عبد العزيز تويقر | مراسلو الجنوب الكبير
تواصل الجزائر الدفع بمقاربتها الجوارية الشاملة تجاه منطقة الساحل الإفريقي كخيار استراتيجي يقوم على التلازم الحتمي بين الأمن والتنمية المستدامة. وفي هذا السياق، شكلت مشاركة وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، السيد أحمد عطاف، في اجتماع رفيع المستوى بنيويورك لبحث ملف “الأمن والتنمية في الساحل، حالة فدرالية دول الساحل”، محطة جديدة لتأكيد الرؤية المقترحة من قِبل رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون لمواجهة الأزمات المركبة التي تشهدها المنطقة. والمقاربة الجزائرية تعتمد مبدئين اساسيين
أولا: دعم دول الساحل ووحدتها الترابية، مع دعم حقها الكامل وغير المشروط في صياغة خياراتها الأمنية المستقلة بعيدا عن الوصاية والاملاءات الخارجية مع التركيز على إبقاء الحلول ضمن الإطار الإقليمي المشترك، ورفض أي تدخلات أجنبية من شأنها تعقيد الأزمات المحلية.
ثانيا تؤكد المقاربة الجزائرية والتي فصح عنها رئيس الجمهورية في عدد من لقاءاته الإعلامية والمحطات الدولية التي حضرها، أن المقاربات العسكرية وحدها غير كافية لتجفيف منابع عدم الاستقرار؛ بل يتطلب الأمر دمجاً استراتيجياً للمشاريع التنموية والاقتصادية التي تلامس مباشرةً تطلعات الشعوب وتضمن رفاهيتها، مستندا في ذلك الى مبادئ حسن الجوار والتعاون التاريخي.
فعمق روابطها التاريخية مع جيرانها في الساحل أساس من أسس تعزيز أواصر التضامن والشراكة البينية في مختلف المجالات ذات الاهتمام المتبادل، بهدف الانتقال بالمنطقة نحو مستقبل مستقر ومزدهر.
وفي السياق شارك وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، السيد أحمد عطاف، بنيويورك، في اجتماع رفيع المستوى خُصص لمناقشة موضوع “الأمن والتنمية في الساحل، حالة فدرالية دول الساحل”، وذلك على هامش مشاركته في أشغال الأسبوع رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وشكّل اللقاء فرصة متجددة للوزير عطاف لاستعراض معالم المقاربة الجزائرية الشاملة تجاه منطقة الساحل الإفريقي. ففي كلمة ألقاها بالمناسبة، سلط وزير الخارجية الضوء على المبادئ الثابتة التي تحكم السياسة الخارجية للجزائر تجاه جيرانها في الساحل
وشدد على حق هذه الدول المطلق في تحديد الخيارات الكفيلة بضمان أمنها بالتعاون مع شركائها، بعيداً عن أي إملاءات أو تدخلات خارجية. كما ذكّر الوزير بعمق الروابط التاريخية والأخوية التي تجمع الجزائر بدول الجوار، مؤكداً التزام الجزائر الراسخ بدعم أواصر التضامن والتعاون المشترك في شتى المجالات ذات الاهتمام المتبادل.
المقاربة الجزائرية في الساحل.. من التنظير الدبلوماسي إلى التمكين التنموي والأمني
لم تكن الإشادة القوية واللافتة التي أطلقها الوزير الأول لجمهورية النيجر، السيد علي محمد لمين زين، من أعلى منبر أممي في نيويورك، مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل جاءت لتضع النقاط على الحروف وتختزل في أبعادها النجاح الميداني للمقاربة الجوارية الجزائرية تجاه منطقة الساحل الإفريقي. ففي الوقت الذي تعيش فيه “فدرالية دول الساحل” تحولات جيوسياسية معقدة وصراعات دولية محتدمة على النفوذ، تبرز الجزائر كشريك استراتيجي موثوق يرفض منطق الوصاية والإملاءات، ويستبدله بمبدأ المرافقة الأخوية القائمة على التلازم الحتمي بين الأمن والتنمية، وهي الرؤية الشاملة التي طالما رافع من أجلها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون.
وتترجم شهادة المسؤول النيجري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن “النيجر واقفة اليوم على قدميها لأن الجزائر اختارت أن ترافقها”، جوهر وعمق هذه المقاربة؛ ففي البعد الأمني والسيادي، وبينما كانت القوى الدولية تنسحب وتفرض حصاراً على نيامي، كانت الجزائر تقدم دعماً مستمراً للنظام الدفاعي النيجري لمواجهة التهديدات الإرهابية المتصاعدة، مكرسةً التزامها الصارم باحترام السيادة الوطنية وحق دول الجوار المطلق في صياغة خياراتها الأمنية المستقلة بعيداً عن التدخلات الأجنبية.
أما على الصعيد الاقتصادي والتنموي، فقد أثبتت المقاربة الجزائرية واقعيتها من خلال الانتقال بالتعاون من الأطر التقليدية إلى مشاريع مهيكلة واستثمارات حيوية تلمس معيشة المواطن النيجري وتساهم في كسر عزلة المنطقة؛ ويتجلى ذلك في المساهمة المباشرة في تعزيز البنية التحتية الطاقوية عبر إنجاز محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 40 ميغاواط بالعاصمة نيامي، وإطلاق أعمال الحفر الاستكشافي لبئر “كفرا جنوب شرق 1” شمال النيجر لتمكين البلاد من استغلال مواردها النفطية، بالإضافة إلى التعاون الديناميكي في قطاعات الصحة، التعليم، الموارد المائية، والزراعة. هذا التكامل لا يتوقف عند الحدود الثنائية، بل يمتد ليشمل مشاريع ذات بعد جهوي واستراتيجي عملاق، على غرار مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (نيجيريا-النيجر-الجزائر) والطريق العابر للصحراء كشريان تجاري نحو المتوسط.
إن هذه الديناميكية المشتركة تؤكد للمجتمع الدولي أن البديل الحقيقي للتدخلات العسكرية الأجنبية التي أثبتت عقمها في الساحل، يكمن في “التمكين التنموي” وحسن الجوار، وهو النموذج الواقعي الذي تقوده الجزائر بحكمة لضمان انتقال المنطقة نحو مستقبل واعد يحقق تطلعات شعوبها في الاستقرار، والرفاه، والسيادة الكاملة.
المقاربة الجزائرية في إفريقيا.. ريادة دبلوماسية وعقيدة شاملة تجفف منابع الإرهاب وتصنع السلم القاري
لا تتوقف الرؤية الاستراتيجية للجزائر تجاه عمقها الإفريقي وجوارها الإقليمي عند حدود التمكين التنموي والمرافقة الثنائية لدول الجوار كجمهورية النيجر، بل تمتد إلى مستوى قاري مؤسساتي أعلى، يضع مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف وتجفيف منابعهما الفكرية والمالية والتكنولوجية في صدارة الأولويات.
وتتويجاً لهذا الدور الريادي، حظيت جهود رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بإشادة رفيعة المستوى وطابع رسمي صارم من قِبل مجلس السلم والأمن للاتحاد الإفريقي، بصفته نصيرا للاتحاد الإفريقي في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.
هذه الإشادة القارية، التي اعتمدها المجلس في قمة وزارية بنيويورك تحت عنوان “حسن الجوار والاستجابات الإقليمية للتحديات الأمنية والإرهابية في إفريقيا”، جاءت لتوثق محورية الدبلوماسية الأمنية الجزائرية وتحولها إلى إطار مرجعي ملزم لصياغة الحوكمة الأمنية والقضائية في كامل القارة.
وتتكامل هذه الديناميكية القارية مع الجهود الميدانية للجزائر، لتثبت أن مقاربتها ليست مجرد تنظير سياسي، بل هي واقع ملموس يتجسد في مبادئ قانونية وتكنولوجية متطورة؛ حيث استند مجلس السلم والأمن الإفريقي بشكل مباشر إلى “مبادئ الجزائر التوجيهية” (التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي سابقاً) كقاعدة أساسية لوضع إطار قاري يمنع استخدام الإرهابيين للتكنولوجيات الناشئة، مثل الطائرات المسيرة، المنصات الرقمية المشفرة، وأدوات التمويل الرقمي المستحدثة. كما دفع المجلس نحو تفعيل أدوات ردعية عابرة للحدود كـ”مذكرة التوقيف الإفريقية” و”قاعدة البيانات الإفريقية للإرهابيين” لتعطيل شبكات الإمداد وسد الثغرات الأمنية، مستنداً إلى الإرث التشريعي للجزائر المتمثل في اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لمنع الإرهاب ومكافحته المعتمدة بالجزائر عام 1999.
إن هذا الحراك الدبلوماسي المكثف يعكس العقيدة الأمنية الراسخة للسياسة الخارجية الجزائرية، والتي جدد تأكيدها وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية، السيد أحمد عطاف؛ وهي العقيدة القائمة على قناعة تامة بأن المقاربات العسكرية والأمنية الصرفة، وإن كانت ضرورية، تظل عاجزة بمفردها عن صناعة سلم مستدام ما لم تقترن بالدفع التنموي، وإطلاق المصالحات الوطنية، وتقوية مؤسسات الدول الوطنية لحرمان التنظيمات المتطرفة من استغلال الهشاشة الاجتماعية والسياسية للتمدد والتجنيد. وبذلك، تصيغ الجزائر نموذجاً إفريقياً متكاملاً يبدأ من حفر آبار النفط وبناء محطات الكهرباء في النيجر كبديل لسياسات الحصار، وينتهي بقيادة المنظومة القانونية والتكنولوجية للاتحاد الإفريقي، تأكيداً على أن حلول أزمات القارة يجب أن تصنعها سواعد أبنائها بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الأجنبية.
وتثبت هذه الديناميكية الدبلوماسية الشاملة في نيويورك أن الجزائر لا تقدم مجرد مقاربات نظرية، بل تصيغ نموذجاً إفريقياً متكاملاً يتصدى للتهديدات الراهنة بقرارات نابعة من القارة ذاتها؛ نموذج يبدأ من تمكين النيجر اقتصادياً وأمنياً لمنع انزلاق المنطقة نحو الفوضى، وينتهي بقيادة المنظومة القانونية والتكنولوجية للاتحاد الإفريقي، تأكيداً على أن حلول أزمات الساحل وإفريقيا تصنعها سواعد أبنائها وتضامن جيرانها المخلصين.

