يتجلى المفهوم المتداول لكلمة السردية من الناحية الإجرائية، باعتبارها تلك الطريقة المستخدمة في تقديم الأحداث ورواية القصص المتوفرة، وفق رؤية محددة وفي سياق إطار معين يمنحها في النهاية المعنى المراد ويحقق هدفها.
وبعيدا عن السياق الإجرائي، وبالانتقال إلى المجال الإعلامي، فإن صناعة السرديات وتسويقها، أصبح ذو أهمية كبرى والمؤسسات تراهن على نوعية النخب التي تكون قادرة على صناعة سرديات تحقق الأهداف المرجوة منها، خاصة في زمن الأزمات التي تكون صناعة السرديات من أعقد وأصعب المهام المنوطة بالنخب والتي ترهن مكانة المجموعات الوطنية في المشهد الدولي.
الإبداع في المنجز
إن الشرط الأساس والعامل الضروري في صناعة السردية مهما كانت هويتها، يتمثل في قيامها على شحنة كبيرة من (التراث الجمعي)، الذي يضمن لها الوصول إلى تحقيق أهدافها، وهو الأمر الذي يجعلها متميزة ومختلفة عن غيرها من السرديات، وملتصقة بهوية المجموعة الوطنية التي تكون بذلك قدر تجاوز عقدة التماهي والانجراف وسط الكم الهائل من المنتوج السردي الذي يتم إنتاجه يوميا.
ويكون مستوي ونوعية الإبداع هو المحدد السردية التي يفترض أن تكون ذات تكلفة عالية، لما يبذل فيها من جهود وما يخصص لها من إمكانيات وما تتطلبه من اشتراطات، والإبداع المراد هنا هو تلك الحالة التي يتميز بها صناعة السردية، وتكون غير مسبوقة في أذهان الآخرين أو منتظرة في المخيال الجمعي و معبرة عن حالة الذات ومحملة بكميات الدهشة والاكتشاف حتى تكون معبرة عن القدرات الإبداعية لصناعها، وهو الأمر الذي يوكل إلى تلك الأجيال الجديدة من النخب العلمائية التي تكون متخلصة من كل العوائق والمؤثرات السلبية التي تمنعها من خوض غمار مغامرة صناعة السردية، زيادة على الرؤية الإستراتيجية التي يتم وفقها الشروع في مباشرة صناعة السردية.
إن الرؤية الإستراتيجية في صناعة السردية، تمثل حجر الزاوية في تحقيق الأهداف والوصول إلى الثمار المرجوة، كما أن توفر الرؤية الإستراتيجية، كفيل بتقييم الحالة التاريخية للنخب الممثلة للمجموعة الوطنية، والتي تمنحها أو تحرمها من شرعية الانخراط في المستقبل، كون الرؤية الإستراتيجية لا تنحصر في صناعة السردية، وإنما تشمل الكثير من المهام التاريخية التي يفترض أن تكون الإطار العام المعبر عن مستوى وقدرة المجموعة الوطنية في ممارسة دورها ومهامها التاريخية ومتحصل عن الجدارة في الانخراط في المسيرة الإنسانية.
الإتقان في الصناعة
إن صناعة السرديات أصبح اليوم من أعقد الصناعات تتطلب المستويات العالية من الاحترافية والقدرات العميقة من الذكاء، زيادة على مهارات التعامل مع المادة الخام(التراث الجمعي)، مما جعل الكثير من الشركات العالمية المتخصصة في صناعة السرديات تعتمد على الأذكياء والمهرة من النخب التي تمتلك القدرة على اختراع الايقونات وابتكار التطبيقات أو تلك النخب التي لديها القدرة على التعامل مع المادة الخام(التراث الجمعي) للمجموعة الوطنية.
فالسردية مهما كان نوعها أو شكلها أو توقيتها أو مجال تسويقها، يشترط لنجاحها، أن تكون ذات مستويات عالية من الشحنات المادة الخام للمجموعة الوطنية، ولها من الاستيعاب المساحات الواسعة والاستناد على الجذور العميقة من المكونات العاطفية والثقافية والروحية والأسطورية، مما يوفر لها الانتشار والاستهلاك بأعلى المعدلات، وهو ما يجعل من ضرورة امتلك أعلي درجات الإتقان الشرط الأول قبل التفكير في مشاريع صناعة السردية.
والإتقان يتطلب الحصول على نخب علمائية لها من المهارات الفنية والقدرات العلمية والدرجات الإدراكية وطاقة الذكاء ما يمكن جعل الشرط الأساس والضروري للتفكير في مباشرة مشاريع صناعة السردية، من اجل ضمان نجاحها وتحقيق أهدافها المرجوة.
الإقناع في التسويق
ليس المهم أن تصنع سردية، لأن الجميع قادرة على خوض غمار هذه الصناعة، ولكن المهم أن تكون قادرا على صناعة سردية تحقق أهدافها وتترك الأثر المرجو منها، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الإقناع الذي يمكن أن يحصل عند المستهلك لها، وهو ما يمكن توقعه إلا إذا امتلك السردية عوامل الإقناع عبر ممارسة أدوات الحجاج، كون المساحة التي تفتحها الموجة الاتصالية الزاحفة تتسع يوميا، مما يجعل من فرصة ممارسة الحجاج كبيرة جدا.
والإقناع وسيلته الحجاج الذي يتميز بحالة كبيرة من تقديم الحجج والأدلة والبراهين (بكل أنواعها)، دون أن يكون المستهلك قادرة على توقعها أو الاطلاع عليها من قبل مما يجعله في حالة من الدهشة والاستغراب والرغبة في معرفة المزيد من المعرفة والسير في طريقها.
إن حصول السردية على عامل الإقناع والتزود بأدوات الحجاج، توفر لها تجاوز حواجز التسويق ومعوقات الانتشار، مما يجعل تداولها في وسط قطاعات واسعة وفئات متباينة التي تسارع إلى استهلكها حتى وان كانت غير راغبة فيها وهي الحالة التي تتمكن فيها السردية من إفقاد المستهلك إرادة التردد.
السرعة في التأثير
من الحالات المهمة في تسويق السردية (مهما كانت هويتها)، أن تستطيع الوصول إلى المستويات العاطفية والشعورية للمستهلك، مما تجعله غير قادر على التردد في استهلكها أو التفكير فيها وعدم إخضاعها للمقاييس العقلية أو جعلها في مصف الحسابات الظرفية الطارئة، وإنما يعمل صانع السردية على تضمينها مستويات كبيرة من الشحنات العاطفية التي تثقل كاهل المستهلك وتجعله أسير لتلك الشحنات القوية.
وتشكل الشحنات العاطفية العامل الحاسم في تحقيق أهداف السردية، وتمهد لها الطريق لإزالة الكثير من العوائق من طريقها، وهذه الشحنات العاطفية يتم استمدادها من الموروث الجمعي للمجموعة الوطنية، ويتم الاعتماد على تلك المشاعر التي تظهر في حالة الأزمات مما يجعل من الحالة الإنسانية هي الطاغية في الموضوع، ويكسب السردية القوة الحاسمة لها وسط المنافسة السردية المتزاحمة.
المنتظر القادم
إن الموجة الزاحفة للثورة الاتصالية الحديثة قد باغتة الكثير من النخب، مما جعلها تلتحق متأخرة بالانخراط في المسار الجارف لهذه الموجة، مما جعلها تظهر في الكثير من الأوقات وبالذات في أزمنة (الأزمة)، مما جعل صناعتها للسردية يشوبها الكثير من العيوب الأمر الذي يجعلها غير قابلة للتسويق، وتنقلب نتائجها ضد الأهداف المرجوة منها، وهو ما يفترض أن يتم الإسراع نحو بذل أقصى الجهود واتخاذ الجاد من القرارات من اجعل التأسيس للنخب التي تكون قادرة على ممارسة صناعة السرديات وبالذات تلك السرديات التي تكون الحاجة إليها في أزمنة الأزمة.
أن الفرصة الذهبية اليوم أمام المجموعة الوطنية أنها تمتلك كتلة من الشباب الراغب في خوض غمار مغامرة صناعة السردية، وان كان يمتلك الرغبة والجسارة، إلا انه يفتقد للكثير من شروط النجاح وعوامل التوفيق في التسويق وغير متأكد من الوصول إلى الأهداف المرجوة، وهو ينتظر أن يجد في الساحة الوطنية من الإمكانيات والدواعم التي تعينه على خوض غمار هذه المغامرة، مما يجعل من إنضاج تجربة الممارسة الإعلامية والسلوك الاتصالي، وما تم انجازه من سرديات في أزمنة الأزمة في الحقب السابقة، مادة خام نادرة التواجد عند الآخرين، وهو ما يوجب اليوم على المؤسسات المستأمنة على المنظومة القيمية الجماعية، أن تباشر مرحلة جديدة من توفير المادة الخام للأجيال الجديدة وتجعلها متيسرة لديها.

