إيمان علياني | مراسلو الجنوب الكبير
تقود الجزائر معركة حقيقية لتحقيق أمنها الغذائي، عبر تبني نموذج استثماري جديد يكسر القوالب التقليدية، ويربط بقوة بين وفرة الإنتاج الفلاحي وقوة التحويل الصناعي. هذا التوجه الاستراتيجي لا يستهدف فقط تثمين الموارد المحلية وتقليص فاتورة الاستيراد التي أثقلت كاهل ميزانية الدولة لسنوات، بل يسعى أساساً إلى رفع القيمة المضافة داخل النسيج الاقتصادي الوطني وخلق ثروة مستدامة بديلة للمحروقات.

وفي قلب هذا التحول الاقتصادي الكبير، تتجه الأنظار إلى الجنوب الجزائري، حيث تقود مؤسسة «تفاديس» التابعة لـمجمع «مدار» القابضة مشروعاً متكاملاً يُعد نموذجاً حياً لسلاسل الإنتاج الوطنية الشاملة. المشروع يقوم على زراعة الشمندر السكري وتحويله محلياً إلى سكر ومشتقاته، محولاً المساحات الصحراوية الشاسعة إلى مصنع مفتوح يربط الأرض بحركة التصنيع والأسواق. ولا تكمن أهمية هذا المشروع في طبيعته الإنتاجية فحسب، بل في أرقامه ومساحاته الضخمة التي تعكس حجم الرهان الوطني:28 ألف هكتار: هي المساحة المخصصة للانطلاقة الفعلية في مرحلته الحالية.200 ألف هكتار: الأفق المستقبلي المستهدف لتوسيع المساحات المستغلة.
إن هذا الاستثمار الاستراتيجي يمثل خطوة عملية للانتقال من مفهوم “الفلاحة المعيشية” أو المحاصيل المنفصلة، إلى تأسيس أقطاب اقتصادية متكاملة في الجنوب تجمع بين الفلاحة، التحويل، والتصنيع، لتصبح الصحراء قاطرة جديدة للتنمية والسيادة الغذائية الجزائرية.
الدكتور أحمد الحيدوسي ل”الجنوب الكبير”: «تفاديس» يحول زراعة الجنوب إلى صناعة متكاملة للسكر ومشتقاته
ويؤكد الدكتور أحمد الحيدوسي أن القيمة الاقتصادية الأساسية لمشروع «تفاديس» تكمن في طبيعته المتكاملة، موضحاً أن إنتاج الشمندر السكري لا يمثل سوى الحلقة الأولى ضمن سلسلة أطول تشمل التحويل الصناعي وإنتاج السكر ومشتقاته، إلى جانب الأعلاف الحيوانية والكحول الموجه للاستعمالات الصناعية والطبية.
ويرى أن هذا النموذج يسمح بتحقيق أكبر قدر ممكن من القيمة المضافة من المادة الأولية، عوض الاكتفاء ببيع المنتجات الزراعية في صورتها الأولية أو توجيهها إلى أسواق خارجية من أجل تحويلها ثم إعادة استيراد المنتجات النهائية.
ويضيف أن كل مرحلة من مراحل السلسلة الإنتاجية تخلق قيمة اقتصادية إضافية، سواء من خلال عمليات الزراعة والسقي والحصاد والنقل والتخزين، أو من خلال التصنيع والتحويل والتوضيب والتسويق، وهو ما يجعل المشروع أكثر أهمية من مجرد استثمار فلاحي تقليدي.
ويقول الحيدوسي إن نجاح هذه المنظومة من شأنه أن يسمح للجزائر بتطوير سلسلة قيمة محلية متكاملة، بحيث تصبح المادة الأولية المنتجة في الجنوب مدخلاً لصناعة وطنية قادرة على توفير منتج نهائي للسوق المحلية، مع إمكانية التوجه لاحقاً نحو التصدير.
الجنوب يتحول إلى قاعدة للإنتاج الاستراتيجي
ويعتبر الخبير الاقتصادي أن اختيار الجنوب لاحتضان المشروع يحمل دلالات اقتصادية وتنموية مهمة، بالنظر إلى الإمكانات العقارية والفلاحية التي توفرها المناطق الجنوبية، إضافة إلى إمكانية تطوير الزراعة العصرية باستخدام تقنيات الري الحديثة والميكنة والزراعة الدقيقة.
ويشير إلى أن استغلال مساحات واسعة في الجنوب ضمن مشاريع ذات طبيعة استراتيجية يمكن أن يساهم في إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والإنتاجية للجزائر، من خلال تحويل المناطق الجنوبية من مجرد فضاء للإنتاج الزراعي إلى أقطاب متكاملة تضم الفلاحة والصناعة والخدمات واللوجستيك.
ويضيف أن الوصول مستقبلاً إلى استغلال مساحة تقارب 200 ألف هكتار يعني أن المشروع يمكن أن يتحول إلى أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي في المنطقة، شريطة توفير منظومة متكاملة من البنية التحتية والطرقات وشبكات الطاقة والمياه والتخزين والنقل وربط مناطق الإنتاج بالوحدات الصناعية والأسواق.
ومن هذا المنظور، يرى الحيدوسي أن الاستثمار في الجنوب لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد توسع في المساحات الزراعية، وإنما باعتباره رهاناً على خلق أقطاب اقتصادية جديدة خارج المراكز التقليدية للنشاط.
وفيما يتعلق بالمرحلة التجريبية للمشروع، يوضح الخبير أن انطلاق النشاط بـ30 محور رشاش واختبار الإمكانات الإنتاجية خلال الفترة الممتدة من جانفي إلى ماي 2026، وتحقيق إنتاج يقدر بنحو 17 ألف قنطار من القمح الصلب، يمثل مؤشراً أولياً مهماً على إمكانية استغلال هذه المساحات وتوظيف تقنيات الري الحديثة في إنتاج محاصيل استراتيجية.
ويؤكد أن المرحلة التجريبية تكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للمشاريع الزراعية الكبرى، لأنها تسمح باختبار طبيعة التربة، وكفاءة أنظمة الري، واحتياجات المحاصيل، ومستويات الإنتاجية، ومدى ملاءمة التقنيات المستخدمة للظروف المناخية للمنطقة.
ويرى أن هذه النتائج ينبغي قراءتها ضمن مسار تدريجي، لأن المشاريع الفلاحية الكبرى تحتاج إلى تراكم الخبرة التقنية والميدانية قبل الانتقال إلى الاستغلال الواسع، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاصيل استراتيجية سيتم ربطها مباشرة بوحدات صناعية للتحويل.
ويضيف أن نجاح المرحلة التجريبية يمكن أن يشجع على توسيع المساحات وتطوير الإنتاج، بما يسمح في نهاية المطاف بتأمين كميات أكبر من المواد الأولية للمجمع الصناعي.
الأمن الغذائي من الاستيراد إلى الإنتاج المحلي
ويرى الدكتور أحمد الحيدوسي أن مشروع الشمندر السكري يندرج بصورة مباشرة ضمن رهانات الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الاستيراد، باعتبار أن السكر من المواد واسعة الاستهلاك في السوق الجزائرية.
ويشير إلى أن تقليص الواردات لا يتحقق فقط من خلال زيادة الإنتاج، وإنما من خلال بناء منظومة قادرة على ضمان استمرارية الإنتاج وتوفير المواد الأولية محلياً، ثم تحويلها وتسويقها داخل البلاد.
ويعتبر أن إنتاج الشمندر السكري محلياً وتحويله إلى السكر داخل الجزائر يمكن أن يقلص الحاجة إلى استيراد المادة الأولية أو المنتج النهائي، ويخفف من تعرض السوق الوطنية لتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف النقل والشحن.
ويضيف أن وجود إنتاج محلي واسع النطاق من شأنه كذلك أن يمنح المنتجين والصناعيين قدرة أكبر على التخطيط، ويعزز استقرار التموين، خاصة في فترات ارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق الدولية.
وفي الجانب المرتبط بالأسعار، يرى الحيدوسي أن تأثير المشروع على تكلفة السكر سيعتمد على مستوى الإنتاجية، وتكلفة السقي والطاقة والنقل والتحويل الصناعي، ومدى التحكم في مختلف حلقات سلسلة الإنتاج.
ويشرح أن إنتاج المادة الأولية محلياً يمكن أن يقلل بعض تكاليف الاستيراد، لكن تحقيق منتج نهائي تنافسي يتطلب في المقابل التحكم في تكلفة الإنتاج الصناعي واللوجستيك والتخزين.
ويعتبر أن الاقتصاد الحقيقي للمشروع سيظهر عندما يتم الوصول إلى مستويات إنتاج مرتفعة تسمح بتحقيق وفورات الحجم، حيث تنخفض تكلفة الوحدة المنتجة كلما ارتفعت كفاءة العمليات وتوسعت الطاقة الإنتاجية.
ومن هنا، فإن المشروع، حسب الخبير، لا ينبغي تقييمه فقط من خلال كمية السكر المنتجة، وإنما من خلال التكلفة الإجمالية للسلسلة من الحقل إلى المصنع ثم إلى المستهلك.
ومن النقاط التي يراها الحيدوسي ذات أهمية اقتصادية كبيرة توجه المشروع إلى عدم الاكتفاء بإنتاج السكر، وإنما العمل على تثمين مختلف مشتقات الشمندر السكري.
ويشير إلى أن إنتاج الأعلاف الحيوانية والكحول الموجه للاستعمالات الصناعية والطبية يمكن أن يرفع القيمة الاقتصادية للمشروع، لأنه يسمح بالاستفادة من أجزاء ومشتقات المادة الأولية التي يمكن أن تصبح بدورها منتجات ذات قيمة في السوق.
المشروع يساهم في خلق أكثر من 5 آلاف منصب شغل عبر مختلف مراحل النشاط.
ويؤكد أن هذه المقاربة تمثل جوهر الاقتصاد الدائري داخل الصناعات الفلاحية، حيث يتم تقليل الهد
ر والاستفادة من أكبر قدر ممكن من المدخلات، وتحويل المخلفات أو المنتجات الثانوية إلى موارد اقتصادية.
كما أن إنتاج الأعلاف يمكن أن يخلق ترابطاً إضافياً بين المشروع النباتي والقطاع الحيواني، بما يسمح ببناء سلسلة إنتاج زراعية أكثر تكاملاً.
ولا تقتصر الأهمية الاقتصادية للمشروع على الإنتاج، بل تمتد إلى سوق العمل، إذ ينتظر أن يساهم في خلق أكثر من 5 آلاف منصب شغل عبر مختلف مراحل النشاط.
ويعتبر الحيدوسي أن هذا الرقم يعكس طبيعة المشاريع المهيكلة التي تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، موضحاً أن الوظائف لن تقتصر على النشاط الزراعي، وإنما ستشمل السقي والميكنة والصيانة والحصاد والنقل والتخزين والخدمات اللوجستية، إضافة إلى الوظائف المرتبطة بالوحدات الصناعية والتحويلية.
كما يمكن للمشروع أن يخلق آلاف فرص العمل غير المباشرة لدى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي ستقدم الخدمات للمجمع، سواء في مجال الصيانة والنقل والتجهيز والخدمات التقنية أو التموين.
ومن شأن ذلك أن يساهم في تحريك النشاط الاقتصادي المحلي ورفع مداخيل الأسر ودعم الأسواق والخدمات في المناطق المحيطة بالمشروع.
ويشدد الخبير الاقتصادي على أن أحد أهم عناصر قوة المشروع يتمثل في الجمع بين الإنتاج الزراعي والصناعة التحويلية في إطار واحد.
فالفلاحة، حسبه، لا يمكن أن تحقق كامل إمكاناتها الاقتصادية إذا بقي الإنتاج الزراعي منفصلاً عن الصناعة والأسواق، بينما يسمح ربط الحقول بالوحدات الصناعية بتحقيق قيمة مضافة أكبر وضمان سوق للمحاصيل.
ويضيف أن وجود مجمع صناعي متعدد الأنشطة مثل «حاسي بن عبد الله» يمكن أن يمثل قاعدة لهذه المنظومة، من خلال تحويل المحاصيل إلى منتجات نهائية ومشتقات مختلفة.
وهذا النموذج، حسب المتحدث، يخلق نوعاً من التكامل بين مختلف القطاعات، بحيث تصبح الفلاحة مصدراً للمواد الأولية، وتقوم الصناعة بتحويلها، بينما يتولى قطاع النقل والخدمات اللوجستية إيصال المنتجات إلى الأسواق.
نحو تقليص فاتورة الاستيراد
نجاح المشروع في بلوغ طاقته المستهدفة يمكن أن تكون له انعكاسات إيجابية على ميزان التجارة الخارجية
ويرى الحيدوسي أن نجاح المشروع في بلوغ طاقته المستهدفة يمكن أن تكون له انعكاسات إيجابية على ميزان التجارة الخارجية، خصوصاً من خلال تقليل واردات السكر ومشتقاته والمنتجات المرتبطة بها.
ويشير إلى أن الجزائر قطعت خطوات في مجال تطوير الصناعات الغذائية، غير أن تعزيز الإنتاج المحلي للمواد الأولية يبقى عاملاً حاسماً في تقليص فاتورة الاستيراد.
ويضيف أن تصنيع المنتج محلياً لا يعني فقط توفير العملة الصعبة، بل يتيح أيضاً إبقاء جزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل البلاد، سواء من خلال أجور العمال أو أرباح المؤسسات أو الضرائب أو الخدمات المرتبطة بالإنتاج.
ومن ثم، فإن الأثر الاقتصادي للمشروع يمكن أن يتجاوز قيمة المنتجات التي يتم توفيرها محلياً ليشمل تنشيط الدورة الاقتصادية الوطنية بأكملها.
ولا يستبعد الدكتور أحمد الحيدوسي أن تتحول المشاريع الفلاحية والصناعية الكبرى، بعد الوصول إلى مستويات إنتاجية مرتفعة، من هدف تلبية السوق المحلية إلى فتح آفاق التصدير.
ويعتبر أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أولاً تحقيق فائض إنتاجي مستقر، ثم بلوغ مستويات تنافسية من حيث الجودة والتكلفة، إضافة إلى تطوير القدرات اللوجستية والتسويقية.
ويؤكد أن الجزائر تمتلك موقعاً جغرافياً يسمح لها بالوصول إلى أسواق إفريقية ومتوسطية، وهو ما يمكن أن يمثل فرصة للمنتجات الغذائية الجزائرية إذا نجحت المشاريع الكبرى في تحقيق فائض قابل للتصدير.
لكن الخبير يشدد على أن التصدير ينبغي أن يكون نتيجة طبيعية لنجاح المنظومة الإنتاجية، وليس هدفاً منفصلاً عن ضمان تموين السوق الوطنية.
الاستثمار في الجنوب وإعادة توزيع النشاط الاقتصادي
ويولي الحيدوسي أهمية خاصة للبعد التنموي للمشروع، معتبراً أن توسيع النشاط الفلاحي والصناعي في الجنوب يمكن أن يساهم في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي والجغرافي داخل الجزائر.
فالمشاريع الكبرى، حسبه، يمكن أن تخلق مراكز جديدة للنشاط والاستثمار، وتدفع إلى تطوير شبكات النقل والكهرباء والمياه والخدمات، بما ينعكس على قطاعات أخرى.
كما يمكن أن تساهم في تثبيت اليد العاملة وخلق فرص أمام الشباب، بدل تركيز النشاط الاقتصادي في المدن الشمالية.
ومن هنا، فإن مشروع «تفاديس» يمكن أن ينظر إليه، وفق الخبير، باعتباره مشروعاً ذا أبعاد اقتصادية وفلاحية وصناعية واجتماعية وتنموية في آن واحد.
توسيع المساحات الزراعية في الجنوب يتطلب إدارة دقيقة للموارد المائية
وفي المقابل، يحذر الخبير من أن توسيع المساحات الزراعية في الجنوب يتطلب إدارة دقيقة للموارد المائية، خاصة أن نجاح الزراعة الصحراوية يعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة أنظمة الري وترشيد استهلاك المياه.
ويؤكد أن التوسع من 28 ألف هكتار إلى مساحات أكبر بكثير يستوجب الاعتماد على تقنيات الري الحديثة والزراعة الدقيقة، إلى جانب مراقبة الموارد المائية وضمان استدامتها.
كما أن الطاقة تمثل عاملاً آخر في تكلفة الإنتاج، خاصة بالنسبة لعمليات الضخ والسقي والتصنيع، ما يجعل تحسين الكفاءة الطاقوية واستخدام الطاقات المتجددة من بين العناصر التي يمكن أن تعزز تنافسية المشروع مستقبلاً.
ويضاف إلى ذلك تحدي النقل واللوجستيك، لأن نقل المنتجات الزراعية والمواد الأولية من مناطق الإنتاج إلى الوحدات الصناعية ثم إلى الأسواق يتطلب شبكة فعالة من الطرق ووسائل النقل والتخزين.
مشروع استراتيجي يحتاج إلى منظومة متكاملة
ويؤكد الحيدوسي أن نجاح المشروع لا يتوقف على حجم الأراضي أو قيمة الاستثمار فقط، وإنما على مدى تكامل المنظومة المحيطة به.
ويشمل ذلك توفير المعدات الزراعية، وأنظمة الري، والبنية التحتية، ومراكز التخزين، وشبكات النقل، والطاقة، والخدمات التقنية، إضافة إلى التأهيل المستمر للموارد البشرية.
كما أن استدامة الإنتاج تتطلب تطوير البحث الزراعي واختيار الأصناف الأكثر ملاءمة للظروف المناخية، وتحسين مردودية الهكتار، وتقليل تكاليف الإنتاج.
ويعتبر أن الاستثمار في البحث والتطوير سيكون عاملاً مهماً في الانتقال من مرحلة التجارب الزراعية إلى مرحلة الإنتاج الصناعي الواسع والمستدام.
وفي حال نجاح التجربة، يرى الدكتور أحمد الحيدوسي أن نموذج «تفاديس» يمكن أن يشكل مرجعاً لمشاريع أخرى في الجنوب الجزائري، خصوصاً في الزراعات الاستراتيجية التي يمكن ربطها مباشرة بالصناعة.
فالمبدأ الاقتصادي، حسبه، واضح: كلما أمكن إنتاج المادة الأولية محلياً وتحويلها داخل البلاد وتسويقها ضمن سلسلة متكاملة، ارتفعت القيمة المضافة وقلت التسربات المالية المرتبطة بالاستيراد.
ويمكن لهذا النموذج أن يمتد إلى محاصيل أخرى، بحسب الإمكانات الزراعية والصناعية لكل منطقة، بما يعزز تنوع الإنتاج الوطني ويدعم أهداف الأمن الغذائي.
ويؤكد الدكتور أحمد الحيدوسي إلى أن مشروع «تفاديس» يمثل، من الناحية الاقتصادية، أكثر من مجرد مشروع لزراعة الشمندر السكري وإنتاج السكر، لأنه يجمع بين استغلال الأراضي، وتطوير الزراعة العصرية، والتحويل الصناعي، وتثمين المشتقات، وخلق فرص العمل، وتقليص الاستيراد، وفتح إمكانية التصدير.
ويرى أن نجاح المشروع سيقاس في نهاية المطاف بقدرته على بناء سلسلة إنتاج مستقرة وتنافسية، تبدأ من الأرض وتنتهي بالمنتج النهائي، مع إبقاء أكبر قدر ممكن من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
ويؤكد أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل الجنوب إلى قطب إنتاجي متكامل قادر على المساهمة في الأمن الغذائي والصناعي، وليس فقط إلى منطقة لإنتاج المواد الأولية.
وبذلك، فإن الانتقال من زراعة الشمندر السكري إلى إنتاج السكر ومشتقاته والأعلاف والكحول الصناعي والطبي يعكس توجهاً نحو بناء اقتصاد قائم على تثمين الموارد المحلية وتعميق التصنيع.
وفي حال بلوغ المشروع أهدافه المتعلقة بتوسيع المساحات والإنتاج وخلق آلاف مناصب الشغل، يمكن أن يتحول إلى أحد النماذج البارزة للاستثمار المنتج في الجنوب، بما يدعم مسار الجزائر نحو تقليص فاتورة الاستيراد، وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير الصناعة الغذائية، وصولاً إلى مرحلة يصبح فيها الفائض الإنتاجي قاعدة لفتح أسواق خارجية وتعزيز الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات.

