لطالما زارني سؤال الإيموهاغ والقيثار! لعلّه ــــ في الحقيقة ـــ انشغال مشروع، يبيح لبس الصّوف في الصّيف، لا سيّما إذا أدخلتَ خيط تاريخ الطوارق العريق، في ثقب إبرة القيثار الجديد، فكيف لا نجد أنفسا معا في كهفٍ عُجاب من الحيرة.. الطريف في الأمر أن الإنسان الطارقي لم يكن يوما بعيدا أو متنازلا عن ممارسة طبوعه الغنائية التراثية، حتى باتت علامة على هويته وشامة في ثقافته، ولكَ في الإمزاد والتيندي ما يصفه الطبيب للمريض عند الصيدلي ويُشفى الصّداع.
علينا أن نسلّم بداية، بغزو القيثار لمناخات الأداء الغنائي الطارقي، بيد أن زواج هذا الطارئ بالأغنية الطارقية بدأ بسيطا بقيثار عاد؛ لكن سرعان ما تجاوزه إلى القيثار الإلكتروني المتغوّل (Bass Guitar)، صاحب النوتة الصادحة، التي يحرص عازفها على شدّ الوتر السّادس منه، وولولة تنغيمها حتى تخترق الآفاق، وتلك منتهى سعادته بتحقيق المراد من الفعال.
لا أدري تحديدا متى بلغني صوت هذا القيثار السّاحر، حضورا أو سماعا بالمسجّل، لا أقطع أيهما صراحة، كل الذي يمكنني تقريبه يقينا، ربما قد يعود لسماعي إياه خلال فترة دراستي بثانوية أدرار المركز الوحيدة مطالع الثمانينات، يومها كان الحي الغربي من مدينة أدرار المعروف محليا بـ(بني وسْكتْ)، قد بدأ لتوّه يتشكّل من الطوارق الجزائريين الوافدين إليه من برج باجي مختار، وتمنراست، وتيمياوين، وتين زاواتين، مع ما جلبوه معهم من ثقافات وممارسات مخصوصة، منها الموسيقى الطارقية النسائية المرتبطة بالإمزاد أو الرجالية كالقيثار، وقُل هذا عن طقس التيندي أيضا.
سارت بنا الأيام، ولا أعلمُ من أمر هذا الإدغام القيثاري، غير أنه من رمزيات الموسيقى الطارقية وكفى، حتى وجدتُ نفسي في روايتي (مَنّا: قيّامة شتات الصحراء)، وجها لوجه مع هذا القيثار المليح، الذي سافر مع بطل النص بادي الطارقي الإدناني ورفاقه أخمادو وغلواتة وأخَمْنو في رحلة الشتات من صحراء تيلمسي وما جاورها بعد جفاف سنة 1973، لاكتشف خلال كتابة النص، أن مسألة دخول القيثار إلى موسيقى الطوارق أصلا، ترجع إلى تجمعات طوارق الشتات المهاجرين، أين وجدوا في وتر القيثار، ما يعوّض الحنين ويسلّى النّفس من وجع الاغتراب وأعطابه المزمنة.
يبدو أن هذا الزواج السعيد بين القيثار والطوارق، بدأ بحي تهقّارت الشّومارة بولاية تمنراست خلال نهاية السبعينات، أين كوّن مجموعة من الشباب الطارقي فرقة موسيقية، بقيادة المايسترو (إنتيادينْ أغ ابْلَلْ)، الذي يعتبر أول من أدخل آلة القيثار، على الريثم الغنائي الطارقي، ومع ظهور هذه الفرقة، انتقل اسم تهقّارت تورشاوينْ (نبات الكرنك) إلى تهقّارتْ الشّومارة (عطالة العمل).
تقول مرويات طوارق غاوْ، أن الفنان إنتادينْ آغ أبليبلْ، اقتبس ادخال صوت القيثار، من عزف المغني الصُّنغاي (علي فرقا تُوري) لآلة القيثار بمدينة غاوْ المالية، وبحكم إتقانه للغة الطارقية، غنّى طرفا من موسيقاه بالقيثار، فتأثر به إنتيادينْ الطارقي، ومن ثمّة ولج القيثار، حظيرة الغناء الطارقي بتهقّارت الشّومارة، أين تسلّل ونما هذا اللّون الموسيقي الأفريقي مع الرعيل المؤسّس لفرقة تيناروين الشهيرة بتجمعات الطوارق بليبيا مطالع الثمانينات، ومن ثمّة تناسله وتكاثره عبر الفرق الموسيقية الطارقية كتيكوباوين، وإيمراهان، وتاميكرست، وغيرها، دعني اختصرُ لكَ الطريق، فالأمور بالمقارنة تنكشف، في الحقيقة يصدق فيه ما حدث لموسيقى البلوز عند الأفارقة بأمريكا، أين التمسوا فيه تسلية لأعطاب نفوسهم المغتربة، وهو ما فعله الموسيقي الطارقي (مادو مختار) صاحب أغنية إفريقيا الضّحية (Afrique Victime)، حين عجن خلطة عجيبة، من الغناء الطارقي بالرّوك.
مع هذا الغرام الذي أصاب الطارقي من فتنة القيثار، نجد أنفسنا مدفوعين للبحث عن سرّ هذه الآلة الأسطورة وحفريات وجودها، إذْ تشير الأبحاث الأثرية عن وجود نحت أيقوني حجري يرجع لأكثر من 3000 سنة، لشاعر يعزف على آلة وترية في بابل التاريخية، تقترب من شكل القيثار، الذي عرفه العرب في القرن العاشر الميلادي، من خلال القيثارات اللاّتينية التي دخلت إسبانيا المورسكية، فمنحها الصانع الإسباني أنطونيو توريس خواردو (Antonio Torres Jurado)، شكل القيثار البسيط المتعارف عليه الآن، حتى جاء الأمريكي جورج بوشامب (George Beauchamp) سنة 1939، الذي دمج الصوت الكهرومغناطيسي للقيثار الجهير.
ثمّة أمر آخر ملتبس في هذا القيثار الفتّان، من كونه ملتصقا بالمنافي وتباريح الشّجن، فقد درج النّقاد والدارسون لشعرية الأدب وسردياته، وصل القيثار بالهويات المترحّلة في الغربة، واستدعاء نوستالجيا الأوطان البعيدة، على أيّة حال يمكنكَ اعتباره من أدوية الشتات والصلاة على المصطفى.
مهما قلنا في تمسّك الطوارق بهويتهم المقدّسة، التي لا يتنازلون عنها قيد رأس نملة، في لثام ودرّاعات رجالهم أو نيلة ملحفات نسائهم، وقُل هذا بلا مواربة في ثقافتهم وسلوكياتهم؛ فإن القيثار كسّر هذا التعالق الهوياتي، حتى أصبح هو نفسه لازمة من لوازم الطارقي في الحلّ والترحال، دون أن يهمل أو يفرّط في تراث الإمزاد والتيندي، هو باقٍ ما بقي الإنسان الطارقي، وحسبه في القيثار، إنه تابل من بهارات الحداثة التي أرادها الرجل الأزرق أن تُضاف لقِدر وجوده وقَدر حياته، فكان له ما كان..





