شهدت جامعة بشار محمد الطاهري الأسبوع الفارط ملتقى دوليًا من تنظيم كلية الحقوق والعلوم السياسية، تناول موضوعًا في غاية الأهمية من حيث راهنيته وتوقيته وهو “السيادة الرقمية للدولة”. حضر المشاركون من مختلف جامعات الوطن وخارجه، وشهدت الملتقى مشاركة مهمة من بعض الأشقاء من الدول العربية، منها المملكة الأردنية الهاشمية وموريتانيا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
شكل هذا الموعد العلمي فرصة مهمة لتلاقح المعرفة وإثراء الفكر، باعتبار أن المشاركين يمثلون مختلف التخصصات الإنسانية والاجتماعية والقانونية والتقنية، ما أضفى عمقًا على الطرح من مختلف الزوايا والرؤى. ويمكن الإشارة أيضًا إلى الحضور النوعي من الخبراء والمؤسسات والأساتذة والطلبة والباحثين في المجال، بالإضافة إلى مشاركة الهيئات الأمنية المختلفة في الجزائر (الدفاع الوطني، الدرك الوطني، الأمن الوطني) ومرافقة السلطات الولائية والمجالس المنتخبة. هذا التنوع في الحضور أضاف قيمة للنقاش العلمي المتطور في أسئلته وأفكاره.
إن مثل هذه الملتقيات الدولية تحمل أبعادًا هامة، ويمكن النظر إليها من جوانب متعددة، على غرار الهدف الأسمى وهو التبادل العلمي والفكري، كما تشكل حلقة مهمة في المجال الثقافي والسياحي. فولاية بشار، الواقعة في الجنوب الغربي للجزائر، تحمل الكثير من التراث التاريخي والعلمي الذي يجعل منها قبلة سياحية بامتياز، مثل منطقة تاغيت التي تحيط بها كثبان رملية ذهبية وتضم واحة نخيل، إضافة إلى صخور وقصور تقليدية (قصر تاغيت القديم، قصر بريكة). فالزائر يكتشف عبق التاريخ والحضارة من خلال الرسوم القديمة التي تعود إلى ما قبل التاريخ، فتعتبر وجهة سياحية للكثير من الجزائريين والأجانب خلال الأعياد والمناسبات، وتعرف أيضًا بالتزلج على الرمال الصحراوية.
تزخر ولاية بشار أيضًا بمنطقة موغل، حيث يوجد قصر يحمل تراثًا أثريًا مهمًا من البناء الصحراوي القديم، إضافة إلى مدينة قنادسة التي تتميز بقصورها العريقة والمتينة بالمواد المحلية، ويحتوي أحدها على هندسة معمارية صحراوية فريدة تشد الناظرين.
إن زيارتي العلمية إلى بشار، هذه الولاية المضيافة بسكانها الكرام، تركت أثرًا طيبًا على شخصي وعلى الوفود الأجنبية التي زارتها ضمن الملتقى الدولي، واكتشفت من خلالها العمق الجزائري الأصيل بتراثه وتاريخه المتنوع ومناطقه وجغرافيته الشاسعة، وهو ما يُعد قيمة مضافة على الصعيد الوطني. ومن هنا بدأت أتساءل: ماذا لو تم استغلال هذه الزيارات العلمية في الترويج للسياحة الصحراوية؟ وجود الجامعات في الجنوب، ومنها جامعة بشار التي تتوفر على الإطار البشري المتكون والطاقات الشابة والهياكل القاعدية الجديدة، يمكن أن يحوّل هذه الفضاءات إلى مجال للاستثمار والابتكار في السياحة الصحراوية. لماذا لا تكون بشار نموذجًا حيًا لتحقيق الاستراتيجية الوطنية في المجال السياحي؟
وجود إمكانيات سياحية متنوعة، إضافة إلى ثقافة علمية مترسخة وتقاليد تنظيمية وهيكلية، يؤهلها لتنظيم تظاهرات كبرى ذات مستوى عالٍ، يمكن أن تكون قاطرة نحو تحقيق الأمن السياحي في الجزائر. جميع هذه الأسئلة تستدعي التفكير في استثمار هذا المجال بشكل جيد لتحقيق طفرة في السياحة الصحراوية.
تشكل الملتقيات العلمية الدولية التي تنظمها الجامعات الجزائرية، وخاصة الواقعة في الجنوب، فرصة مهمة لإحياء السياحة الصحراوية، والمساهمة في التعريف بهذه المناطق للنخب المشاركة، وإعطائهم فكرة حول ما تحتويه من معالم أساسية في التراث والتاريخ، إضافة إلى الصور المتنوعة من رمال ونخيل وبانوراما تمزج بين السحر الجمالي والذوق المكاني، ما يجعلها عوالم مختلفة وجاذبة.
السياحة الصحراوية سياحة ذات أبعاد وأهداف متعددة، والاستفادة منها تتطلب وجود مخطط سياحي واستراتيجي لاستغلالها في الدخل الوطني والإنعاش الاقتصادي، إلى جانب إرادة فعلية من جميع الفاعلين لتحقيق الهدف المرجو. لذلك من الضروري التفكير بجدية في اعتبارها موردًا حقيقيًا في السياسات العمومية والتخطيط المستقبلي للدولة.
تتمتع الجزائر بصحراء واسعة في جنوبها الشرقي والغربي بمواصفات عالمية، وتمثل حوالي 80% من مساحة الجزائر الكلية، وهو مكسب جغرافي وقيمة مضافة لقوة الدولة. وفق بيانات سياحية، زار الصحراء حوالي 47 ألف سائح أجنبي، وهو معدل ضئيل مقارنة بالإمكانات المتاحة، مع وجود 280 وكالة سياحية مختصة موزعة عبر التراب الوطني.
بات من الضروري اليوم، ضمن استراتيجية التوجه نحو الفكر المقاولاتي والابتكار وريادة الأعمال، تشجيع الجامعيين، خاصة منتسبي الجامعات في الجنوب، على الاستثمار في السياحة الصحراوية ضمن مشاريع جديدة، مثل ابتكار تطبيقات ذكية للتعريف بالمناطق السياحية مع الحجز الإلكتروني، ووضع خرائط للمسارات السياحية، وبناء مخيمات بيئية، وضمان التسويق الرقمي، بالإضافة إلى تنظيم فعاليات سنوية مثل الملتقيات العلمية، سباقات الرالي، والمهرجانات الفنية كما هو الحال حاليًا في تميمون. وفي النهاية، تُعد السياحة الصحراوية رؤية متكاملة الأبعاد.

