تختلف المواسم والأعياد في المدن العريقة، لكنها تتفق في المعنى الكبير الذي تحمله، وفي الرسالة الجامعة التي تلتف حولها القلوب. فهي لحظات ينسق فيها الجميع الجداول، وتؤجَّل الأعمال، ويُلغى ما سواها من المواعيد، من أجل مواكبة الحدث وحضور الحال.
وفي السابع عشر من ربيع الأول من كل عام، تهب قصور جانت المضيافة على قلب رجل واحد، في يوم تتداخل فيه الروحانية مع الفرح الشعبي. يبدأ المشهد من المساجد والزوايا، حيث تُتلى المدائح النبوية، وتُردد القصائد الوترية المتقبلة التي بدأ الناس في قراءتها منذ مطلع الشهر احتفالًا بذكرى ولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ومع انتهاء الأذكار، تنفتح أبواب القصور، ويتجمع أهلها تحت أقبية إيغرمان، كل فريق بحسب ساحته، يحمل الرجال عصيهم وربطات شأجهم، تتطاير الضحكات، وتعلو الأصوات بالتحديات الودية، وكل فريق يتوعد الآخر بهزيمة لا تُنسى.
هذه اللعبة التقليدية، المعروفة باسم تكاتشيلت، ليست مجرد رياضة شعبية، بل هي لحظة حانية تعيدنا إلى أمجاد الشيوخ والآباء، وإلى زمن كان فيه الترفيه جزءًا من النسيج الاجتماعي، يتغذى على روح الإخاء والعزيمة، ويتعاهد فيه الأحفاد على حفظ العهد مع الأجداد.
قد يختلف الاسم بين تكاتشيلت كتظاهرة احتفالية، وتكريكرا كاسم عام للعبة، لكن الجوهر واحد، والرمزية عميقة. فهي تقليد أزلي وعرف راسخ، لا يُحفظ فقط لأنه تسلية، بل لأنه رابط من روابط الهوية الجماعية، وذاكرة حية لماضٍ يجمع الفأل الحسن والذكرى الطيبة.
في قصر زلواز، تُقام المنافسة في ساحة داق الجيلالي، وفي قصر الميزان في داق إين نانو، أما قصر أجاهيل فيحتضنها في ساحة داق بوغلا المنيفة. ويخطئ من يظن أن يوماً واحداً يكفي لحسم النصر، إذ أن تكاتشيلت تتطلب استعدادات تمتد لأسابيع، شبيهة بما يجري في تظاهرة سبيبا.
فمنذ مطلع ربيع الأول، يبدأ الشباب والكهول بالتدريبات اليومية بعد صلاة العصر، ويصنعون أدوات اللعب بعناية، وكأنهم يحيون طقساً مقدساً من طقوس الموسم.
طريقة اللعب محكومة بانتماءات جغرافية واجتماعية واضحة، إذ لا يُسمح للاعب أن يختار الفريق الذي يريد، بل تحدده جغرافية بيته وموقعه داخل آغرم، فهناك فريق الشمال وفريق الجنوب، ولكل منهما مجده وتاريخه، وكأن الدائرة العمرانية التي تحيط بالقصر تحولت إلى دائرة تنافسية تحيي روح المكان.

وتبدأ اللعبة إما بوضع الهدف في حفرة صغيرة قيد ذراع، أو برفعه عاليًا ليلامس السماء قبل أن يسقط أرضاً، لتلتف حوله الفرق في حلقة تضج بالحركة والصيحات.
الأدوات التي تُستخدم في اللعب، المعروفة باسم إيلوجان، تُصنع من سعف النخيل المتين، يُربط بإحكام بخيوط إيزلمان، ويوضع في داخله حصى أو طين مجفف ليمنحه الثقل والتوازن.
هذه التفاصيل الصغيرة تمنح اللعبة طابعاً فريداً، فهي ليست مجرد نشاط بدني، بل عمل جماعي يبدأ من لحظة صناعة الأداة، مرورًا بمرحلة التحضير، وصولًا إلى التنافس الميداني. وحتى طريقة الإمساك بالعصا أو الركل بها تخضع لقواعد موروثة، تُنقل شفويًا من جيل إلى جيل، تمامًا كما تُنقل الحكايات والأساطير.
اليوم، ومع تغيّر أنماط الحياة، بدأت تكريكرا تتراجع أمام الألعاب الحديثة، وكادت أن تصبح ذكرى في أحاديث الكبار. لكن الواجب يحتم علينا أن نتمسك بها، وأن نُحييها كما كانت، دون تزييف أو تحريف، وأن نحافظ على روحها الأصيلة في زمن تتسارع فيه التغييرات.
فهي ليست مجرد لعبة، بل مرآة لروح المجتمع الجانتي، وشاهد على قدرة التراث الشعبي على الجمع بين الرياضة والطقس الاجتماعي، بين الفرح والمنافسة، بين الحاضر والذاكرة. ومواعيدها، كما يبشّر الشيوخ، ستكون قريبة، وحين تُقرع طبولها من جديد، فلنشُد العزم، وننهض جميعًا لإحياء ماضٍ لا يموت.

