يعد التحول الرقمي حتمية لا خيارًا منه، حيث إن التطور التكنولوجي والعلمي في وسائل الاتصال والتواصل، والانتشار الواسع لمستعملي الإنترنت، اقتضى الأمر الاستفادة من التكنولوجيا وتعميمها على كل القطاعات والمؤسسات بالشكل الذي يعطي قيمة مضافة للمجتمع والاقتصاد. ولذلك تبنت الجزائر استراتيجية من أجل تحقيق التحول الرقمي والوصول إلى جزائر رقمية 2030، وترجمت في وثيقة رسمية تعد المرجعية الأولى في البلاد والأساس الذي يُستند إليه. وهذا الأمر نابع من إرادة سياسية قوية مترجمة في السيد رئيس الجمهورية من خلال التزامه رقم 25، الذي ينص على: “تحقيق تحول رقمي لتحسين الاتصال وتعميم استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال، خاصة في إدارة المرفق العمومي وتحسين حوكمة القطاع الاقتصادي”.
إن وجود وثيقة تعبّر عن الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، قائمة على منهجية عمل وخطة مرتبطة بأهداف زمانية إلى غاية 2030، لدليل على رؤية واضحة من أجل بلوغ ما يسمى بالشمول الرقمي، حيث تصبح الرقمنة موجودة في كل المستويات القطاعية والمجتمعية، وبالتالي تحقيق الشفافية في التعاملات في كل المجالات. ولمعرفة أكثر تفاصيل مضمون الوثيقة الاستراتيجية للتحول الرقمي في الجزائر، سنذكر أهم المحاور الرئيسية التي ركزت عليها حتى نستخلص أهم التصورات التي بُنيت عليها الرؤية في هذا المجال. فالأسس التي قامت عليها هي التركيز على كيفية تحقيق الشفافية، وخدمة المواطن والفعالية، بالإضافة إلى السعي نحو تجسيد العدالة والمساواة، وتحفيز الاقتصاد الوطني وضمان التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.
شملت استراتيجية التحول الرقمي في الجزائر خمسة محاور رئيسية، أولها التركيز على الأساس التقني من خلال العمل على تقوية البنية التحتية الرقمية عبر الربط بشبكات الإنترنت والألياف البصرية، وكذلك زيادة مراكز البيانات والخدمات السحابية. ولذا فالجانب التقني مهم لأنه مرتبط بتحقيق التحول بحد ذاته، وهو العامل الرئيسي.
أما ثانيًا، فقد جاء فيها التركيز على متغير مهم وأساسي، ألا وهو رأس المال البشري وتأهيل الكفاءات الرقمية داخل الإدارة والجامعة والمجتمع، لأن التعويل على التقني دون تكوينه وتعليمه لن يحقق شيئًا من ذلك، فالرقمنة دون إطار بشري مؤهل تساوي فشل المشروع والرؤية.
وثالثها مبني على الاهتمام بالجانب الإداري وإصلاح التسيير العمومي، أو ما يسمى بالحوكمة الرقمية القائمة على طرق التسيير الرقمي وتوحيد الأنظمة، والوصول إلى التقليل من البيروقراطية التي تعرقل جل المشاريع والتطور في البلاد. إذ إن تعميم الرقمنة على مستوى الإدارات المختلفة، سواء ذات الطابع المحلي أو المالي أو الاجتماعي، يقلل من الإجراءات ويسهّل تحقيق الهدف المباشر.
أما المحور الرابع، والمهم أيضًا، فهو الشق الاقتصادي، حيث تُعنى الرقمنة الاقتصادية بتحقيق التنمية. وترتكز الاستراتيجية في هذا المجال على الاقتصاد الرقمي الذي يتضمن أربعة نقاط رئيسية، وهي التحول الرقمي للمؤسسات، والتجارة الإلكترونية، وتطوير الصناعة الرقمية المحلية، وجذب الاستثمارات الأجنبية. وتهدف الرقمنة في هذا المجال إلى تكييف الاقتصاد مع التحولات الجديدة التي توظف الشق التكنولوجي في العملية الاقتصادية.
وخامسًا يتمثل في نشر الثقافة الرقمية، أي يشمل الجانب الاجتماعي، حيث هدفها هو تمكين المواطن من استعمال الخدمات الإلكترونية، وكذلك تعميم عملية التحول الرقمي لدى كل المستويات الاجتماعية بشكل يجعله يتعامل معها كضرورة حتمية ولا يرفضها، وتصبح مع مرور الوقت شكلًا طبيعيًا في حياته اليومية.
على غرار هذه الاستراتيجية التي وضعت الجزائر ضمن رؤية مستقبلية 2030، هناك مشاريع ومؤسسات وهيئات مهمة أُسست في هذا المجال، وهي مكملة لبعضها البعض. نذكر على سبيل المثال المحافظة السامية للرقمنة التابعة لرئاسة الجمهورية، التي تعمل على رسم معالم التحول الرقمي وتجسيده ميدانيًا من خلال مواكبة الابتكارات التكنولوجية في المجال الرقمي والتكيف مع المعايير والممارسات المعتمدة عالميًا، لا سيما عبر تطوير سبل تشارك البيانات والمعلومات بين مختلف الجهات الفاعلة في النظام البيئي الرقمي الجزائري.
ونذكر أيضًا ضمن الهيئات الموجودة التي تشتغل في هذا المجال المجلس الوطني لأمن الأنظمة المعلوماتية، الذي من مهامه إعداد الاستراتيجية الوطنية في مجال أمن الأنظمة المعلوماتية، وإعداد الخطط ودراسة التقارير والموافقة على اتفاقيات التعاون. ويمكن أيضًا أن نذكر وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية، وهي مؤسسة عمومية ذات طابع إداري تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالية المالية، ومهامها تحضير عناصر الاستراتيجية الوطنية في مجال أمن الأنظمة المعلوماتية المحددة من قبل المجلس، وكذلك اقتراح كيفيات اعتماد مزودي خدمات التدقيق في مجال الأنظمة المعلوماتية.
وهناك أيضًا، على مستوى التأهيل البشري، برامج وطنية سواء على مستوى مؤسسات التعليم العالي من خلال إنشاء مدارس وطنية عليا في مجال الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والمدرسة العليا للإعلام الآلي، أو على مستوى التكوين المهني، حيث نجد تخصصات جديدة متعلقة بالتكوين في الميدان الرقمي لضمان توفير فنيين في المجال، وكذلك انطلاق حوالي 40 تخصصًا جديدًا في تكنولوجيا المعلومات منها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتطوير تطبيقات الموبايل، من طرف 70 أستاذًا وخبيرًا في الهندسة البيداغوجية بالشراكة مع شركات تكنولوجية كبيرة وطنية وأجنبية، بالإضافة إلى تخصصات التصميم والابتكار، والهدف من ذلك هو ربط التكوين بالتحول الرقمي.
إن وجود مثل هذه المشاريع والاستراتيجيات في مجال التحول الرقمي من أجل تحقيق السيادة الرقمية في الجزائر لا يخلو من وجود بعض المعوقات التي يجب كسرها وتجاوزها مع مرور الوقت للوصول إلى آفاق 2030 بالجزائر الرقمية، منها مثلًا بعض الإشكالات المرتبطة بالبنية التحتية التي مازالت في طور البناء والتشييد، بالإضافة إلى وجود خوف مجتمعي من عملية التحول الرقمي بحد ذاتها، وبالتالي نجد مقاومة التغيير تعرقل المسار، وكذلك هناك نقص في التنسيق بين المؤسسات والقطاعات في تعميم عملية التحول الرقمي.
ومن هنا نقول: إن عملية التحول ضرورية، ومسارها قد يأخذ بعض الوقت لسنوات معينة، لكن المهم أن هناك جهودًا جبارة في هذا المجال لتحقيق رؤية وتصوّر واقعي قائم على جزائر رقمية.
