إيمان علياني | مراسلو الجنوب الكبير
تُشكل منطقة الساحل الإفريقي العمق الاستراتيجي والأمني الأكثر حيوية للجزائر، حيث تتقاسم معها شريطاً حدودياً طويلاً يتأثر مباشرة بالتحولات الجيوسياسية المتسارعة. وفي ظل التحديات الأمنية والاقتصادية الراهنة، تُسارع الجزائر الخطى نحو إعادة هندسة مقاربتها الدبلوماسية وسياستها الجوارية مع هذه الدول.
وتأتي هذه التحركات مدفوعة برغبة حثيثة في صياغة نموذج جديد للعلاقات الإقليمية، يرتكز بالدرجة الأولى على مبادئ حسن الجوار، واحترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بعيداً عن الإملاءات الخارجية الأجنبية.
وتتأسس الرؤية الجزائرية الجديدة على قناعة راسخة بأن الاستقرار المستدام لا يمكن تحقيقه عبر المقاربات العسكرية التقليدية وحدها. وبناءً على ذلك، تتبنى الجزائر إستراتيجية متكاملة تتخذ من “الأمن المجالي” أساساً متيناً للتنمية الشاملة.
وتعني هذه المقاربة الدمج الوثيق بين مكافحة التهديدات الأمنية العابرة للحدود، مثل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية، وبين إطلاق مشاريع تنموية واقتصادية ملموسة تهدف إلى محاربة الفقر والتهميش في المناطق الحدودية ودول الجوار. فالأمن والتنمية في المنظور العقدي للدبلوماسية الجزائرية هما وجهان لعملة واحدة؛ إذ لا يمكن بناء تنمية اقتصادية في بيئة مضطربة، كما لا يمكن تأمين الحدود في ظل غياب أفق اقتصادي يضمن العيش الكريم لسكّان المنطقة.
تتجلى هذه البوصلة الجزائرية في تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية، والبحث عن شراكات حقيقية تعود بالفائدة على شعوب المنطقة، ودعم البنى التحتية المشتركة. ويمثل هذا التوجه تحولاً استراتيجياً يسعى إلى تحويل منطقة الساحل من حزام للمخاطر الأزمات إلى فضاء حيوي للتعاون والازدهار المشترك، مستنداً إلى الإرث التاريخي للجزائر كفاعل محوري وصانع للاستقرار في القارة الإفريقية.
مشاريع التنمية حجر الزاوية في العقيدة السياسية والاقتصادية للجزائر الجديدة
تُمثل المشاريع التنموية الكبرى حجر الزاوية في العقيدة السياسية والاقتصادية الجديدة للجزائر تجاه فضاء الساحل الإفريقي، حيث تسعى من خلالها إلى تحويل الحدود المشتركة من مناطق توتر أمني إلى أحزمة تكامل اقتصادي ونمو مجالي مشترك عبر إطلاق عدد من المشاريع الاستراتيجية أهمها:
الطريق العابر للصحراء او “طريق الوحدة الإفريقية”
يُعد هذا الشريان البري أحد أقدم وأهم مشاريع البنية التحتية القارية، ويهدف إلى ربط البحر الأبيض المتوسط بعمق إفريقيا الغربية وصولاً إلى العاصمة النيجيرية لاغوس. حيث نجحت الجزائر في استكمال إنجاز شطرها بالكامل الممتد على مسافة 2400 كيلومتر برأس مال استثماري بلغ حوالي 2.6 مليار دولار، كما صُمم الإسفلت بتقنيات مناخية متطورة لمقاومة درجات حرارة الصحراء التي تتجاوز 50 درجة مئوية.
وقد صدرت توجيهات رئاسية من الرئيس عبد المجيد تبون لشركات الأشغال العمومية الجزائرية لمباشرة تنفيذ مقاطع متبقية من الطريق داخل الأراضي التشادية بهدف تسريع وتيرة الربط القاري الذي تجاوزت نسبة إنجازه الكلية 90%. وتسعى الجزائر إلى تحويل اللجنة التنسيقية للمشروع إلى أول تكتل اقتصادي إقليمي لإدارة هذا المحور كممر لوجستي يعزز حركة الصادرات البينية
خط أنابيب الغاز العابر للصحراء
يمثل هذا المشروع الطاقوي العملاق، الذي تبلغ تكلفته الإجمالية المقدرة بين 10 إلى 13 مليار دولار، نقلة استراتيجية لربط حقول النفط والغاز في نيجيريا بالأسواق الأوروبية مرواً بالنيجر والجزائر، حيث أطلقت الجزائر رسميًا بالتعاون مع وزراء الطاقة في نيجيريا والنيجر أشغال بناء الشطر الجزائري من الأنبوب في منطقة “أولف” بولاية أدرار، ويمتد الأنبوب على مسافة إجمالية تصل إلى 4128 كيلومتر، ويستهدف نقل طاقة تصديرية تتراوح بين 20 إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً. ويجري مد الشطر الجزائري بمحاذاة مسار الطريق العابر للصحراء للاستفادة من البنية التحتية القائمة، وصولاً إلى المركز الوطني لتوزيع الغاز في “حاسي الرمل” وربطه بشبكات التصدير نحو أوروبا
مناطق التبادل الحر والمناطق التجارية الحدودية
تبنت الجزائر سياسة إنشاء مناطق تجارية حرة عملاقة عند المنافذ الحدودية لكسر العزلة الاقتصادية عن دول الجوار، حيث تتقدم الأشغال بشكل متسارع في المنطقة التجارية الحرة بتندوف، لتكون نافذة التبادل التجاري الأولى مع موريتانيا ومنها إلى دول الساحل، مدعومة بإعفاءات جمركية وضريبية جاذبة للاستثمارات.
وترتبط هذه المناطق الحرة بإنعاش مشاريع صناعية قريبة مثل منجم الحديد “غارا جبيلات” بتندوف، مما يتيح تصدير المواد الأولية والمنتجات المصنعة مباشرة عبر المعابر البرية المجهزة نحو الأسواق الإفريقية
محور الجزائر – نيامي: تكامل اقتصادي وتأمين مشترك
وتندرج الحركية الدبلوماسية المكثفة للجزائر تجاه جمهورية النيجر في صلب هذه المقاربة التنموية والأمنية الجديدة. ويتجلى ذلك بوضوح في الزيارات الرسمية المتتالية التي قام بها الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، إلى العاصمة نيامي، والتي عكست إصرار القيادة الجزائرية على الانتقال بالعلاقات الثنائية من طابعها التقليدي إلى مرحلة التأسيس الفعلي لشراكة استراتيجية مستدامة. ولم تكن هذه اللقاءات رفيعة المستوى مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل جاءت لترجمة مخرجات اللقاءات المشتركة بين الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس النيجر الفريق أول عبد الرحمن تياني إلى واقع ملموس. حيث ركزت المحادثات الثنائية على تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع الهيكلية الكبرى التي تهم البلدين، وعلى رأسها خط أنابيب الغاز العابر للصحراء لضمان تقدم الأشغال فيه، فضلاً عن تعزيز ممرات الطريق العابر للصحراء لتنشيط الحركة التجارية البينية.
إن الإشراف المشترك على مشاريع حيوية في نيامي، مثل تدشين محطة توليد الكهرباء “غورو باندا” بقدرة 40 ميغاوات والمقدمة كهبة من الجزائر، يثبت انتقال البلدين إلى التنسيق الاقتصادي المباشر. وتتكامل هذه الجهود التنموية مع تعزيز “الأمن المجالي” عبر دعم القدرات العملياتية والدفاعية لجيش النيجر بمروحيات عسكرية وتجهيزات إسناد لوجستي متطورة. لتؤكد الجزائر من خلال هذا الحضور الميداني المتتابع أنها ترفض سياسة المقاعد الشاغرة في عمقها الإفريقي، وتراهن بقوة على جعل النيجر شريكًا محوريًا في صياغة معادلة إقليمية جديدة تقوم على التكامل والتأمين المشترك للحدود ضد المخاطر العابرة للدول.
الدكتور مصطفى كمال دماني، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية،
لـ”الجنوب كبير”: التنمية مدخل الجزائر لتحييد الساحل عن الإرهاب والجريمة المنظمة
أكد الدكتور مصطفى كمال دماني، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، أن دول الساحل الإفريقي تتصدر قوائم الدول التي تعاني من مظاهر الفشل الدولاتي والهشاشة، مشيرا إلى أن تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية، إلى جانب ضعف البنى التحتية وانعدام فرص التعليم والعمل، جعل المنطقة بيئة خصبة لتنامي نشاط الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات.
وأوضح دماني، في تصريح لـ”الجنوب كبير”، أن الهشاشة التي تعاني منها دول الساحل لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، وإنما تمتد إلى مختلف القطاعات الحيوية، على غرار الصحة والتعليم والبنى التحتية، فضلا عن تداعيات العوامل المناخية القاسية وشح فرص العمل، وهي عوامل تستغلها التنظيمات الإجرامية والجماعات الإرهابية لاستقطاب السكان المحليين وإدماجهم في أنشطتها غير المشروعة.
وأضاف الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية أن هذه المعطيات تفسر توجه الجزائر نحو اعتماد البعد التنموي كجزء أساسي من مقاربتها الأمنية تجاه منطقة الساحل، باعتبار أن معالجة جذور الهشاشة والفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية من شأنها تحييد السكان عن النشاطات الإجرامية، وبالتالي تجفيف جزء من البيئة الحاضنة للإرهاب والجريمة المنظمة.
وأشار دماني إلى أن الجزائر شهدت خلال الفترة الأخيرة ديناميكية متزايدة في مجال المشاريع التنموية الموجهة إلى دول المنطقة، من خلال المساهمة في تعزيز البنى التحتية وقطاع الطاقة، فضلا عن مشاريع الربط والطرق التي تستهدف تنشيط المبادلات التجارية وتعزيز الاندماج الاقتصادي بين دول الساحل ودول شمال إفريقيا.
وفي هذا السياق، لفت المتحدث إلى أهمية الحركية الجزائرية الموريتانية، لاسيما في مجال فتح وتعزيز المحاور البرية الرابطة بين البلدين، بما يسمح بتسهيل حركة الأشخاص والبضائع وإنعاش المبادلات التجارية، معتبرا أن مشاريع الربط ليست ذات طبيعة اقتصادية فحسب، وإنما تحمل أيضا أبعادا أمنية واستراتيجية، بالنظر إلى دورها في تعزيز حضور الدولة وتسهيل التنمية بالمناطق الحدودية.
كما توقف دماني عند الطموح الطاقوي الجزائري في المنطقة، خاصة مشروع خط الغاز العابر للصحراء الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر باتجاه أوروبا، معتبرا أن هذا المشروع، في حال تجسيده، يمكن أن يتجاوز البعد الطاقوي ليصبح رافعة للتنمية الإقليمية، من خلال تعزيز البنى التحتية وخلق فرص اقتصادية واستثمارية ودمج دول الساحل، وعلى رأسها النيجر، في مشاريع تنموية أوسع.
ويرى الباحث أن إدماج البعد الاقتصادي والتنموي في المقاربة الجزائرية تجاه الساحل من شأنه منح المنطقة بدائل عن اقتصاديات الجريمة والجماعات المسلحة، عبر توفير فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات وربط المناطق المعزولة بمراكز النشاط الاقتصادي، بما يقلص قدرة التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة على استقطاب الشباب والسكان المحليين.
وبخصوص مالي، اعتبر دماني أن الانفراجة التي شهدتها العلاقات الجزائرية المالية يمكن أن تفتح المجال أمام إعادة تفعيل المقاربة التنموية الجزائرية في المنطقة، مؤكدا أن استقرار مالي يمثل عنصرا محوريا في استقرار الساحل ككل، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وتأثيرها المباشر على المعادلات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
وشدد المتحدث على أن الاستقرار في الساحل لا يمكن أن يتحقق بالمعالجة الأمنية وحدها، وإنما يحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والتكامل الاقتصادي وتعزيز قدرات دول المنطقة، وهو ما يجعل المشاريع الجزائرية في مجالات الطاقة والنقل والبنى التحتية والتبادل التجاري جزءا من رؤية أوسع لمعالجة أسباب عدم الاستقرار.
وفي السياق ذاته، يرى دماني أن نجاح هذه المقاربة يمكن أن يساهم في تحييد منطقة الساحل عن التنافس الدولي الحاد، من خلال منح دولها خيارات تنموية واقتصادية مستقلة وتعزيز التعاون البيني، بدلا من تحول المنطقة إلى ساحة لتضارب المصالح الدولية والإقليمية.
كما ربط الباحث بين استقرار الساحل ومسألة الهجرة غير النظامية، موضحا أن تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية وخلق فرص العمل في دول المنطقة يمكن أن يساهم على المدى المتوسط والبعيد في الحد من دوافع الهجرة نحو أوروبا، باعتبار أن جزءا من تدفقات الهجرة يرتبط بالأوضاع الأمنية والاقتصادية الهشة التي تعيشها بعض دول الساحل.
وأضاف الدكتور مصطفى كمال دماني أن الرهان الجزائري في الساحل يقوم على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة مسبباتها، عبر توظيف التنمية كأداة للأمن والاستقرار، وتعزيز الترابط الاقتصادي والبنية التحتية، بما يخدم مصالح دول المنطقة ويعزز في الوقت ذاته أمن الجزائر ومحيطها الإقليمي.

