عرفت العلاقات الجزائرية الأمريكية في الأربع سنوات الأخيرة قفزة نوعية وتطورات هامة في خدمة شعبي البلدين والمصالح المشتركة، ولعل زيارة كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ترامب لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا إلى الجزائر والتقائه بالرئيس الجزائري تبون، وإدلائه بتصريحات تعكس رغبة الولايات المتحدة الامريكية بالذهاب بهذه العلاقات إلى أبعاد استراتيجية، وقبل ذلك كان الرئيس الجزائري تبون استقبل ممثلي عن شركتين أمريكيتين عملاقتين في مجال الاستكشاف عن الطاقات والموارد الاحفورية، وتأتي الزيارة في الاضطرابات التي يعرفها العالم من إبادة جماعية ممنهجة يمارسها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين في قطاع غزة العزل، والخلافات الامريكية الروسية بشأن انهاء الاعمال العسكرية في أوكرانيا والحرب التجارية التي تتصاعد مع دولة الصين.
وقبل التطرق إلى الافاق المستقبلية للعلاقات الامريكية الجزائرية في ظل الانزال الدبلوماسي والذي سبقه وزير الخارجية الامريكية في ظل إدارة الرئيس الأسبق بايدن، اذ يجب التذكير أن العلاقات الجزائرية الامريكية تعود جذورها الى الفرن السابع عشر مع نشأة الولايات المتحدة الامريكية اذ كانت إيالة الجزائر من أولى الدول في تلك الفترة اعترفت بوجود دولة الولايات المتحدة الأمريكية وعرفت العلاقات بين البلدين مستويات جيدة ومقبولة، فهذا التاريخ المشرف والذي تدعم في العصر الحالي بعد جهود مفاوضات شاقة قادتها الدولة الجزائرية بشأن اطلاق سراح الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كانوا محتجزين داخل السفارة الامريكية بالعاصمة الإيرانية طهران، هذه الجهود عرفت اشادة من قبل الرئيس الأمريكي في تلك الفترة ومختلف مكونات المجتمع المدني والطبقة السياسية الامريكية، ولم تعرف العلاقات بين البلدين أي تشنجات أو توترات قوية رغم وجود الخلاف في عديد القضايا سواء في الشرق الأوسط كالقضية الفلسطينية او حتى في افريقيا سيما بعد انحياز الإدارة الحالية في عهدتها الأولى للطرح المغربي المخزني بشأن حل قضية الصحراء الغربية التي تعتبرها منظمة الأمم المتحدة قضية تصفية استعمار وملفها موجود في اللجنة الأممية الرابعة ذات الاختصاص، ولعل صراحة الدبلوماسية الجزائرية وتمسكها بمبادئها سيما إزاء القضايا العادلة وعدم الكيل بمكيالين جعلها محل احترام وتقدير من طرف الدبلوماسية الامريكية.
الانزال الدبلوماسي الأمريكي من خلال زيارة كبير مستشاري الرئيس ترامب للشرق الأوسط وشمال افريقيا والذي يدرك كل الادراك كل خبايا الملفات باعتبار انه ينحدر من الشرق الأوسط، ركزت كثيرا على سبل التعاون الاقتصادي، فالولايات المتحدة الامريكية تعتبر اكبر شريك للجزائر في مجال الاستكشاف عن آبار النفط والغاز وتطوير الحقول الحالية والزيادة في انتجايتها عبر التكنولوجيا التي تحتكرها هذه الشركات الامريكية، بل أن المستشار الأمريكي بحث مع المسؤولين الجزائريين تطوير العلاقة الى مجالات أخرى كالفلاحة وقطاع المناجم وغيرها مما تثير اهتمام المستثمر الأمريكي ورفع التعاملات التجارية بين البلدين إلى أرقام عالية بما يضمن المصلحة المشتركة، فعلى سبيل المثال لا الحصر تملك الجزائر احتياطات ضخمة وكبيرة من الغاز الصخري، وهو مادة باتت مطلوبة في السوق الدولية، والولايات المتحدة الامريكية لها خبرة كافية في مجال استخراج الغاز الصخري دون التسبب في أضرار بيئية بالغة وبإمكان الدولة الجزائرية الاستفادة من هذه الخبرة والتعاون ورفع من إنتاجية الغاز وتصديره للأسواق الاوربية التقليدية لديها، والجديدة بعد تراجع عديد الدول الاوربية من الاعتماد على الغاز الروسي، يضاف إلى كل هذا مناخ الاستثمار المغري الذي خلقته الدولة الجزائرية في السنوات الأخيرة، عبر تبني عديد الإصلاحات الجوهرية التي ترفع العراقيل وتكافح الفساد وتسهل للمستثمر الأجنبي عمله وتضمن حقوقه والانتفاع بأرباحه كل هذه التفاصيل كانت على الطاولة.
ولأن أمن العالم واستقراره من أولويات الولايات المتحدة الامريكية، فالجزائر تلعب دورا هاما في الحفاظ على الامن والسلم الدوليين وتنخرط في هذا المسعى بشكل جدي وفعال، عبر إزالة بؤر التوتر وتشجيع الحوار لحل الخلافات والنزاعات وتوفير الظروف المناسبة لهما في العالم على وجه العموم وافريقيا على وجه الخصوص، ترى الولايات المتحدة الامريكية ان الجزائر هي عامل استقرار في المنطقة، وقبل ذلك قوة إقليمية تضمن السلام والاستقرار في شمال افريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، هذه الملفات كانت دوما حاضرة في أي انزال دبلوماسي امريكي الى الجزائر عبر قضايا مكافحة الجماعات الإرهابية وتضييق الخناق على الجريمة المنظمة وتبييض الأموال وتكثيف العمل المخابراتي بين البلدين، ولا أدل على ذلك اتصال مدير المخابرات الامريكية بنائب وزير الدفاع الجزائري ورئيس اركان الجيش الوطني وتأكيد على أهمية التعاون، كما ان الزيارات المتتالية لقائد وحدة افريكوم الى الجزائر تصب في هذا المجال، وهو ما يعكس حقيقة نضج العلاقات بين البلدين وتنوعها بين المجال الاقتصادي والمجال العسكري، ويعكس مدى الحكمة الصائبة للدبلوماسية الجزائرية في عدم الانجرار في لعبة الاستقطابات الدولية، والحفاظ على المصالح الجزائرية، كما تبرز الحكمة الجزائرية في افشال المخططات التي تقودها القوى الوظيفية في محاولة يائسة لعزل الدور الجزائري ليس عن القضايا العربية فحسب وعلى رأسها قضية فلسطين وانما أيضا القضايا الافريقية عبر محاولة فاشلة لزعزعة علاقات الجزائر مع شركائها الصينيين والروس والامريكيين، فالجزائر كما قال الرئيس تبون ولدوا أحرار وسيبقون أحرار في قراراتهم.
