كل صباح في فلسطين لا يشبه سواه. في غزة والضفة الغربية، لا تنفك آلة الحرب الصهيونية عن كتابة فصل جديد من المجازر، في مشهد دموي يتكرّر بلا نهاية. الطائرات لا تغيب عن سماء القطاع، والمدفعية لا تهدأ في محيط المدن والقرى، بينما يتواصل حصار خانق يُطبق على أكثر من مليوني فلسطيني محاصَرين بين الموت البطيء بالقصف أو بالجوع، وصمت دولي يشبه تواطؤًا مفضوحًا.
الدم الفلسطيني… من البيوت إلى الخيام
في غزة، تحوّلت البيوت إلى ركام، والمدارس إلى ملاجئ غير آمنة، ومراكز الإغاثة إلى أهداف عسكرية. عشرات العائلات الفلسطينية، التي هجّرت قسرًا من شمال القطاع وجنوبه، وجدت نفسها عرضةً للاستهداف داخل خيام النصَبَت على عجل غرب خان يونس، في مشهد يُعيد إلى الذاكرة نكبات التاريخ الكبرى. لم تشفع لهم أعلام الإغاثة ولا الشارات الدولية، فالطائرات قصفت بلا هوادة، وسقط العشرات بين شهيد وجريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء.
في يوم واحد فقط، ووفق إحصاءات رسمية من وزارة الصحة الفلسطينية، استشهد 39 فلسطينيًا أثناء انتظارهم مساعدات غذائية، بعضهم قضى بنيران القناصة، وآخرون تحت أنقاض بنايات مدمّرة. المستشفيات، التي تشارف على الانهيار بفعل انقطاع الدواء والكهرباء، استقبلت أكثر من 317 جريحًا خلال 24 ساعة، كثير منهم أُسعف على الأرض، في ممرات خالية من أبسط تجهيزات الطوارئ.
خان يونس… مقاومة تتحدى الموت
ورغم المجازر، لا تزال المقاومة الفلسطينية تكتب فصلًا آخر من صمود شعب لا يلين. ففي جبهة خان يونس الملتهبة، نفّذت “سرايا القدس”، الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، عملية نوعية ضد موقع قيادة عسكرية صهيوني بالغ التحصين، بالتعاون مع “ألوية الناصر صلاح الدين”، وسط تحصينات كثيفة وحماية جوية وبرية مشددة.
العملية التي استخدمت فيها صواريخ “فاغوت” و”مالوتكا” الروسية، ذات القدرات الدقيقة المضادة للدروع والتحصينات، استهدفت مبنى تتحصّن فيه قوة نخبوية من جيش الاحتلال. ووفق المشاهد المصوّرة التي بثتها المقاومة، فإن العملية تميزت برصد استخباراتي عالي الدقة، وتنسيق ميداني متقدم، مكن المقاتلين من ضرب الهدف بدقة وشلّ قدرة العدو على الرد، ولو مؤقتًا.
الهجوم أعقبه ارتباك واضح في صفوف الاحتلال، حيث هبطت مروحيات لإخلاء القتلى تحت وابل من النيران والقنابل الدخانية، في مشهد يعكس حجم الخسائر البشرية والميدانية. ولم تكن هذه العملية معزولة، بل واحدة من سلسلة عمليات مُحكمة أكدت من خلالها المقاومة قدرتها على المناورة، حتى وسط الحصار الجوي والبري.
غزة تحترق… والضفة تختنق
بعيدًا عن نيران الطائرات، لا تقلّ معاناة الضفة الغربية قسوة. فالاقتحامات اليومية، التي تنفذها قوات الاحتلال في الخليل ونابلس وطولكرم ورام الله، باتت جزءًا من روتين يومي يعكس تصعيدًا ممنهجًا. اعتقالات بالجملة، تخريب للمنازل، هدم للبنى التحتية، ومشاهد إذلال ممنهجة لا تهدف فقط إلى قمع المقاومة، بل إلى تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
ففي مخيم نور شمس، جرت عمليات هدم طالت حارة العيادة، وسط استخدام جرافات عسكرية وتفجيرات موضعية، فيما اقتُحمت قرى نعلين والمغير وبيت لقيا ليلاً، وتعرّضت منازل المدنيين لتخريب واسع. وفي سلفيت، حيث فُرض حصار داخلي عبر مكعبات إسمنتية وحواجز ثابتة، بدا وكأن الاحتلال يختبر نموذجًا من سياسة “الإغلاق المطبق”، لشلّ الحياة تمامًا.
الأرقام تكشف فداحة المشهد: أكثر من 980 شهيدًا في الضفة منذ بداية الحرب، وقرابة 7 آلاف جريح، و17 ألف معتقل، معظمهم من الفتية والشبان، بينهم طلبة جامعات وناشطون مدنيون، ما يعكس محاولة الاحتلال تفريغ المجتمع من قواه الحية.
إبادة جماعية تحت غطاء الفيتو
منذ السابع من أكتوبر 2023، تشن “إسرائيل”، بدعم أمريكي لا محدود، واحدة من أشرس الحروب في التاريخ الحديث على قطاع غزة. حرب شاملة لم تبقِ ولم تذر، استُخدمت فيها كل أدوات القتل والتجويع والتدمير. ومع نهاية يونيو 2025، تشير التقديرات إلى سقوط أكثر من 187 ألف ضحية بين شهيد وجريح، ووجود أكثر من 11 ألف مفقود، في وقت يواجه فيه مليون نازح خطر المجاعة والأوبئة.
ورغم هذا الجحيم، تُعرقل الولايات المتحدة، عبر الفيتو المتكرر، أي قرار دولي لوقف إطلاق النار أو لفتح ممرات إنسانية آمنة. وهو ما حول مجلس الأمن إلى مسرح عبثي، تُنتهك فيه كل القوانين الدولية تحت أنظار العالم، دون أن يُحرّك ساكنًا.
كلمة أخيرة: نار لا تنطفئ… وصمود لا يُقهر
في مواجهة هذا المشهد المأساوي، يتجلى وجه فلسطين الآخر: مقاومة لا تساوم، وشعب يواصل الإمساك بحقه ولو على الجمر. فكل صاروخ موجّه، وكل كمين محكم، وكل عملية نوعية، ليست سوى ترجمة فعلية لإرادة لا تُكسر. وفي زمن تتواطأ فيه أنظمة وقوى كبرى، يُصرّ الفلسطينيون على كتابة روايتهم بدمهم، لا بالحبر، وعلى تذكير العالم أن الكف يمكنه أن يُجرّح المخرز، وأن الصمت لن يُسقط الحق.

