ع / محامدية | مراسلو الجنوب الكبير
أكد العديد من قدامى السائقين، بمختلف أحجام المركبات وأنواعها، أن التعاون فيما بينهم أثناء عمليات التجاوز والتتابع في الطرق العادية والسريعة يعد من أهم العوامل المساعدة على تجنب وقوع حوادث مرور مميتة. فالتواصل عبر الأضواء والغمازات من شأنه التنبيه والتحذير والمساعدة، ومن ثم تجنب الوقوع في المحظور وما قد يترتب عنه من تصادم قد تكون عواقبه وخيمة ماديًا وبشريًا.
ويعتبر العارفون والمختصون أن السياقة فن، والطريق ليس مجرد ممر عابر للمركبات، بل مسرح تتعدد فيه المشاهد ويتعاقب عليه سائقون هم بمثابة ممثلين يلعبون أدوارًا مختلفة ولكنها متجانسة ومتكاملة، تحكمها قوانين المرور وخصوصية الطريق وطبيعة المكان.
ويجد مستعملو الطرق أنفسهم خلال استغلالهم للطريق أمام فرصة للتعارف والتواصل، ولو بطرق مختلفة، ومن ذلك استعمال الأضواء والغمازات بطريقة غير أصلية. فهذه الإشارات البسيطة قد تكون سببًا مباشرًا في منع وقوع حوادث مرور، وقد تنقذ أرواحًا بريئة، خصوصًا إذا استُخدمت للتنبيه والتحذير والإرشاد والمساعدة، لا سيما في حالات التجاوز الخطير والمناورات على طرق ضيقة أو منعرجة أو حتى طرق سيّارة.
ويؤكد ذوو الخبرة أن استعمال هذه الإشارات سواء بالأضواء أو بالغمازات يمكن أن يساعد على تفادي كوارث مرورية حقيقية. إذ تتسبب ضيق بعض الطرق وزحمة السير في كثير من الأحيان في حجب الرؤية عن السائقين، مما يضطر البعض إلى تجاوزات خطيرة كان بالإمكان تفاديها لو توفر التعاون والتواصل بين السائقين كما كان يحدث في سنوات سابقة.
وفي حديث مع “الجنوب الكبير”، أشار أحد السائقين، صاحب الثلاثين عامًا من الخبرة، إلى أن السائقين القدامى كانوا يساعدون بعضهم بعضًا عبر الإشارات الضوئية لتأكيد إمكانية التجاوز أو التحذير منه، خصوصًا إذا كانت المركبة من الحجم الثقيل التي قد تحجب الرؤية عن من يتبعها. هذه الإشارات كانت تنقذ أرواحًا وتمنع وقوع حوادث مرور خطيرة سواء في الليل أو النهار.
وفي السنوات السابقة، كان السائق يقدر ويقدر نصائح غيره، فينصاع عند الإشارة بعدم التجاوز، مقدرًا ومثمّنًا نصيحة الآخرين. هذا التواصل والتعاون كان وثيقًا ويعكس العلاقة الحميمية بين السائقين، حيث يقول أحدهم: “الجميع في الطريق مسافر وفي خطر، فالمسافر راكبًا أو سائقًا هو في حكم الله، ومساعدة السائقين لبعضهم البعض تعد من الواجبات. النصيحة أكثر من مطلوبة، والعمل بها ضروري لتفادي الحوادث أو على الأقل التقليل من خطورتها وأضرارها”.
لكن مبدأ التعاون في الطرقات لم يعد معمولا به مثل الماضي، سيما من بعض السائقين الشباب – دون تعميم الحكم طبعًا. فالكثيرون أصبحوا يكتفون باستعمال الإشارات الضوئية في التنبيه من وجود الرادار أو الحواجز الأمنية فقط، بينما يتصرف معظمهم كما تهوى نفسه دون مراعاة تحذيرات أو نصائح الآخرين.
ويؤكد عمي عليّ، الذي قضى 45 سنة وراء المقود، أنه لا يزال يوظف الإشارات الضوئية، خصوصًا الغمازات لمساعدة الآخرين في الطريق، بحكم أنه سائق شاحنة ذات مقطورة، وهو يدرك أن شاحنته قد تحجب الرؤية عن من يتبعها. وفي حين يستجيب البعض لتنبيهاته، يؤكد عمي عليّ تجاهل أو حتى استهزاء البعض الآخر من السائقين بنصائحه، حيث يروي العديد من الحوادث التي وقعت أمامه بسبب هذا التجاهل. فبدل الاستجابة للنصيحة، يقوم بعض السائقين بالتجاوز والمناورة غير مبالٍ بأي أحد، بل يستخدمون أبواق سياراتهم استنكارًا واستهزاءً بمن يقدم لهم النصيحة، كما يقول عمي عليّ.
وتكون مثل هذه التصرفات من السائقين، خصوصًا الشباب، غالبًا سببًا مباشرًا أو غير مباشر في وقوع حوادث مميتة، والسبب ببساطة كما يقول عديد السائقين هو استخفاف بعض مستعملي الطريق بنصائح غيرهم عبر الإشارات الضوئية، مما قد يؤدي مع الأسف إلى هلاك عائلات بأكملها. ويؤكد هؤلاء أن هذه النصائح البسيطة، إذا ما استُخدمت كما يجب، كانت تقلل من حوادث المرور المميتة، لكن غيابها وتراجع استخدامها بين السائقين أصبح سببًا من بين أسباب استمرار حوادث المرور التي تحصد آلاف الضحايا سنويًا.
