ساعات قليلة، تنتظرها ولاية إليزي، للتحول من ولاية مرتمية في هدوء الطاسيلي انجر إلى مركز تكنولوجي نابض بالحياة، و تستيقظ قاعات ديوان مؤسسات الشباب، تزاوج بين الهدوء الصحراوي و ضجيج الأفكار الجديدة، اذ تستعد المنطقة غدا لاحتضان واحد من أكثر الملتقيات الرقمية طموحًا: الملتقى الوطني الأول للشباب والابتكار الرقمي “يوث آب” ، الذي ارتدى شعار الريادة الرقمية -نحو ريادة رقمية في الجنوب الكبير-.
- عبد الله بوعلبة، رائد أعمال ومكوّن ل “الجنوب الكبير” :
- إقامة حدث وطني في إليزي يعني أن مركز الثقل التقني بدأ يتحرك جنوبًا
- مجالات التفوق .. الممكن بلا مستحيل
- مختار جريري رائد أعمال مؤسس شركة ناشئة للجنوب الكبير :
- “التحول الرقمي لم يعد خيارًا… والجنوب اليوم سوق واعدة تنتظر من يفجّر إمكاناتها”
- “جئنا لأن التحول الرقمي ضرورة.. وليس رفاهية”
- عوائق تؤخر انطلاق الشركات الناشئة… لكنها ليست مستحيلة
- “ابدأوا من المشكلة.. وليس من الفكرة” هذه نصيحتي للشباب
- رهانات كبرى… وولادة جديدة
الحدث، الذي تنظمه “منظمة لقاء شباب الجزائر من خلال مكتبها التنفيذي باليزي، برعاية من السلطات المحلية و المركزية، ليس مجرد لقاء شبابي، بل إعلان رسمي على أن الجنوب ،يكتب صفحة جديدة في مستقبل البلاد.
الملتقى يستقطب طلبة الجامعات، خريجي المعاهد، أصحاب المشاريع المبتكرة، ورواد المجتمع المدني، ويمنحهم فرصة نادرة للقاء مؤسسي أشهر الشركات الناشئة في الجزائر ، إضافة إلى قيادات من المرصد الوطني للمجتمع المدني.
عبد الله بوعلبة، رائد أعمال ومكوّن ل “الجنوب الكبير” :
إقامة حدث وطني في إليزي يعني أن مركز الثقل التقني بدأ يتحرك جنوبًا
عبد الله بوعلبة، رائد أعمال ومكوّن رواد أعمال، يرى أن إقامة ملتقى رقمي بهذا الحجم في إليزي حدث يتجاوز الاحتفاليات. يقول في تصريح لجريدة الجنوب الكبير: “الجنوب لم يعد هامشًا جغرافيًا في المعادلة الرقمية، إقامة حدث وطني في إليزي تعني أن مركز الثقل التقني بدأ يتحرك جنوبًا، الرمزية ليست في الملتقى.. بل في كسر فكرة أن الإبداع يولد فقط في العاصمة.”
بوعلبة يشرح أن العزلة الرقمية ليست مجرد نقص في الإنترنت، بل “مشكلة حضارية واقتصادية”، لأنها تخلق فجوة في الفرص، تقلّص الأسواق المحلية، وتدفع الشباب للهجرة نحو الشمال، ويؤكد أن كسر هذه العزلة يقلب المعادلة فبفضل الرقمنة يمكن الوصول إلى المعرفة الحديثة مباشرة و فتح قنوات مع المستثمرين كما يساهم في بناء اقتصاد خدماتي وتوسيع إمكانات المشاريع المحلية، ويذهب أبعد من ذلك: “من دون ربط الجنوب رقميًا، لا يمكنه أن ينتقل اقتصاديًا.”
يعتبر بوعلبة أن هذا الملتقى “بذرة” يمكن أن تؤسس لنظام بيئي رقمي حقيقي في الجنوب، شرط استكمال ما يبدأ هنا، فالإيكوسيستم يحتاج مواهب، تمويلاً، شبكات علاقات، مساحات تجريب، وسوقًا أولية لتجربة المنتجات، مشيراً إلى أن الملتقى يوفر عنصرين: التمويل والشبكات، لكن إذا تبعته حاضنة أعمال، مساحات coworking، وورشات دورية… يمكن أن نعلن رسميًا ولادة اقتصاد تقني .
الدكتورة رويبح عوالي ل” الجنوب الكبير”: الملتقى يهدف الى كسر تفكير نمطي يرى الوظيفة التقليدية قدرًا محتومًا
الدكتورة رويبح عوالي، عضو منظمة لقاء شباب الجزائر، تقدم قراءة مختلفة لكنها مكملة للصورة، تقول للجريدة إن ما يميز هذا الملتقى ليس حجمه فقط، بل موقعه ففي الجنوب حسبها، أغلب الشباب يفكرون في الوظيفة البترولية باعتبارها الطريق الوحيد للاستقرار، أردنا أن نفتح لهم بابًا آخر… باب المشاريع الرقمية.
وتضيف أن الابتكار الرقمي في إليزي ما يزال “مستورَدًا” بنسبة كبيرة، وأن أغلب الأفكار تأتي من خارج المنطقة، لكن الجامعات بدأت تستوعب أهمية هذا التوجه، وتبرز أن الحدث موجّه لإلهام الشباب المحلي كي لا يروا في الوظيفة التقليدية قدرًا محتومًا، بل خيارًا من بين خيارات متعددة يمكن أن تشمل ريادة الأعمال.
وكشفت الدكتورة عوالي أن التفاعل فاق التوقعات، وأن الاهتمام جاء من مختلف ولايات الجنوب، وحتى من نواب برلمانيين.وتابعت قائلة:”نحن نطرح فكرة محلية… لكننا نريد أن تتحول إلى نموذج يُعمَّم في ولايات الجنوب كلها. فالمنطقة تملك فرصًا استثمارية ضخمة، تحتاج فقط إلى دمج التكنولوجيا الحديثة في التسويق، الإدارة، والخدمات.”
وتؤكد أن الملتقى ليس مناسبة عابرة، بل خطوة لخلق استثمارات رقمية جديدة تتناسب مع خصوصية الجنوب، وتستغل التحول الرقمي لتسريع التنمية المحلية.
من بين أقوى نقاط الملتقى، كما تكشف عوالي، وجود خطة حقيقية لمتابعة المشاريع بعد الملتقى، وهنا يأتي دور رجل الأعمال لطفي خمار، مؤسس شركة Your Machine، والذي سيتولى متابعة المشاريع المختارة خطوة بخطوة وذلك من خلال التسجيلات و المتابعة الإدارية بالإضافة لآليات التمويل و تنفيد المشروع على أرض الواقع
مضيفة أنه سيتم إنشاء مجموعة واتساب خاصة تجمع أصحاب المشاريع والفريق المرافق، ليكون التواصل يوميًا ومباشرًا.كما ان بنك التوفير والاحتياط تعهّد بتمويل مجموعة من المشاريع التي تختارها اللجنة، و هذه خطوة غير مسبوقة في نشاط شبابي محلي.
مجالات التفوق .. الممكن بلا مستحيل
يحدد رائد الأعمال بوعلبة عبد الله خمسة مسارات يمكن أن تجعل الجنوب لاعبًا رقميًا فاعلًا هي الخدمات الرقمية للطاقة واللوجستيك و الذكاء الاصطناعي للأمن الطرقي والملاحة الصحراوية بالإضافة للسياحة الصحراوية الرقمية و الزراعة الصحراوية الذكية وكذا الخدمات الحكومية الرقمية المحلية
وهي مجالات تعتمد على التحديات الحقيقية للجنوب، ما يجعل أبناء المنطقة الأكثر قدرة على تصميم حلول لها.
بوعلبة يرى أن الجامعات ستستفيد من الحدث عبر معرفة المهارات المطلوبة من السوق و بناء شراكات مع الشركات الناشئة بالإضافة لإدخال منهجيات العمل الحديثة و دعم مشاريع الطلاب وكذا تحويل الجامعة إلى منصة لإنتاج المواهب
مختار جريري رائد أعمال مؤسس شركة ناشئة للجنوب الكبير :
“التحول الرقمي لم يعد خيارًا… والجنوب اليوم سوق واعدة تنتظر من يفجّر إمكاناتها”
“جئنا لأن التحول الرقمي ضرورة.. وليس رفاهية”
يقول مختار جريري رائد أعمال مؤسس الشركة ناشئة، إن مشاركته لم تكن مجرد حضور شكلي، بل نابعة من قناعة راسخة بأن التحول الرقمي يمثل اليوم “محركًا أساسيًا للتنمية”، خاصة في المناطق الجنوبية التي تختزن —حسبه— طاقات بشرية هائلة وفرصًا اقتصادية غير مستغلة بالكامل.ويرى أن هذا الملتقى يشكّل فرصة لعرض مشاريع ابتكارية محلية، وإثبات أن شباب الجنوب قادرون على قيادة التحول الاقتصادي والتكنولوجي إذا توفر لهم الدعم المناسب.
يؤكد جريري أن الجنوب الكبير يمتلك كل المؤهلات ليكون سوقًا رقمية واعدة: موارد استراتيجية، اهتمام استثماري متصاعد في الطاقة والسياحة والخدمات، إضافة إلى احتياجات متعددة يمكن للابتكار أن يجيب عنها. ويضيف أن اليوم، القطاعات الاقتصادية كلها أصبحت تعتمد على الحلول الرقمية. وإذا توفرت الإرادة —وهي موجودة فعلاً— يمكن للجنوب أن يتحول إلى قطب رقمي قائم بذاته، بدل الاكتفاء بالاعتماد على المراكز الكبرى.”
عوائق تؤخر انطلاق الشركات الناشئة… لكنها ليست مستحيلة
من خلال تجربته الريادية، يشير جريري إلى أن أبرز الصعوبات التي تواجه شباب الجنوب تكمن في غياب التأطير الحقيقي خلال المراحل الأولى لتأسيس المشروع و ضعف المواكبة التقنية بالإضافة لصعوبة الحصول على أول زبون بسبب بطء السوق في اعتماد الحلول الرقمية و نقص التمويل المبكر الذي يسمح بتحويل الفكرة إلى منتج قابل للتسويق
ويؤكد أن هذه العوائق يمكن تجاوزها تدريجيًا مع تحرك المنظومة الداعمة لريادة الأعمال نحو الجنوب.
“ابدأوا من المشكلة.. وليس من الفكرة” هذه نصيحتي للشباب
ويوجه جريري نصيحة مباشرة للشباب الراغبين في إطلاق مشاريع تقنية انطلاقًا من الجنوب: “ابحثوا عن مشكلة حقيقية في المنطقة، وحاولوا حلّها… هكذا فقط تبنون مشروعًا قابلاً للنمو ومطلوبًا في السوق.”ويرى أن قوة المشاريع الناشئة تكمن في ارتباطها بالواقع المحلي، لأن ذلك يسمح باختبار الحلول في الميدان والتوسع لاحقًا على المستوى الوطني.
ويشدد جريري على أن جلسات التوجيه وورشات العمل داخل الملتقيات ليست مجرد فضاءات للاستماع، بل هي فرصة ذهبية للتفاعل المباشر مع الخبراء. ويضيف: “قدّموا أفكاركم دون تردد… كل كلمة من خبير يمكن أن تختصر عليكم أشهرًا من العمل الخاطئ.”
بهذه الرؤية الواقعية والمفعمة بالأمل، يؤكد مختار جريري أن شباب الجنوب يملكون القدرة على صناعة تحول رقمي حقيقي، شرط أن يتسلحوا بالجرأة، المبادرة، والإيمان بأن الابتكار يولد من الحاجة… وأن الجنوب ليس هامشًا بل مستقبلًا ينتظر من يبنيه
رهانات كبرى… وولادة جديدة
في النهاية، الملتقى لن يكون مجرد نشاط شبابي، في خلفية النهوض الكبير ، مشروع أكبر يتبلور انه تحويل الجنوب الكبير إلى مساحة تكنولوجية صاعدة، تمتلك مواردها البشرية، وشبكاتها، وتمويلاتها، وأفكارها، و ربما لا تولد الإيكوسيستمات الكبرى في يوم واحد.. لكن ما يحدث في إليزي هذا السبت سيكون الشرارة الأولى للانطلاق.

