الدفاع بالإعلام بات عنصرًا حاسمًا في حسم مختلف المعارك والرهانات الاستراتيجية التي تعمل الدولة الجزائرية على تحقيقها أمام التحديات الكثيرة، ويحظى الجنوب الكبير بأهمية كبيرة لدى صانع القرار الجزائري باعتباره كان ولا يزال قاطرة التنمية الوطنية وحزام الوحدة الوطنية، ومن هذا المنطلق أصبح الدفاع الإعلامي يحمل على عاتقه تحديات ورهانات استراتيجية لتحقيق الأهداف والغايات الوطنية في مختلف أبعادها وتجلياتها.
يشكل الإعلام حجر الزوايا لنجاح المشروع المجتمعي لأي دولة في العالم، وهذا بالنظر إلى الخصائص والميزات التي يتمتع بها، ولهذا فهو يحظى بمكانة خاصة لدى صانع القرار لأي دولة. ولأن الدولة الجزائرية أكبر دولة في القارة الإفريقية وتشكل الصحراء الجزء الأكبر من مساحتها، تقف أمامها العديد من التحديات والرهانات التي تعمل على تجسيدها للنهوض بالتنمية الوطنية وتحقيق التوازن الجهوي، فهي تولي أهمية كبرى وتعول على قطاع الإعلام لتحقيق هذه الرهانات الاستراتيجية في ظل التحولات والمخاطر الوخيمة القادمة من الدول المجاورة، في تهديدات تمس الأمن الوطني للبلاد، وأخرى متعلقة بشبكات الهجرة السرية وتبعاتها الاجتماعية والاقتصادية وحتى الدولية. وفي هذه النقطة يلاحظ أن الدولة الجزائرية وضعت أسسًا ومقومات للنهوض بقطاع الإعلام بمختلف مكوناته وأصنافه في مناطق الجنوب الكبير للجزائر.
فالجنوب الكبير الجزائري عرف في الفترة الأخيرة تحولات جذرية، فلم يعد يكتفي بأن يكون مصدرًا للريع البترولي، بل أصبح يساهم وبشكل فعال في قطاعات أخرى استراتيجية، وساهم بشكل فعال في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الإنتاج الزراعي والفلاحي، بل أصبح الجنوب الكبير أحد الأقطاب الصناعية وحتى السكانية لما يتوفر عليه من مؤهلات هامة، وبات من بين الرهانات الاستراتيجية التي تعول عليها الدولة الجزائرية لتحقيق أهدافها. وعليه، كان لا بد من المواكبة الإعلامية لتثمين الجهود ولعب الدور الحقيقي والكامل لتحقيق الأهداف الاستراتيجية وكسب الرهان.
فالإعلام كأداة استراتيجية تعول عليه الدولة الجزائرية لتحقيق التنمية ودعمها، من خلال المساهمة في نشر الوعي بين الساكنة المحلية، وتنويرها بالبرامج المساعدة على تحقيق مشاريعهم الاستثمارية والتحفيزات المتاحة. كما يعمل الإعلام في الجنوب على نقل انشغالات ومشاكل الساكنة للسلطات المحلية وحتى المركزية عند الحاجة. والأمر يتعدى هذا كله، فالإعلام في الجنوب الجزائري يعمل على التعريف بالفرص الاستثمارية للراغبين في الاستثمار من مختلف مناطق الوطن، ويتطرق بإسهاب إلى العوامل المحفزة والمشجعة على نجاح البرامج الاستثمارية، ومن ثم المساهمة في التنمية الوطنية ودعم الخزينة العمومية.
ولأن الأمن الوطني وصيانته سيما ضد المخاطر الخارجية المحدقة والبيئة في الجوار التي باتت مناسبة لنمو هذه المخاطر، يعمل الإعلام في الجنوب الجزائري دورًا كبيرًا في التحدير ونشر الوعي لدى الفئات الشبابية بضرورة وضع المصلحة الوطنية وعدم الانجرار والوقوع في براثن الجماعات الإرهابية الناشطة في المنطقة والعابرة لحدود الدول. كما يقوم الإعلام بدوره الاستراتيجي في التنبيه والإشارة إلى الجهود الحثيثة التي تبدلها المؤسسة العسكرية الجزائرية في الحفاظ على الأمن وحماية الحدود الممتدة على آلاف الكيلومترات مع دول هشة وضعيفة غير قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها، بل وقعت هدفًا سهلاً للقوى التخريبية في المنطقة، ومحاولة استنفاد قدرات الجيش الجزائري. كلها تحديات ومخاطر يعمل الإعلام في الجنوب الكبير على التنويه والإشارة إليها.
ومن بين الرهانات الاستراتيجية للإعلام في الجنوب الكبير تحقيق السيادة الإعلامية والرقمية، في ظل حروب الجيل الخامس التي باتت معتمدة بشكل كبير من قبل الدول الكبرى والدول الوظيفية. فالسيادة الإعلامية والرقمية حائط الصد والدفاع الأول أمام الكم الهائل من الأخبار الزائفة والمغرضة التي تنتشر بكثرة في الوسائط الاجتماعية الرقمية وحتى القنوات الفضائية. فالإعلام في الجنوب هو شريك مع الإعلام الوطني وأحد أجزاء المنظومة الوطنية للتصدي لها ودحضها وتكذيبها، كما يعمل على نقل الأخبار الحقيقية من مصادرها الرسمية. فالسيادة الإعلامية تتحقق بمنظومة الدفاع بالإعلام، فالدفاع بالإعلام يرتكز على التكوين الجيد للأطر الإعلامية سيما العاملة في مناطق الجنوب الكبير الجزائري، وتزويدهم بالوسائل اللازمة والكافية لممارسة مهامهم، والمعرفة الجيدة بالجوار الإقليمي وما يحتويه من مخاطر، سيما مخاطر المادة الإعلامية التي تسعى لإثارة البلبلة والقلاقل، في ظل تحديات البيئة التكنولوجية المتطورة مع الانفجار الرقمي والثورة المعلوماتية، مما يتطلب يقظة إعلامية تساير المخاطر وتعمل على احتوائها.
كما أن الإعلام في الجنوب الكبير له بعد ورهان استراتيجي آخر جد مهم، وهو التعريف بالإرث الحضاري والثقافي والتاريخي للمنطقة. إذ قد تكون المنطقة عبارة عن صحراء رملية أو صخرية ممتدة على طول الصحراء، لكنها تحمل في طياتها كنوزًا حقيقية لا تقدر بثمن وساهمت في التراث الإنساني ومصنفة لدى منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة. فالبعد الاستراتيجي للإعلام في الجنوب الكبير لا يعمل على التعريف بها فقط، بل ينشر الوعي على حمايتها من التدمير والتخريب ممن لا يدركون أهمية هذه الكنوز التي تعود إلى العصور البدائية وشاهدة على الحضارات البشرية الأولى التي ظهرت في الجنوب الجزائري الكبير. بل يعمل الإعلام على حمايتها من السرقة وحتى التشويه ومحاولة نسبها لأطراف أخرى، في استراتيجية الدفاع بالإعلام عن الموروث الحضاري والإنساني للجزائر. وعليه، الإعلام في الجنوب الكبير له العديد من الرهانات الاستراتيجية والأبعاد الحيوية التي قد لا يكفي الوقت للإحاطة بها جميعًا، لكنها تدخل ضمن مهامه من أجل تحقيق الأهداف الوطنية.
