براهيم مالك – إليزي | مراسلو الجنوب الكبير
من أين جاءت الأسماك إلى قلب الصحراء؟ سؤال يفرض نفسه كلما ظهرت أسماك المياه العذبة في برك وبحيرات تقع وسط واحدة من أكثر المناطق جفافاً في الجزائر. غير أن الظاهرة لا تبدو غريبة عندما توضع في سياقها الطبيعي؛ فالتاسيلي ن أجر يخفي شبكة واسعة من الأودية والمنخفضات والبرك، تتحول خلال مواسم الأمطار إلى مسارات مائية متصلة، قبل أن تعود إلى حالتها الجافة مع انحسار السيول.
وتقود هذه الحكاية إلى واحة إهرير بولاية جانت، الواقعة على مسافة تتجاوز 200 كيلومتر عن مناطق من ولاية إليزي، ومنها إلى وادي تخامالت والبحيرات الطبيعية المحيطة به، في مسار مائي موسمي يفسر جانباً مهماً من وجود الأسماك في الصحراء.
وتزداد أهمية هذا التفسير مع المعطيات التي قدمتها مصالح مديرية الصيد البحري وتربية المائيات بإليزي، والتي تتابع هذه الظاهرة في إطار الثروة السمكية القارية والموائل المائية بالمنطقة.
إهرير.. حيث تبدأ الحكاية
تُعد واحة إهرير، بإقليم بلدية برج الحواس، من أبرز المناطق الرطبة في الصحراء الجزائرية، بما تضمه من عيون وبرك وأودية تحتضن حياة مائية غنية، وهو ما جعل واديها يصنف ضمن قائمة رامسار للمناطق الرطبة ذات الأهمية الدولية سنة 2001.
وتكشف المعطيات الهيدرولوجية عن أن إهرير ليست نظاماً مائياً معزولاً، بل تقع ضمن شبكة أوسع من الأودية والمجاري التي عرفت، خلال الفترات الأكثر رطوبة من تاريخ الصحراء، اتصالاً أكبر مما هو عليه الحال اليوم.
ومع الأمطار الغزيرة، تستعيد أجزاء من هذه الشبكة نشاطها؛ فتتدفق المياه من المرتفعات، وتتجمع في المجاري والمنخفضات، وقد تتصل أحواض مائية كانت منفصلة طوال أشهر الجفاف.
وهنا يظهر وادي تخامالت كحلقة مهمة في القصة.
من إهرير إلى تخامالت.. عندما يحمل السيل السمك
خلال مواسم الأمطار، لا تتحرك المياه وحدها عبر الأودية؛ إذ يمكن أن تحمل معها الكائنات المائية وأطوارها المختلفة من البرك والأحواض العليا نحو المناطق المنخفضة.
وقد سجلت المنطقة، في مناسبات سابقة، ظهور أسماك المياه العذبة بوادي تخامالت عقب السيول، وربطت تقارير محلية هذه الأسماك بالمياه القادمة من جهة إهرير.
وهذه المعلومة الميدانية تكتسب أهمية خاصة عند مقارنتها بالمعطيات العلمية التي سجلت وجود أنواع من الأسماك في كل من إهرير وتخامالت وتارات.
ومن هنا يمكن رسم أحد المسارات الرئيسية:
إهرير → شبكة الأودية → وادي تخامالت → المنخفضات والبحيرات الطبيعية بإليزي.
ولا يعني هذا أن سمكة واحدة قطعت أكثر من 200 كيلومتر داخل مجرى مائي دائم؛ فالصحراء لا تملك نهراً مستمراً بهذا الشكل. إنما يتعلق الأمر بشبكة من المجاري الموسمية التي يمكن أن تتصل خلال الفيضانات، فتسمح المياه خلالها بانتقال الحياة من حوض إلى آخر.
ماذا تقول مصالح الصيد البحري؟
وتدعم مصالح مديرية الصيد البحري وتربية المائيات بإليزي أهمية هذه البيئة المائية، من خلال متابعتها للثروة السمكية القارية وما يرتبط بها من إمكانات طبيعية واقتصادية.
وفي هذا السياق، أوضحت مليكة عبيبسي، رئيسة مصلحة بمديرية الصيد البحري وتربية المائيات بإليزي، أن وجود الأسماك في هذه البيئات يرتبط بالظروف المائية المحلية، كما أبرزت أهمية تثمين تربية الأسماك وإدماجها في أحواض السقي، والاستفادة من مخلفاتها في النشاط الزراعي باعتبارها مادة عضوية يمكن أن تخدم التربة.
ويكشف هذا المعطى أن الأسماك في صحراء إليزي لا تمثل مجرد ظاهرة طبيعية تثير الفضول، بل ثروة يمكن أن تدخل ضمن رؤية أوسع لتثمين الموارد المائية والسمكية، مع الحفاظ على خصوصية الأنظمة البيئية الصحراوية.
تخامالت.. ثم اسمغسماغ وتيكنوين
ولا تنتهي رحلة المياه عند تخامالت، إذ تواصل السيول مسارها نحو عدد من المنخفضات والمسطحات المائية في محيط إليزي، من بينها اسمغسماغ وتيكنوين.
وقد عرفت هذه البحيرات فترات من الانحسار والجفاف، قبل أن تستعيد مياهها عقب التساقطات المطرية والسيول القادمة من مرتفعات التاسيلي.
وتشير المعطيات المحلية إلى أن مياه مرتفعات فضنون تتجه نحو وادي تخامالت، الذي يمثل أحد الروافد المهمة للمناطق المنخفضة والبحيرات الواقعة في مساره.
وهكذا تصبح عودة المياه إلى هذه البحيرات أكثر من مجرد مشهد موسمي؛ فهي تعيد معها الظروف المناسبة لعودة الحياة المائية.
ثلاثة مسارات.. وشبكة واحدة
وإذا كان مسار إهرير–تخامالت هو الأكثر إثارة، فإن شبكة المياه في المنطقة لا تتوقف عنده.
فهناك مسار آخر يرتبط بحوض وادي إليزي وفروعه، حيث تتجمع مياه عدد من الأودية خلال الأمطار والسيول، وتتصل بعض المنخفضات والبرك لفترات مؤقتة.
أما المسار الثالث فيتجه نحو منطقة تارات والمجاري الشرقية، حيث سجلت الدراسات وجود أنواع من الأسماك نفسها الموجودة في إهرير وتخامالت، وفي مقدمتها السلور الإفريقي Clarias gariepinus.
وبذلك لا نتحدث عن ثلاثة أنهار مستقلة، وإنما عن ثلاث حلقات ضمن شبكة مائية صحراوية واسعة، تتغير درجة اتصالها بحسب كمية الأمطار وشدة السيول.
سمك يعيش حيث لا نتوقعه
ومن أكثر الأنواع ارتباطاً بهذه البيئات السلور الإفريقي Clarias gariepinus، المعروف محلياً بتسميات مختلفة، من بينها «سمك القط» و«الموسطاش».
ويملك هذا النوع خصائص بيولوجية تساعده على تحمل ظروف قاسية، من بينها ارتفاع حرارة المياه وانخفاض الأكسجين وتذبذب مستويات المياه، وهي ظروف تجعل قدرته على البقاء في بعض البيئات الصحراوية مفهومة من الناحية البيولوجية.
كما سجلت المصادر العلمية وجود أنواع أخرى من الأسماك في البيئات المائية بالتاسيلي ن أجر، ما يعكس تنوعاً مائياً لافتاً في منطقة تبدو، للوهلة الأولى، غير صالحة للحياة السمكية.
فهل قطعت الأسماك 200 كيلومتر؟
هنا يجب التفريق بين المسافة الجغرافية والمسار المائي.
فالمسافة التي تفصل إهرير عن مناطق إليزي لا تعني وجود نهر دائم يصل الموقعين. الأصح أن المنطقة تضم شبكة من الأودية القديمة والمجاري الموسمية، يمكن أن تتصل خلال الفيضانات ثم تنفصل مجدداً أثناء الجفاف.
وعندما ترتفع مناسيب المياه، يصبح الوادي الجاف ممراً للحياة، وقد تنتقل المياه والكائنات المائية إلى أحواض ومنخفضات جديدة، قبل أن تنحسر المياه وتبقى الأسماك في المواقع التي تستطيع الاحتفاظ بالماء.
لذلك فإن الحديث عن انتقال الأسماك من إهرير إلى تخامالت هو، في جوهره، حديث عن دورة مائية متكررة أكثر منه عن رحلة واحدة متواصلة.
لغز الصحراء الذي تكشفه الأمطار
ويمنح هذا التفسير إهرير أهمية تتجاوز حدودها الإدارية والجغرافية؛ فالواحة تمثل جزءاً من نظام مائي أوسع، وتخامالت تمثل إحدى حلقاته في إليزي، بينما تكمل تارات وبقية المجاري صورة شبكة تتفاعل مع الأمطار والسيول.
أما إثبات أن جميع الأسماك الموجودة حالياً في تخامالت وبحيرات إليزي جاءت مباشرة من إهرير، فيحتاج إلى دراسات ميدانية متخصصة تقارن الأنواع والسلالات، وتدرس مسارات الأودية واتصالاتها خلال الفيضانات.
لكن الصورة التي ترسمها المعطيات المتوفرة تبدو واضحة: الماء هو الخيط الذي يربط هذه المواقع، والسيول هي الوسيلة التي تعيد وصل ما يقطعه الجفاف.
وهكذا، فإن السؤال «من أين جاء السمك إلى صحراء إليزي؟» يقود إلى إجابة أكثر إثارة من مجرد تحديد مكان المصدر؛ فالسمك يعيش هنا لأن الصحراء نفسها تخفي شبكة من المسارات المائية، تمتد من إهرير إلى تخامالت، ومن تخامالت إلى بحيرات ومنخفضات إليزي.

