لا يزال البرنوس والقشابية، رغم تقلبات الزمن وتغير الأذواق، محافظَين على مكانتهما كرمزين عميقين للهوية الثقافية الجزائرية، خصوصاً في أوساط سكان الهضاب العليا وولايات السهوب كالجلفة، موطن أولاد نايل، حيث لم تنقطع يد النسوة عن غزل الخيوط، ولا توقفت المحلات عن خياطة هذا اللباس الذي بات علامة مميزة في المشهد الثقافي والاجتماعي.
البرنوس، ذلك المعطف الفضفاض الذي يُصنع غالباً من وبر الجمل ويخلو من الأكمام، هو أكثر من مجرد لباس تقليدي. إنه “سيمياء” محمّلة بدلالات الفحولة والوقار والانتماء. أما القشابية، فتشترك مع البرنوس في الجوهر، لكنها تختلف عنه بوجود الأكمام، وتصنع من صوف بني أو أبيض، وتلبس غالباً في الحياة اليومية نظراً لبساطتها وسعرها المقبول مقارنة بالبرنوس الوبري الفاخر.
صناعة من تسع مراحل:
المرحوم مباركي بلحاج، أحد أبرز المهتمين بالتراث المحلي، وثّق بدقة مراحل صناعة البرنوس الأشعل (الوبري) والقشابية، فذكر أنها تبدأ بانتقاء الوبر الخالص من صغار الجمال، مرورا بمرحلة التنقية والمعالجة عبر آلات تقليدية كـ”السبراف” و”الخدام”، قبل المرور إلى الغزل والحبك، ثم النسج على النول الذي يعتمد على أدوات تقليدية كالخشب، المناطة، العضاضيات، الخلالة والكرنافة. وتُختتم هذه الرحلة بالخياطة، التي تختلف حسب الإمكانيات المادية للزبون، وغالبًا ما يُفضَّل الخياطة اليدوية لجودتها وأناقتها.
لباس النخبة والوجهاء
من حيث الأنواع، يميز صانعو البرانيس بين “الخيدوس”، المصنوع من وبر الجمل الخالص، ويُخص به الوجهاء والأثرياء، و”الهدون”، الذي يصنع من الصوف الأسود أو البني ويكون أكثر تداولًا بين عامة الناس. أما البرنوس المصنوع من وبر “المخلول”، أي الجمل الصغير، فيُعد الأجود على الإطلاق، لدرجة أن النسج المحكم به يجعله مانعًا لاختراق المطر، مما يفسر ثمنه المرتفع واستخدامه في المجالس والمناسبات الخاصة.
قراءة سيميولوجية:
أما الباحث والكاتب قلولي بن ساعد، فقد فتح أفقًا مغايرًا في تناول هذا اللباس من خلال زاوية سيميولوجيا اللباس، مستلهمًا أدواته التحليلية من قراءات عبد الكبير الخطيبي للزربية المغربية، ومن مقاربات الناقد الجزائري بختي بن عودة، الذي سلط الضوء في كتابه “ظاهرة الكتابة في النقد الجديد” على بعض حفريات الخطيبي في الثقافة المادية المغاربية. ويتساءل بن ساعد عن الكيفية التي يمكن من خلالها مقاربة البرنوس والقشابية بوصفهما نصّين ثقافيين يختزلان قيماً، ويشكلان نظامًا علاميًا مفتوحًا على التأويلات الرمزية والاجتماعية.
استمرار الحرفة في زمن العولمة
في ظل اجتياح الألبسة العصرية للسوق الجزائرية، يبقى البرنوس والقشابية من مظاهر التحدي الثقافي، حيث لا تزال نساء الجلفة وأولاد نايل ينسجن الخيوط في البيوت، والرجال يخيطونها في المحلات، بل وتُهدى أحيانًا إلى كبار الشخصيات كعربون أصالة وتقدير. وبذلك يظل هذا اللباس جزءاً حياً من التراث الثقافي الجزائري، ومجالاً مفتوحاً للتأمل والتحليل، لا سيما في ظل الندرة التي تعرفها الدراسات السيميولوجية حول اللباس التقليدي في الجزائر.
