جلال بن عمير – البيض | مراسلو الجنوب الكبير
شهدت ولاية البيّض خلال سنة 2025 مساراً تنموياً متدرجاً شمل مختلف القطاعات الحيوية، في سياق مجهودات الدولة الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية وتحسين الإطار المعيشي للمواطنين، خاصة بالمناطق ذات الطابع السهبي والرعوي. ورغم النقائص والتحديات المرتبطة باتساع الرقعة الجغرافية وقساوة المناخ، إلا أن حصيلة السنة عكست ديناميكية واضحة في الإنجاز والاستجابة لانشغالات السكان، الذين يفوق عددهم 300 ألف نسمة موزعين على 22 بلدية و8 دوائر.
ويُعد القطاع الفلاحي حجر الزاوية في الاقتصاد المحلي للولاية، بالنظر إلى خصوصيتها كمنطقة فلاحية رعوية بامتياز، تضم أكثر من مليون رأس من الثروة الحيوانية، وتشغل مساحة إجمالية تقارب 71.697 كيلومتراً مربعاً، تشكل الأراضي الصالحة للزراعة جزءاً معتبراً منها. وقد ساهمت عدة عوامل في تحقيق قفزة نوعية خلال سنة 2025، أبرزها تحسن الظروف المناخية، وتوفر الموارد المائية، لاسيما سد بريزينة الذي تبلغ طاقته الإجمالية 123 مليون متر مكعب، والذي عرف امتلاءً كلياً عقب التساقطات المطرية الأخيرة، ما انعكس مباشرة على نفسية الفلاحين والموالين، وأعاد بعث الأمل في مواسم واعدة بعد سنوات من الجفاف.
وبرزت مناطق الخثير، الحاسي لبيض، البنود، المحرّة وضواحيها، إضافة إلى منطقة ضاية البقرة، كنماذج للفلاحة الاستثمارية الحديثة، حيث تحولت هذه الأخيرة إلى قطب فلاحي حقيقي استقطب مستثمرين من مختلف ولايات الوطن، بفضل توفر العقار الفلاحي، المياه الجوفية، والمرافقة التقنية التي تقدمها المصالح المختصة. وقد تُوجت هذه الجهود بتحقيق زيادة فاقت 70 بالمائة في إنتاج الحبوب خلال الموسم الفلاحي الماضي مقارنة بسنة 2024، شملت القمح الصلب واللين، الشعير، الذرة وعباد الشمس، في انسجام تام مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز الفلاحة الاستراتيجية وتحقيق الأمن الغذائي.
وفي قطاع التربية، عرفت سنة 2025 تعزيزاً غير مسبوق للهياكل التربوية، من خلال إنجاز وتسليم 11 مؤسسة جديدة موزعة على مختلف الأطوار التعليمية، ما مكّن من امتصاص الاكتظاظ وتحسين ظروف التمدرس، خاصة في المناطق النائية التي تشهد توسعاً عمرانياً متسارعاً. وقد شمل البرنامج تسليم ست مدارس ابتدائية من أصل ثمانٍ مبرمجة، ومؤسستين في الطور المتوسط من أصل أربع، إضافة إلى تسليم كامل المؤسسات الثلاث المخصصة للتعليم الثانوي، إلى جانب استلام المؤسسات المتبقية في الفاتح من نوفمبر. كما رافقت هذه الإنجازات عمليات تضامنية واسعة شملت النقل المدرسي، الإطعام، وتوفير التدفئة، حيث تم بلوغ نسبة تغطية كاملة بلغت 100 بالمائة في جميع المؤسسات، باستخدام أنظمة متنوعة تتلاءم مع خصوصية كل منطقة، بما فيها أبعد الدواوير الصحراوية.
أما قطاع الأشغال العمومية، فقد عرف بدوره دعماً معتبراً خلال زيارة وزير القطاع في أكتوبر 2025، والتي شكلت نقطة تحول في تجسيد مشاريع كانت محل مطالب ملحة من قبل السكان ومستعملي الطريق. وقد تم خلال هذه الزيارة إطلاق مشاريع لإنجاز منشآت فنية بالطريق الولائي الرابط بين الشلالة وبوسمغون، وأخرى بالطريق الوطني رقم 47، بهدف القضاء على النقاط السوداء والحد من أخطار الفيضانات، إلى جانب تفقد مشاريع كبرى كالسكة الحديدية والطريق المزدوج الرابط بين بوقطب وسعيدة، مع التشديد على احترام المعايير التقنية وضمان سلامة مستعملي الطرقات.
وفي مجال السكن، واصلت السلطات العمومية جهودها لتقليص العجز السكني وتحسين الإطار المعيشي، حيث استفادت الولاية من حصص معتبرة شملت مختلف الصيغ، من السكن العمومي الإيجاري إلى السكن الريفي والترقوي، إضافة إلى التجزئات الاجتماعية. وقد تم توزيع آلاف الوحدات السكنية وتسليم مقررات الاستفادة ومفاتيح السكنات عبر مختلف بلديات الولاية، بالتزامن مع الاحتفالات الوطنية، فيما استأثرت بلدية البيّض بحصة الأسد من المشاريع الجديدة، من بينها إطلاق مشروع إنجاز 1300 وحدة سكنية بصيغة العمومي الإيجاري بالمدينة الجديدة، وفق معايير عمرانية حديثة تراعي جودة الإنجاز وتوفير المرافق القاعدية.
وسجلت سنة 2025 حدثاً تاريخياً تمثل في ترقية المقاطعة الإدارية الأبيض سيدي الشيخ إلى ولاية كاملة الصلاحيات، وهو القرار الذي اعتبره السكان تتويجاً لنضالات طويلة ومطلباً ظل قائماً منذ الاستقلال، لما له من أثر مباشر في تقريب الإدارة من المواطن، تحسين الخدمات العمومية، وتسريع وتيرة التنمية المحلية بمناطق الجنوب الغربي للولاية.
وعلى الصعيد الطاقوي، حققت الولاية نسبة تغطية كاملة بالغاز الطبيعي بلغت 100 بالمائة، فيما وصلت نسبة الربط الفعلي إلى 89.14 بالمائة، وهو ما يعكس المجهودات الكبيرة المبذولة لربط القرى والمداشر، خاصة بمناطق الظل. وقد سمح دخول مشاريع جديدة حيز الخدمة، على غرار مشروع قرية الخضر ببلدية المحرّة، بتخفيف معاناة السكان مع وسائل التدفئة التقليدية، وتحسين ظروف العيش خلال فصل الشتاء القاسي الذي تعرفه المنطقة.
وفي قطاع الصحة، تعززت الشبكة الصحية بعدة هياكل جديدة وتجهيزات عصرية، شملت فتح مستشفى بوعلام، ووضع حيز الخدمة لعيادات متعددة الخدمات بأحياء مختلفة، ووضع حجر الأساس لإنجاز مستشفى 60 سريراً ببريزينة، إضافة إلى تدعيم بعض المؤسسات بأجهزة طبية متطورة، كجهاز السكانير بمستشفى بوقطب. كما ساهم تنظيم الأيام الطبية التضامنية والتوأمة مع مستشفيات الشمال في تقريب الخدمات الصحية من المواطنين والتخفيف من معاناة المرضى.
فلاحياً، ومع انطلاق الموسم الفلاحي 2025/2026، تم توسيع المساحات المزروعة إلى أكثر من 6700 هكتار، بزيادة معتبرة مقارنة بالموسم السابق، وسط تفاؤل كبير في أوساط الفلاحين عقب تساقط الأمطار في توقيت مثالي. كما واصلت المصالح الفلاحية مرافقة المنتجين عبر برامج الدعم، الإرشاد، وتشجيع استعمال التقنيات الحديثة في الري والزراعة، إلى جانب إنجاز مستودعات جديدة لتخزين الحبوب، دخل اثنان منها حيز الخدمة خلال سنة 2025، في انتظار استكمال باقي المشاريع.
وسياحياً، برزت ولاية البيّض كوجهة واعدة للسياحة الصحراوية والثقافية، حيث استقطبت مناطق قور بريزينة، بوسمغون، الشلالة وغيرها، أعداداً متزايدة من السياح المحليين والأجانب، الذين اكتشفوا ثراء المنطقة الطبيعي والتاريخي، من الواحات، الكهوف، القصور العتيقة، والنقوش الصخرية. كما عرفت تظاهرة “ركب سيدي الشيخ” خلال صيف 2025 نجاحاً لافتاً، بحضور قياسي للزوار، مؤكدة مكانتها كرافد أساسي للسياحة الروحية والتراثية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تثمين هذه المقومات وتحويلها إلى مورد اقتصادي مستدام.
وتبقى حصيلة سنة 2025 بولاية البيّض، رغم التحديات، مؤشراً واضحاً على مسار تنموي متواصل، يعكس إرادة فعلية للنهوض بمختلف القطاعات وتحقيق تنمية متوازنة، تستجيب لتطلعات المواطن وتؤسس لآفاق أوسع خلال السنوات القادمة.

