتضنت الجزائر، الأحد، باقتراح من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ،ورعاية منه الملتقى الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا، في حدث يعد من أبرز المحافل القارية التي جمعت مسؤولين ووزراء وخبراء من إفريقيا ومنطقة الكاريبي وعدة دول أخرى. وقد شكل هذا اللقاء منصة فكرية وسياسية عابرة للحدود، تهدف إلى بناء رؤية مشتركة لمستقبل خالٍ من تبعات الاستعمار، قائم على الاعتراف بالجرائم المرتكبة، وجبر الضرر، وتحصين الأجيال القادمة من إعادة إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة.
الجزائر فضاء لإحياء الذاكرة وبناء رؤية قارية مشتركة
لم يكن اختيار الجزائر لاحتضان هذا الملتقى حدثا عابرا أو قرارا بروتوكوليا فحسب، بل جاء محملا بدلالات سياسية وتاريخية عميقة تجعل من الجزائر المكان الطبيعي لاحتضان نقاش عالمي حول الجرائم الاستعمارية. فالجزائر، التي خاضت واحدة من أعنف وأطول معارك التحرر في القرن العشرين، دفعت ثمنا باهظا لانعتاق و الحرية ، دما ودموعا ودمارا، وقد شكل نضالها الطويل ضد الهيمنة الأجنبية نموذجا ألهم شعوبا عديدة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وفي ذاكرة العالم، لا تزال الثورة الجزائرية رمزا لنضال الشعوب من أجل الحرية والكرامة واسترجاع السيادة.
هذا التاريخ الثقيل جعل من الجزائر دولة تحمل إرثا معنويا كبيرا في الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما انعكس مبكرا في توجهات سياستها الخارجية بعد الاستقلال. فمنذ عقود، تبنّت الجزائر موقفا ثابتا يقوم على دعم حركات التحرر في إفريقيا والكارايبي وفلسطين وغيرها، ورفض كل أشكال الاستعمار القديم والجديد، والعمل على تحرير النظام الدولي من اختلالاته التاريخية. ولذلك، فإن استقبالها لهذا الملتقى لا يعد مجرد احتضان لمناسبة دبلوماسية، بل هو امتداد طبيعي لدورها التاريخي في مناصرة قضايا العدالة والتحرر.
وفي أجواء رسمية مهيبة، افتُتحت أشغال الملتقى وسط حضور وازن لكبار الشخصيات الإفريقية والدولية، بما في ذلك وزراء خارجية، رؤساء مؤسسات إقليمية، خبراء في القانون الدولي، وممثلون عن منظمات من الكاريبي وأمريكا اللاتينية. وقد مثّل هذا التجمع الرفيع رسالة قوية للعالم بأن ملف الجرائم الاستعمارية، رغم محاولات طمسه أو التقليل من شأنه، أصبح اليوم قضية مركزية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها في أي نقاش حول العدالة الدولية.
كما أن الحضور المكثف لدول تنتمي إلى فضاءات جغرافية وثقافية مختلفة يعكس إدراكا جماعيا بأن الاستعمار لم يكن مجرد مرحلة عابرة، بل منظومة متكاملة من الاستغلال والهيمنة تركت آثارا ممتدة على البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لشعوب الجنوب. ومن خلال هذا الملتقى، تؤكد الجزائر أن الوقت قد حان لفتح هذا الملف بشجاعة، وطرح أسئلة العدالة والمحاسبة، واسترجاع الذاكرة، وتفكيك الروايات المزيفة التي طالما حاولت تبرير أو تلطيف جرائم الاستعمار.
رئيس الجمهورية كان له الفضل في طرح مبادرة تنظيم المؤتمر
أكد وزير الدولة, وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية, السيد أحمد عطاف, بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال”، أن رئيس الجمهورية, السيد عبد المجيد تبون , كان له الفضل في طرح مبادرة تنظيم المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا.
وفي كملة له خلال افتتاح هذا المؤتمر, نقل السيد عطاف تحيات رئيس الجمهورية إلى المشاركين في هذا الحدث البارز الذي ينعقد تحت رعايته السامية، بالتنسيق الوثيق مع مفوضية الاتحاد الإفريقي, مبرزا أن رئيس الجمهورية كان له الفضل في طرح مبادرة تنظيم هذا المؤتمر الدولي خلال القمة العادية الأخيرة للاتحاد الإفريقي مطلع العام الجاري, وهي المبادرة التي باركها -مثلما قال- “أشقاؤه الأفارقة وزكوها بالإجماع”.
نداء أنغولي لبناء إفريقيا موحدة وقوية قانونيا
وفي كلمته بهذه المناسبة، عبّر وزير الخارجية الأنغولي، تيتي أنطونيو، عن تقديره الكبير للجزائر لاحتضانها هذا الحدث التاريخي، معتبرا أن الملتقى يشكل “منصة لإعادة بناء إفريقيا الموحدة وتعزيز سيادتها”. وشدد الوزير على أن الهدف الأساسي هو “تصحيح المنظومة القانونية الدولية بما يجرم الاستعمار ويعترف بحق الشعوب في الحرية غير المشروطة”.
وطرح أنطونيو ثلاثة مبادئ محورية:تتركز على تحقيق الحرية الكاملة للدول الإفريقية من كافة أشكال الاستعمار الجديد أو الضغوط غير المشروعة.وإرساء العدالة التاريخية باعتبارها حقًا لا يمكن التفريط فيه لشعوب تضررت من العبودية والاستغلال والتهجير. اضافة الى بناء مؤسسات قارية قوية قادرة على حماية السيادة وضمان مستقبل آمن ومستقر للأجيال المقبلة.
وأكد أن تعزيز الروابط التضامنية بين دول إفريقيا يمثل الطريق الأمثل لبناء تعاون يقوم على العدالة والتنمية المستدامة.
إفريقيا توحد ذاكرتها وتستعيد هويتها القارية
ومن جهته، اعتبر وزير الشؤون الخارجية الإفريقي، بنكولو أديو، أن انعقاد الملتقى يمثل “منعطفا تاريخيا” يعيد الاعتبار للهوية الإفريقية التي عانت التشويه والطمس عبر حقب طويلة من الاستعمار. ودعا أديو إلى اعتماد يوم عالمي لإحياء ذكرى الرق ضمن رزنامة الاتحاد الإفريقي، لما يشكله ذلك من خطوة نحو ترميم الذاكرة الجماعية وتعزيز الوعي المشترك بين الشعوب.
وقال الوزير إن هذا الملتقى “يحمي القارة من تكرار مآسي الماضي”، ويضع أسسا جديدة لمعالجة قضايا الاستعباد، ونهب الثروات، وتفكيك البنى الاجتماعية التي خلفها الاستعمار.
الكاريبي يدافع عن الضحايا ويطالب بالإنصاف
أما إريك فيليبس، نائب رئيس لجنة تعويضات العبودية في الجماعة الكاريبية (CARICOM)، فقد شدد على أن الملتقى يشكل “فرصة تاريخية” للمطالبة بالاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، وتحقيق التعويضات العادلة، وإعادة بناء المجتمعات التي تضررت من أنظمة العبودية والفصل العنصري.
وأوضح فيليبس أن شعوب الكاريبي، التي لا تزال تعاني آثار استعباد دام قرونًا، تنتظر من المجتمع الدولي خطوات واضحة لإحقاق العدالة، وإعادة الاعتبار لضحايا المتاجرة بالبشر والرق والتهجير القسري.
خطاب دولي موحد يفتح مسار النهضة الإفريقية
هذا واتفق المشاركون في الملتقى على أن جمع إفريقيا والكاريبي في منصة واحدة يتيح فرصة حقيقية لتوحيد الخطاب الدولي، ورفع الصوت المشترك في مواجهة القوى العالمية التي ترفض الاعتراف أو الاعتذار أو التعويض عن الجرائم المرتكبة.
كما أكدوا أن الانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة الفعل هو الخطوة الحاسمة في مسار العدالة التاريخية، وذلك عبر وضع آليات قانونية دولية، وخلق شبكات بحثية، وتطوير سياسات تعليمية وإعلامية تحفظ الذاكرة وتدعم النهضة الشاملة للقارة.
الصحراء الغربية تؤكد حقها في تقرير المصير خلال مؤتمر الجزائر لتجريم الاستعمار
أكد يسلم بسيط، وزير الشؤون الخارجية والشؤون الإفريقية للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، أن مشاركة الصحراء الغربية في المؤتمر الدولي لتجريم الاستعمار بالجزائر تعكس موقف الشعب الصحراوي الثابت في الدفاع عن حقه المشروع في تقرير المصير.
وجاء ذلك خلال فعاليات المؤتمر المنعقد برعاية رئيس الجمهورية الجزائرية، عبد المجيد تبون، تحت شعار: “من الاعتراف إلى التدوين: تجريم الاستعمار في القانون الدولي”.
وشدد الوزير بسيط على أن تجريم الاستعمار يشكل المدخل الأساسي لتحقيق العدالة التاريخية ووضع حد للنزاعات المفتوحة في إفريقيا، مؤكدا أن القانون الدولي يجب أن يكون أداة فعالة لحماية حقوق الشعوب المتضررة.
وقال: “حضورنا في هذا المؤتمر ليس رمزيا، بل رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن الشعب الصحراوي لن يتخلى عن حقه المشروع في تقرير المصير”.
ودعا الوزير إلى تعزيز التعاون الإفريقي والدولي لدعم مبادرات تجريم الاستعمار وتفعيل القرارات الدولية التي تكفل حقوق الشعوب، مشددا على أن قضية الصحراء الغربية تتجاوز كونها نزاعا إقليميا لتصبح مسألة عدالة تاريخية وحقوق إنسان.

