صرّح البروفيسور مراد كواشي، أستاذ جامعي وخبير اقتصادي، لـ“الجنوب الكبير” أن الحديث عن مشروع غار جبيلات لا يمكن فصله عن رؤية أشمل تتعلق بواقع وآفاق قطاع المناجم والتعدين في الجزائر، مؤكداً أن هذا القطاع كان إلى غاية سنة 2020 يعيش حالة من التدهور الشديد.
وأوضح كواشي أن مساهمة قطاع المناجم في الناتج المحلي الإجمالي لم تكن تتجاوز 1 بالمائة، في وقت كانت فيه الجزائر تستورد الحديد، والإسمنت، وأحجار الزينة، والرخام (الماربر)، بقيمة سنوية فاقت آنذاك مليار دولار، رغم امتلاك البلاد احتياطات ضخمة من الحديد، والإسمنت، والمعادن النادرة، إضافة إلى الذهب ومعادن أخرى استراتيجية.
وأضاف المتحدث أن التحول الحقيقي بدأ مع وصول رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي أطلق سلسلة من المشاريع ذات الطابع الاستراتيجي، من شأنها تحويل الجزائر إلى دولة منجمية بامتياز، من خلال تثمين ثرواتها الطبيعية واستغلالها في خدمة التنمية الاقتصادية الوطنية.
وفي هذا السياق، أشار كواشي إلى مشروع غار جبيلات باعتباره ثالث أكبر احتياطي عالمي من خام الحديد، إلى جانب المشروع المدمج للفوسفات بشرق البلاد، الذي سيجعل الجزائر من بين أكبر الدول المصدّرة للفوسفات عالمياً، فضلاً عن مشروع الزنك والنحاس في واد أميزور بولاية بجاية، وعدة مشاريع منجمية أخرى قيد الإنجاز.
وأكد الخبير الاقتصادي أن هذه المشاريع الاستراتيجية ستجعل الجزائر، في غضون سنوات قليلة، تنتقل من بلد مستورد للمواد المنجمية إلى بلد منتج ومصدّر، بما يسمح للثروة المعدنية بأن تصبح رافداً أساسياً للتنمية الاقتصادية والتنمية الوطنية.
غار جبيلات… مشروع استراتيجي تحت إشراف رئاسي مباشر
وفيما يتعلق بالتحضيرات النهائية لدخول مشروع غار جبيلات حيز الاستغلال، أوضح كواشي أن رئيس الجمهورية يشرف شخصياً على متابعة هذا المشروع الاستراتيجي، مشيراً إلى أن من أبرز التحديات المرتبطة به إنجاز خط السكة الحديدية المنجمي الرابط بين بشار وغار جبيلات.
وكشف المتحدث أن هذا الخط، الذي يبلغ طوله حوالي 950 كيلومتراً، لم يتبقَ من إنجازه سوى مقطع صغير لا يتجاوز 60 كيلومتراً، ومن المنتظر استكماله قبل نهاية السنة الجارية، على أن يدخل حيز الخدمة خلال سنة 2026. وأضاف أن المشروع تضمن إنجاز 45 جسراً للسكك الحديدية، ما يجعله أحد أضخم المشاريع المنجمية واللوجستية في البلاد، وسيكون له أثر حاسم في إنجاح استغلال منجم غار جبيلات.
انسجام تام مع استراتيجية تنويع الاقتصاد
وأكد البروفيسور كواشي أن مشروع غار جبيلات ينسجم كلياً مع استراتيجية الدولة الرامية إلى فك الارتباط التدريجي بالمحروقات، من خلال استغلال الأوراق الرابحة، وعلى رأسها الثروات المنجمية، مشيراً إلى أن الحكومات السابقة عجزت عن استغلال هذا المنجم رغم اكتشافه منذ عقود، إلى أن أعطى الرئيس تبون الضوء الأخضر لاستغلاله الفعلي.
وأوضح أن الجزائر ستتحول من دولة مستوردة للحديد إلى دولة مصدّرة له، بما يسمح بتحقيق إيرادات إضافية للخزينة العمومية، إلى جانب دعم الصناعات الوطنية، خاصة الميكانيكية التي يعتمد نشاطها أساساً على مادة الحديد، معتبراً أن المشروع يحقق مكاسب اقتصادية متعددة في آن واحد.
مردودية اقتصادية وأثر إيجابي على الميزان التجاري
وبخصوص العوائد الاقتصادية، أوضح كواشي أن منجم غار جبيلات يضم احتياطات تُقدّر بنحو 3.5 مليار طن من خام الحديد، مع استغلال متوقع في المرحلة الأولى يناهز 1.7 مليار طن، في إطار شراكة جزائرية–صينية.
وأضاف أن الكلفة الأولية للمشروع تُقدّر بحوالي 2 مليار دولار، مقابل إيرادات متوقعة في المرحلة الأولى تصل إلى نحو 10 مليارات دولار، مؤكداً أن هذه الأرقام تعكس الجدوى الاقتصادية العالية للمشروع، خاصة وأن استغلاله سيمتد لعشرات السنين.
وأشار إلى أن الشريك الصيني لم يكن ليشارك في هذا المشروع لولا توفر دراسات جدوى دقيقة تؤكد مردوديته وربحيته، باعتبار أن منطق الاستثمار الصيني يقوم أساساً على العائد الاقتصادي.
كما أكد أن المشروع سيُسهم بشكل ملموس في تحسين الميزان التجاري، من خلال تقليص الواردات وزيادة الصادرات، وهو ما سيكون له أثر إيجابي مباشر على الاقتصاد الوطني.
القيمة المضافة عبر التحويل المحلي
وشدد الخبير الاقتصادي على أن القيمة المضافة الحقيقية لمشروع غار جبيلات لا تكمن في تصدير خام الحديد كمادة أولية، وإنما في تحويله محلياً وإنشاء صناعات تحويلية تعتمد عليه، وتصنيع منتجات نصف مصنّعة ومصنّعة موجهة للتصدير، وهو ما أكّد عليه رئيس الجمهورية في عدة مناسبات.
انعكاسات اجتماعية وتنموية واسعة
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أوضح كواشي أن المشروع سيوفر قرابة 3 آلاف منصب عمل مباشر، وأكثر من 10 آلاف منصب غير مباشر، ما سيسهم في تقليص البطالة، خاصة في منطقة الجنوب الغربي.
وأضاف أن البنى التحتية المرافقة للمشروع، وعلى رأسها السكك الحديدية والطرق البرية، ستُسهم في فك العزلة عن مناطق طالما عانت من التهميش، وفتح آفاق تنموية جديدة، مع توقع استقطاب استثمارات صناعية مستقبلية في مجال الصناعات الميكانيكية والتحويلية.
توصية أساسية: حماية الثروة وحقوق الأجيال
وختم البروفيسور مراد كواشي تصريحه بالتأكيد على ضرورة الإسراع في إقامة صناعات تحويلية حقيقية لاستغلال حديد غار جبيلات محلياً، وعدم تصديره كمادة خام، لما لذلك من أهمية في تثمين الموارد الطبيعية، وضمان حقوق الأجيال القادمة، وترسيخ اقتصاد وطني متنوع ومستدام

