في تصريح يعكس المتابعة الدقيقة التي توليها الحكومة الجزائرية لقضايا الهجرة غير الشرعية، كشف وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية والنقل، السعيد سعيود، عن استمرار الجهود الحثيثة لإعادة الأطفال الجزائريين السبعة الذين هاجروا بطريقة غير نظامية نحو إسبانيا، مؤكدًا أن التنسيق بين السلطات الجزائرية والإسبانية يسير بوتيرة إيجابية ومتواصلة.
وجاء تصريح الوزير اليوم الإثنين، على هامش الاجتماع الثنائي الجزائري–الإسباني بين وزيري الداخلية للبلدين، المنعقد بفندق الأوراسي بالعاصمة، والذي تناول ملفات التعاون الأمني، والهجرة، ومكافحة الجريمة المنظمة. وأوضح سعيود أن ملف الأطفال القصّر يحظى بأولوية قصوى لدى السلطات الجزائرية، مشيرًا إلى أن الحكومة تتعامل معه من منطلق إنساني وقانوني في آن واحد، حفاظًا على مصلحة الأطفال وسلامتهم النفسية والجسدية.
وقال الوزير في تصريحه: “كل ما طلبته السلطات القضائية الإسبانية تمت موافاتها به من معلومات ووثائق ضرورية، وفي المستقبل القريب ستكون هناك استجابة رسمية لطلب الجزائر بخصوص إعادتهم”. وأضاف أن التنسيق يتم عبر القنوات الدبلوماسية والقضائية المعمول بها، في إطار احترام السيادة الوطنية والاتفاقيات الثنائية الموقّعة بين الجزائر ومدريد.
حادثة تحولت إلى قضية رأي عام
تعود تفاصيل القضية إلى بداية شهر سبتمبر الماضي، عندما تمكّن سبعة أطفال قصّر تتراوح أعمارهم بين 11 و16 سنة من سرقة قارب صغير من ميناء تامنفوست شرق العاصمة الجزائرية، والانطلاق به في رحلة خطيرة عبر البحر المتوسط نحو جزيرة إيبيزا الإسبانية. وقد وثّق الأطفال مغامرتهم بعدة مقاطع فيديو تم تداولها على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما جعل الحادثة تتحول بسرعة إلى قضية رأي عام أثارت استنكارًا واسعًا وتساؤلات حول الدوافع الاجتماعية والنفسية التي تقف وراء مثل هذه الظواهر.
وأظهرت تلك الفيديوهات الأطفال وهم يبحرون ليلاً، في مشهد يجمع بين الجرأة والبراءة والخطر، قبل أن يتم توقيفهم من طرف خفر السواحل الإسباني وإيواؤهم في مركز مخصص للقُصّر المهاجرين بجزر البليار. ومنذ ذلك الحين، ظل الملف محل متابعة دقيقة من السلطات الجزائرية عبر القنوات الدبلوماسية والقنصلية، بهدف ضمان سلامة الأطفال وتأمين عودتهم إلى أرض الوطن في أقرب وقت ممكن.
معالجة متعددة الأبعاد
القضية، التي صدمت الرأي العام الجزائري، أعادت إلى الواجهة ملف الهجرة غير الشرعية للقُصّر، وهي ظاهرة متنامية في السنوات الأخيرة رغم الجهود المبذولة للحد منها. ويؤكد خبراء أن هذه الحوادث تكشف عن تحديات اجتماعية واقتصادية وتربوية تستدعي معالجة شاملة تتجاوز البعد الأمني، لتشمل الدعم النفسي للأسَر وتوفير فضاءات للشباب تُغنيهم عن التفكير في الهجرة كمخرج وحيد.
وفي هذا السياق، شدّد الوزير سعيود على أن الدولة الجزائرية لا تتعامل مع مثل هذه القضايا بمنطق الزجر فقط، بل بمنطق الرعاية والحماية، مشيرًا إلى أن مصالحه تعمل بالتنسيق مع وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة من أجل التكفّل النفسي والاجتماعي بالأطفال بعد عودتهم، وضمان إعادة إدماجهم في محيطهم الأسري والتربوي.
وأضاف الوزير أن الجزائر تواصل جهودها في محاربة شبكات تهريب البشر والمتورطين في تسهيل عمليات الهجرة السرية، مؤكدًا أن بعض هذه الشبكات تستغل القُصّر لتمرير أنشطة غير قانونية، الأمر الذي يستوجب تشديد الرقابة ومضاعفة الوعي لدى العائلات.
تعاون جزائري–إسباني متجدد
من جهة أخرى، شكّل الاجتماع الثنائي بين وزيري الداخلية الجزائري والإسباني مناسبة لتجديد التزام البلدين بتعزيز آليات التعاون الأمني والإنساني، خاصة في ملفات الهجرة، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، وتبادل المعلومات حول شبكات التهريب.
وأشاد سعيود بالعلاقات التاريخية بين الجزائر وإسبانيا، مشيرًا إلى أن التعاون بين الجانبين يشمل تبادل الخبرات والتجارب في مجالات الأمن الحضري، مراقبة الحدود، وتسيير الهجرة القانونية. كما اتفق الطرفان على تعزيز العمل المشترك لتأمين السواحل ومكافحة ظاهرة “الحرقة” التي باتت تستنزف الأرواح وتسيء لصورة الشباب الجزائري.
وأكد الوزير أن الجزائر تظل حريصة على مقاربة إنسانية في التعامل مع المهاجرين، خصوصًا الفئات الهشة، مع الالتزام الصارم بالقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الطفل وحماية القصر المهاجرين.
دعوة إلى وعي مجتمعي
وختم سعيود تصريحه بالتأكيد على أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وخاصة بين القُصّر، لا يمكن القضاء عليها إلا من خلال تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع، داعيًا إلى تعزيز دور المدرسة والإعلام والأسرة في غرس ثقافة الأمل والانتماء، بدل الانسياق وراء أوهام الهجرة والمخاطرة بالحياة.
كما دعا إلى ضرورة إعادة الاعتبار لقيم العمل والتضامن، وتكثيف التواصل مع الشباب لإشراكهم في مسار التنمية الوطنية الذي أطلقه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، مؤكّدًا أن “الجزائر الجديدة توفر اليوم فرصًا حقيقية للشباب داخل الوطن، ولا حاجة للمغامرة خارج حدوده”.
