لم تكن رحلتنا إلى غات انتقالا في الجغرافيا فحسب، بل كانت خروجا هادئا من زمن مألوف إلى زمن آخر، زمن تقاس فيه المسافات بما تتركه في القلب لا بما يقطعه الجسد. الصحراء، كلما امتدّ بنا المسير في أحشائها، لم تكن فراغا أصمّ، بل كيانا عارفا، يختبر القادمين إليه، ويمنح نفسه لمن أحسن الإصغاء. الرمل هنا ليس رملا فقط، بل أثر خطى سالفة، والريح ليست عابرة، بل حاملة همس قديم ظل يتردد عبر القرون.
وعندما بدت غات، لم تطل علينا كمدينة تسعى إلى لفت النظر، بل كواحة وادعة تعرف قدرها، وتكتفي بأن تكون كما كانت دائما. بدت كأنها خارجة من طبقات الذاكرة، مدينة لم تُسرف في التغيّر، ولم تُفرّط في أصلها. كان الدخول إليها أشبه بالدخول إلى سرد طويل، لا يبدأ من لحظة الوصول، بل من تاريخ أبعد، حين كانت القوافل تتخذها مقاما، وحين كانت الصحراء كتابا مفتوحا يُقرأ بالنجوم وبآثار الأقدام.
ومنذ اللحظة الأولى، شعرنا أن الضيافة في غات ليست عادة عارضة، بل شريعة غير مكتوبة. الاستقبال يتمّ بالسكينة، وبكلمة موزونة، وبشاي يُعدّ على مهل، كأن الزمن نفسه يُصفّى مع أوراقه. الإقامة ليست مجرد مأوى، بل مقام، تُراعى فيه حرمة الضيف، ويُعامل فيه القادم كأنه جزء من النسيج، لا وافدا عابرا. هنا، لا يُسأل الزائر عن حاجته كثيرا، لأن الحاجة تُفهم قبل أن تُقال.
وحين اتجهنا نحو المدينة القديمة بغات، بدأ المكان في كشف وجهه الأعمق. الجامع العتيق الذي أرجعنا للحظات ماضوية أصيلة، الأزقة الضيقة، المنحنية، لم تُنشأ عبثا، بل صيغت لتحتوي الحياة وتكتم سرها. الجدران الطينية، بما فيها من تشققات وندوب، لم تكن علامات وهن، بل شواهد عمر طويل. كل جدار يحفظ أثر كفّ، وكل باب خشبي عتيق يحرس حكايات أجيال تعاقبت، عاشت، ورحلت، وبقي أثرها معلقًا في الصمت، لنتهي هذا كله بالأبواب الستة التي تحرسها بعضد من أصالة وتراث.
في المدينة القديمة بغات، لا يسير المرء مستقيما، لأن الاستقامة هنا ليست هندسية، بل أخلاقية. الأزقة تعلّم التواضع، وتفرض البطء، وتعيد الزائر إلى إيقاع المكان. النوافذ المرتفعة، الضيقة، لا تطل إلا بقدر الحاجة، في توازن دقيق بين الداخل والخارج، بين الخصوصية والانفتاح، كأن العمارة نفسها كانت تعي معنى العيش المشترك.
وبين هذه الأزقة، أخذت تتجلى مشاهد التراث، لا كعروض مصطنعة، بل كامتداد طبيعي للحياة. اللباس التقليدي لم يكن زينة عابرة، بل لغة بصرية مكتملة. الرجال بملابسهم المحلية، بألوانها العميقة، ولفحاتها التي خبرت الشمس والريح، يحملون الصحراء على أكتافهم دون ادّعاء. والنساء بثيابهن الزاهية، بنقوش لا تُطرّز للعين وحدها، بل للذاكرة، نقوش تحكي عن الأصل، عن القبيلة، وعن الامتداد.
أما الفتيات والفتية، فكانوا القصيدة الحية في هذا المشهد. رأينا فيهم ذلك الارتباط الصافي بتاريخهم، ارتباطا لا يقوم على الحنين وحده، بل على الوعي. كانوا يتحركون بثقة، يشاركون في الطقوس، في العروض، في التنظيم والترحيب، وكأنهم يحملون إرثا لا يثقل كاهلهم، بل يمنحهم المعنى. في عيونهم كان المجد قديما، لكنه غير متحجّر، وفي خطواتهم كان المستقبل يسير دون أن يقطع حبله مع الماضي.
العروض التراثية التي شهدناها لم تكن فصلا منفصلا عن اليوم، بل جزءا من نسيجه. الرقصات الجماعية المحلية (تملكويت، سبيباي، تيندي، أليون …) جاءت بإيقاع يعرف طريقه إلى الجسد، إيقاع لا يعلو عبثا ولا يهدأ صدفة. الصفوف تتشكّل وتتفكك، والحركات تتناغم، في صورة تعكس روح الجماعة، حيث الفرد لا يبرز إلا بقدر ما يخدم الكل، وحيث الفرح طقس جماعي لا يُحتكر.
وكان الطعام، بدوره، خطابا صامتا من خطابات الكرم. الأكلات التقليدية من : تاماسين، تاجلا تان أبتول، الفتات، تيكياوين … التي قُدّمت لم تكن وليدة التكلّف، بل ثمرة علاقة طويلة مع الأرض. مكونات بسيطة، نابعة من المحيط، أُعدّت بعناية، وقدّمت بسخاء يعرف حدّه. الجلوس إلى المائدة لم يكن مجرّد أكل، بل مشاركة، إعلان ضمني بأن الضيف صار واحدا من الجمع، ولو إلى حين.
ومع توغلنا في النسيج القديم، كانت “قلعة كوكمن” تتراءى من عل، كأنها ذاكرة المدينة المعلقة. الصعود إليها لم يكن يسيرا، لكنه بدا جزءا من المعنى. فهذه القلعة لم تُبنَ لتُنال بسهولة، بل لتُحترم. حجارتها، التي صقلتها الرياح، تحمل صمت الحراس، وترقب الليالي الطويلة، وأثر العيون التي كانت تراقب الأفق حماية للمدينة وساكنيها.
ومن أعلاها، انكشفت غات في صورتها الكاملة. المدينة القديمة بدت كجسد واحد، أزقته عروق، وبيوته خلايا متساندة. الواحة تحضر بخضرتها الخجولة، والصحراء تحيط بالمشهد في صمت مهيب. هناك، فهمنا أن الطقوس التي شاهدناها، من الضيافة إلى الإقامة، ومن الترحيب إلى التوديع، ليست تفاصيل هامشية، بل نظام حياة متكامل، قوامه التآزر، وحسن الجوار، وصون الكرامة.
وعندما مالت الشمس نحو الغروب، تغيّر لون الجدران، وتداخل الضوء بالظل، فبدت غات كأنها تعود إلى أصلها الأول. في تلك اللحظة، تماهت الأصوات، والوجوه، والملابس، والطقوس، في صورة واحدة، يصعب فصل عناصرها عن بعضها.
غادرنا المدينة القديمة غات وقلعة كوكمن، لا ونحن نطوي زيارة، بل ونحن نحمل معنا أثرها. ما رأيناه من فتيات وفتيان يحفظون تاريخهم بقلب متحد، وما لمسناه من صدق الضيافة، ومن تنوّع الطقوس، جعل الرحلة شهادة حية على أن التراث، حين يُعاش ولا يُستعرض، لا يشيخ، بل يتجدّد في كل جيل.
وهكذا، لم تكن الرحلة إلى غات ذكرى عابرة، بل مقاما في الذاكرة، يذكرنا بأن في عمق الصحراء مدنا لا تزال تحرس مجدها بالصمت، وبالوفاء، وبحياة يومية لا تنفصل عن تاريخها.
