الجنوب الكبير ويب الجنوب الكبير ويب
  • الوطني
  • أخبار الجنوب
  • مجتمع
  • رياضة
  • دولي
  • ثقافة
  • رأي
  • آخر الأخبارآخر الأخبار
  • الجنوب الكبير TVالجنوب الكبير TV
  • النسخة الرقميةالنسخة الرقمية
الجنوب الكبير ويبالجنوب الكبير ويب
  • الوطني
  • أخبار الجنوب
  • مجتمع
  • رياضة
  • دولي
  • ثقافة
  • رأي

الفيديو

سجل القراءة

للقراءة لاحقًا

إليزي
41° 30°
25 كلم/سا
13 ماي 2026 الأربعاء
الشروق 05:40
الغروب 19:05
الفجر 04:09
الظهر 12:22
العصر 15:52
المغرب 19:05
العشاء 20:28
يتبقى لصلاة
  • من نحــن
  • الإشهار
  • اتصل بنا
  • الفريق
انضم إلينا
أقلام

الرمل.. هل تدوسُ أقدامُنا على قيمة؟!

الشيخ رابح
آخر تحديث: 30 أكتوبر 2025
الشيخ رابح
قيمة الرمل

يُقدَّم الرمل في هذا الملف بوصفه عنصراً تتقاطع فيه الهوية الصحراوية مع القيمة الاقتصادية والدلالة الرمزية، إذ يشكّل أحد أعمدة العلاقة بين الإنسان وبيئته. يعيد النص قراءة الرمال الصحراوية من منظورٍ ثقافيٍّ واقتصاديٍّ، مبرزاً حضورها في البناء والمعنى، ومسائلاً حدود وعي الإنسان بقيمتها.

المحتويات
  • حروب الرمال.. الاستراتيجيات المتحركة
  • الرمل عنوان الصحراء الذي يأبى التيهان
  • الرّمل.. فتنة الصحراء
  • الرمل بين البناء والتجمل والممات عند إيموهاغ
  • الرمال.. ثروة اقتصادية نادرة
  • من الرمل إلى الهوية.. ملامح الانتماء في المعيش الصحراوي

حروب الرمال.. الاستراتيجيات المتحركة

حروب الرمال

في السنوات الأخيرة صعدت المناطق الصحراوية في العالم إلى صدارة اهتمام أكبر مراكز البحث ومؤسسات إدارة الصراعات، وقد ظهرت الكثير من الدراسات والأبحاث العلمية المتخصصة وبالذات تلك التي تناجي المستقبل، مما دفع بمؤسسات صناعة القرار إلى الاستثمار في هذه الدراسات وبناء إستراتيجية استحواذية، تهدف إلى استغلال الثروات المكتنزة في هذه الصحاري، ومن أهم الصحاري التي تلقفتها الدراسات المتخصصة وسارعت إليها مراكز صناعة القرار الصحاري الإفريقية وفي مقدمتها صحراء الساحل الإفريقي، لما تمثله من آفاق مستقبلية للعالم برمته.

التجربة المتراكمة

تعتبر ظاهرة الإقامة في المناطق الصحراوية من الظواهر القليلة التي عرفتها الإنسانية في مختلف مراحل تاريخها، خاصة وان إقامة الإنسان ارتبطت بالمناطق التي يتواجد فيها منابع المياه، إلا أن الإقامة في الصحراء، شكلت ظاهرة مغايرة، عن تلك الظواهر المتعرف عليها، كون الأمر يتعلق بظروف خاصة بها مغايرة عن غيرها من المناطق، ولعل ألفة الإنسان والرمال من الحالات التي عرفت وترسخت، ومن هذه الحالات ما عرفته الصحراء في الجزائر، التي تتفرد عن غيرها من صحاري العالم، بكونها الحالة الوحيدة التي عرفت تشييد المدن بكل ما تحمله الكلمة من معاني، في الصحراء من خلال الإقامة الثابتة والمساكن الدائمة، عكس الصحاري الأخرى التي عرفت المساكن المتنقلة.

إن حالة ارتباط الإقامة الدائمة للإنسان وتشييده للمدن في المناطق الصحراوية، تجاوزت الصعوبات والظروف المعيشية الصعبة والمعطيات الطبيعية القاسية، إلا أنها أثمرت في النهاية نموذجا إنسانا له خصوصياته، والذي أنتج بدوره حالة حضارية تمثلت في تلك الحالة التي غلبت فيها جمالية الكثبان الرملية على صعوباتها، في جذب الإنسان إلى الاستئناس بها والتكيف مع معطياتها الطبيعية، وظهرت أجيال تمكنت من صناعة حياة في وسط الرمال والصحاري التي يتصور البعض أنها قاحلة، مما جعل من الانتصار البشري على نوعية الظروف الطبيعية، منجز تطلب الاهتمام به والاستفادة من تجاربه والعمل على استثمار ذلك التراكم التاريخي باعتباره منجزا بشريا يستحق الاستثمار فيه.

الإدراك النوعي

إن التجربة البشرية في علاقة الإنسان بالرمال، لا تتوقف في حدود الجمال والمتعة العابرة والتأمل الفلسفي والتعايش الثقافي، بل هي علاقة تتجاوز المستويات المتعارف عليها، وهي التجربة التي تفطنت لها مراكز البحث ومخابر التفكير  ومواقع صناعة القرار الدولي، مما جعلها اليوم تتخذ من الخطوات والإجراءات ما يمكن تسميته بالموجة الاستعمارية الجديدة، التي تستخدم الأسلحة الناعمة والأدوات الذكية في الاستحواذ على الثروات النادرة التي تختزنها الكثبان الرملية في المناطق الصحراوية.

إن المعطيات المتوفرة في مجال الاهتمام بموضوع علاقة الإنسان بالرمال، فرض اليوم منطق جديدا في طبيعة هذه العلاقة، والتي انتقلت من السعي إلى الاستحواذ على الرمال والكثبان الذهبية، إلى مرحلة الاستثمار في كنوز هذه الصحراء، والاتجاه نحو صناعة مستقبلية تبنى عليها إمبراطوريات جديدة تحقق الرغبات والطموحات الكونية التي تتلبس بها الشركات العابرة للقارات، وهو المنطق الذكي يجعل من أبناء مناطق الصحراء التفطن إلى تلك المخططات والأساليب الجديدة التي تستخدمها الحركة الاستعمارية، والتي تدفع إلى حرمان أهل هذه المناطق من المستقبل من خلال الاستحواذ على الثروات التي تجد الإنسانية نفسها مجبرة على بناء مستقبلها منها

الحسابات الغامضة

من يتابع وثائق مراكز صناعة القرار الدولي ويطلع على الدراسات والأبحاث التي تنتجها مخابر التفكير العالمية، والتي تستند عليها مركز صناعة القرار، يدرك ببساطة مسار التوجه العام للصراع الدولي في المراحل القادمة، فالدول الكبرى أدركت أن المجال الحيوي يوجد في المناطق الصحراوية، وبالذات تلك المناطق التي ما تزال عذراء ولم تستنفذها الحركة الاستثمارية الدولية ولم تستنزف ثرواتها المتوارية، وخاصة ما يعرف اليوم بثروة (الموارد النادرة)، التي أصبحت المادة الخام للصناعات الإستراتيجية المستقبلية.

إن ثروة (المواد النادرة)، أصبح السيطرة عليها المفصل المحوري للشركات العابرة للقارات، والتي تتحكم في إدارة العالم، مما جعلها تتجه نحو مباشرة خطوات الاستحواذ على المناطق الصحراوية التي ما تزال عذراء، وهي تباشر مراحل السيطرة عبر صناعة الأزمات وأثارت الصراعات، وتحويل هذه المناطق إلى مواقع التنازع الدولي، والدفع بها إلى خوض الحروب والصدامات لتأتي المراحل اللاحقة لهذه الشركات للتدخل عبر وسائل ما يسمى المجتمع الدولي، ليكون الهدف في النهاية بسط السيطرة علي الثروات الباطنية، وأزاحت سكانها وحرمانهم من هذه الثروات، عبر صفقة تخليص السكان من بشاعة الحروب ومنغصات الأزمات التي تورطوا فيها وعجزوا عن التخلص من شرورها.

إن الشركات العابرة للقارات والتي تستخدم أدوات المجتمع الدولي والقانون الدولي، وسيلة للاستحواذ على ثروات الصحاري في المناطق العذراء، تتجه نحو السيطرة الكاملة على هذه المناطق، عبر الاستفادة من مناخها الطبيعي، والذي يشكل الحل الأنسب للمخلفات البيئية التي أفرزتها المدينة، والحركة الصناعية، وهو ما يبرز في تلك المشاريع العملاقة التي تنجزها هذه الشركات المتمثلة في المشاريع السياحية ذات الطابع الترفيهي، والتي لها فوائد أخرى غير المعلن عنها، مما يجعل النظرة الكونية التي تتبناها الشركات العابرة للقارات مغايرة تماما عن تلك النظرة التقليدية للمفهوم التقليدي للاستثمار.

الثروة والاستثمار

من خلال التمعن في التجارب الإنسانية لمختلف الثقافات والحضارات المتعاقبة، ينكشف لنا تلك النماذج الناجحة التي استطاعت أن تنتبه لأهمية الصحراء، والسعي إلى الاستثمار في الكنوز التي تختزنها رمالها، بالرغم من الظروف الطبيعية القاسية، فزيادة على ارتباط الصحراء بثروة النفط والغاز، وما خلفته من تحولات كونية في العديد من المجتمعات الصحراوية، إلا أن الاندفاع نحو السير في طريق اكتشاف المزيد من الثروات التي تختزنها الصحراء كان الدافع نحو التطلع إلى الأرباح الكبيرة التي يجنيها الاستثمار في الصحراء.

لقد أفرزت الاستثمارات الضخمة في المشاريع السينمائية الكثير من الفوائد للشركات الدولية التي غامرت بالاستثمار في مجال الصناعة الثقافية عبر السينما التي بقدر ما أدرت على هذه الشركات الأرباح الخيالية بقدر ما استخدمت في إحداث التغيير الثقافي والتحول الاجتماعي، عبر المحتوى الفني الذي أنتجته هذه الشركات من خلال استثمارها الثقافي في الصحراء، وهي الاستثمارات التي نبه إليها وحرض عليها المثقفون من المستشرقين والرحالة والمستكشفون على آثار الحضارات القديمة وبالذات في مناطق الشرق الأوسط.

إن الصحراء الجزائرية ما تزال بكرا وميدان خصب قابل للاستثمار الثقافي (السينمائي، الفني، التنقيب الاركولوجي، الإعلامي الوثائقي، ….)، مما يمكن أن تكون عائداته الاقتصادية والمالية أكبر من كثير من تلك الثروات التقليدية (البترول والغاز)، زيادة على ما يتم تداوله اليوم من (الثروات النادرة)، التي أصبح مستقبل الإنسانية مرهون بامتلاكها، وهي المتواجدة بكثرة في المناطق الصحراوية، وفي صدارتها الصحراء الجزائرية المفتوحة على الصحراء الإفريقية.

الرمل عنوان الصحراء الذي يأبى التيهان

عنوان الصحراء

الرمل… هذا الكائن الصامت الذي يملأ الفراغ ويبتلع الخطى، ليس جماداً كما يتوهم من لم يسكن الصحراء، بل روحٌ تهمس في أذن الوجود، وتعيد صياغة معنى البقاء والفناء. إنّه التاريخ وقد تفتّت، والذاكرة وقد تحوّلت إلى ذرات تذروها الرياح ثم تجمعها من جديد، في دورةٍ تشبه دورة الإنسان نفسه. في الرمل سرّ لا يُقال، وسكون يخفي حركةً خفيّة، ونورٌ يتكسّر على حبيباته كما تتكسّر الأحلام على حدود الواقع.

عندما يتأمل البدوي الكثيب عند الفجر، يراه ككائنٍ يتنفّس. تغيّر الرياح ملامحه، لكنه يبقى هو، مثل الروح التي تتبدّل وجوهها ولا تفقد جوهرها. يقول أحد شيوخ الطوارق: «الرمل لا يشيخ، لأنه لا يتذكّر». ما أعجب هذا القول! فالرمل هو النسيان الذي يصنع التاريخ، وهو الفناء الذي يُنبت الحياة. كلّ خطوةٍ فوقه تشهد على مرور إنسان، وكلّ هبة ريح تمحوها لتجعل المكان طاهراً من الأثر، وكأنّ الأرض تعيد نفسها من البداية كلّ صباح.

كذلك هو الرمل، نفسٌ كبيرة في جسدٍ متعب من الرياح، يسافر في مكانه ولا يبرح. يمارس الوجود دون أن يتكلم، ويمحو أثره كي يثبت أنه لا يموت. ولعلّ الرمل هو أول درسٍ في الفلسفة الصحراوية: أن تكون متحركاً في سكون، وأن تتقن فنّ الزوال دون أن تزول.

من يقرأ الرمل بعين الأنثروبولوجي لا يرى فيه مجرّد مادةٍ من الطبيعة، بل نصّاً مفتوحاً كتب فيه الإنسان كلّ معاني العطش والخوف والنجاة. في حبيباته حكايات الأقدام القديمة التي عبرت القوافل، وفي مساحاته وعودٌ لم تتحقق بعد. فالصحراء ليست فراغاً، بل امتلاءٌ بالرمز، والرمل هو الكتاب الذي كُتبت عليه أسطورة البقاء.

يقول شاعر من الطوارق فيما معناه:

> «الرمل لا يكذب، إنه يحفظُ الأثر حتى وإن تاه صاحبه».

تلك العلاقة الغامضة بين الإنسان والرمل ليست علاقة سكنٍ فحسب، بل علاقة مصيرٍ وتاريخ. فالرمل هو الرفيق الأول للتيه، والمعلّم الأول للتواضع. كلّما رفع الإنسان رأسه ليظنّ أنه بلغ القمة، جاءته عاصفة تذكّره بأنّ ما فوق الكثيب، أسفله بعد حين. في بيئةٍ كهذه يتعلّم المرء أن الحكمة لا تُقال، بل تُدفن في الرمل مثل كنزٍ من المعاني، وأن الصمت أبلغ من أيّ كلام.

في المدن، حين يُستخدم الرمل للبناء، يغيب عنه سرّه القديم. يتحوّل إلى سلعةٍ صمّاء، يفقد روحه التي كانت تعيش في يد الريح. أما في الصحراء، فكلّ ذرّةٍ منه تعرف اتجاه القبلة، وتعرف أسماء النجوم. من الرمل صُنعت البيوت الطينية التي تشبه الأرحام، تحمي الإنسان من حرّ الشمس كما تحميه من جفاف المعنى. من الرمل تنبع الدروس: كيف يكون الثبات في التبدّل، وكيف تُستخرج الحياة من القفر.

يقول درويش:

> «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

ولو كتب شاعر الصحراء لقال:

«على هذا الرمل ما يعلّم معنى الحياة».

كم من شاعرٍ أو رحّالة جلس على كثيبٍ في مساءٍ بعيد، يحدّق في امتدادٍ لا نهاية له، فشعر أنه يطلّ على داخله! الرمل لا يُرى فقط، بل يُسمع. حين تهبّ الريح، يُصدر الرمل موسيقى خافتة تشبه أنيناً من زمنٍ سحيق، كأنّ الأرض تهمس بلغتها الأم. تلك الموسيقى هي ما سمّاه بعض الأنثروبولوجيين «صوت المكان»، وهي التي جعلت من الصحراء معبداً لا جدران له، ومكتبةً بلا أوراق.

في بعض الطقوس القديمة، يُستخدم الرمل للتطهير، وللشفاء، وللدفن أيضاً. إنّه يبتلع الجسد ليصونه من العفن، كما يصون السرّ في عمق الصمت. حين يموت أحد أبناء الصحراء، يُدفن في الرمل الذي عاش عليه، وكأنّ الأرض تعيده إلى حضنها برفقٍ وحنان. هنا يتجسّد المعنى الأنثروبولوجي العميق: الإنسان ليس ضدّ الطبيعة، بل امتدادٌ لها، والرمل ليس خصمه بل مرآته.

قال أحد الحكماء العرب:

«إنّ المخلصين كالذين يمشون على الرمل، لا يُسمع صَوتهم ولكن يُرى أثرهم».

وما أصدق هذه الصورة في وصف علاقة الإنسان بالرمل، فكلّ ما هو صادق لا يحتاج ضجيجاً ليُرى. الأثر الهادئ الذي يتركه المارّ على الرمال يساوي كلّ الصرخات التي تضيع في الهواء. إنّها بلاغة البساطة، وجمال الصمت، ونبل الوجود الهامس.

وحين نقرأ الشعر العربي القديم، نجد الرمل حاضراً كرمزٍ للتيه والحنين. فها هو امرؤ القيس يشكو مرارة الغربة فيقول:

> «وليلٍ كموج البحر أرخى سدولهُ * عليّ بأنواع الهموم ليبتلي».

وكأنّ هذا الليل الطويل لا يمتدّ فوق الأرض بل فوق رمالٍ لا تنتهي. ثم يأتي العصر الحديث ليعيد للرمل رمزيته الفلسفية، فيكتب نزار قباني:

«وما بين رملٍ وموجٍ وساعةِ رملٍ يضيع الزمان».

هكذا يربط الشعراء بين الرمل والزمن، بين الحاضر الذي يتسرّب من بين الأصابع والمستقبل الذي يُعاد تشكيله مع كلّ ريح. فالرمل ليس ثباتاً، بل حركةٌ أبدية تُذكّرنا بأن كلّ شيءٍ قابل للتغيّر. إنه مرآة الوجود في أدقّ تجلياته.

وللرمل أيضاً بُعدٌ اقتصادي وثقافي في حياة الإنسان الصحراوي، فهو مادة البناء والزجاج والطريق، لكنه قبل ذلك مادة الحلم. لا شيء يعلّم الصبر مثل السير على الرمل، ولا شيء يربّي البصيرة مثل تتبّع أثرٍ يختفي أمامك ثم يعود خلفك. ولأنّ الإنسان ابنُ أرضه، صار الرمل جزءاً من هويته. حين تقول امرأة طارقية لابنها: «لا تخرج وقت الريح»، فهي لا تحذّره من الغبار، بل تعلّمه كيف يحترم الكائن الذي يعيش معه – الرمل.

الرمل في الثقافة ليس مادة للراحة فقط، بل مادة للتأمل. من يضع كفّه على الرمل يشعر بحرارةٍ قادمةٍ من عمق الزمن. ومن يغرس قدمه فيه، يشعر أنه يشارك في كتابة التاريخ دون قلم. لهذا قال شاعرٌ مجهول من أهل الصحراء:

«كلّ رملةٍ تعرف اسم صاحبها، وإن نسيه الناس».

إنها نظرة أنثروبولوجية صافية: العلاقة بين الإنسان والمكان ليست علاقة امتلاك، بل علاقة تداخلٍ وتذكّر.

وفي زمن الحداثة، تغيّر وجه الرمل كما تغيّرت وجوهنا. صار مورداً اقتصادياً، يدخل في صناعة الزجاج والرقائق الإلكترونية. صار جزءاً من المدن التي حاربته طويلاً. ومع ذلك، يبقى الرمل في عمقه هو ذاته، يحتفظ بسره القديم، ويعلّمنا أن الأشياء البسيطة هي الأعمق. فمهما غابت الصحراء خلف الإسمنت، يظلّ الرمل حاضراً في ذاكرتنا، في صور الحلم، وفي رمزية العودة إلى الأصل.

ربّما لهذا قال المتصوّفون: «من لم يعرف الرمل، لم يعرف الفناء». لأنّ في الرمل درساً في الزوال الجميل، وفي الخفة التي تُبقي المعنى دون الشكل.

في النهاية، لا يمكننا أن ندرس الرمل كما ندرس أيّ مادة أخرى، لأنه يهرب من بين الأصابع كما يهرب الزمن من الذاكرة. إنّه يشبه الإنسان في هشاشته وصلابته معاً. يتكوّن من فتات الصخور القديمة، ومع ذلك يبني جبالاً من المعنى. كلّ حبةٍ منه تحمل سرّ حياةٍ مضت، وغمزة ضوءٍ من شمسٍ ولّت.

الرمل هو القصيدة التي كتبتها الأرض على جسدها كي تتذكّر أننا منها وإليها نعود.

هو الصمت الذي يملأ الكلام بالمعنى، والعدم الذي يمنح الوجود شكله الأخير.

هو المعلّم الذي لا يتكلّم، لكن من عرفه تغيّر إلى الأبد.

«على هذه الشطآن أسعى إلى الأبد، بين الرمل مسعاي وبين الزبد…»

وفي هذا السعي الأبدي بين الرمل والزبد، بين الثبات والتحوّل، تتجلّى إنسانيتنا العميقة: نحن أثرٌ عابر على وجه الأرض، تمحوه الرياح وتعيد رسمه، كما يمحو الرمل أثر القدم ثم يعيده في اليوم التالي.

فهل نحن الذين نترك الأثر، أم الأثر هو الذي يتركنا؟

سؤالٌ يبقى، كما يبقى الرمل، بلا جوابٍ نهائي.

الرّمل.. فتنة الصحراء

فتنة الصحراء

في البدء كان الرّمل.. يقولون عنه فتنة ضيف الصحراء، وصَبْوَة مولى الدّار، حيثما ذُكرت الصحراء، إلا وارتسمت في مخيلة المتلقي لازمة الرّمل، حتى غدا هذا الجبّار علامة عليها عند فقهاء السّيمياء، هو ـــ على أيّة حال ـــ ناقٍ كالقطن، ناعم كالحرير، أي والله.. صُفرته فيها حُنوّ، لا يظلمُ بياض ثوبٍ، يمكنكَ أن تجلسَ وتتمرّغَ عليه، دون أن تجدَ منه وساخةً بعد قيّامكَ، ولله في خلقه شؤون..

لقد ظلّت الصحراء عند المتأملين حقلا خصبا لمشاتل دهشتهم، وأرضا بطحاء لفسائل متاهتهم، تدعو حبيبتنا كلّ فيلسوف متأمّل بالأحضان، وسائح يروم فُرجة السّلوان، ينال منها الطّالب ما طلب، والرّاغب ما رغب.

بيد أن لصاحبنا الرّمل ــ قدّس الله ذكره ــ حكايات وطرائف مع أهل الغرب، ولا أحسبُ الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس مخطئا، عندما استلهم منه عنوانا لإحدى قصصه الرّائعة، فوسمها بـكتاب الرّمل (El libro de arena) بالإسبانية، عندما اتخذه رمزا لا متناهيا من الكتب في مكتبته، ولم يبتعد عنه الشاعر الإنجليزي ويليام بليك، عندما اختصر الكون في حكمته، فقال: “العالم في حبّة رمل”، إنها رؤية عظيمة في تكثيف الأفق اللاّمتناهي في ذرّة، الظّاهر أن الصحفي الأمريكوكندي (فينس بيسر) سار على هديه، عندما ألّف كتابا وسَمَ عنوانه (العالم في حبّة رمل.. قصة الرّمل وكيف حوّل الحضارة)!

لو وقف أمر سيّدنا عند هذا، لقلنا راحة وتخفيفا، الغريب أن هذا السلطان النّاعم، بات خطّ المشعوذين، نسأل الله السّلامة، لا يحلو لهؤلاء القوم، من متون طلاسمهم، وحاشية جداولهم، سوى أن يسوّقوا تجارتهم بصيّاغة ذلك العنوان العريض لحرفتهم، فقالوا: خطّ الرّمل، وقد تفطّنتْ الروائية القديرة هاجر قويدري، في آخر رواياتها الموسومة بهذا العنوان.

ألم أقل لكَ إن حاله طريف؟ لا أدري تحديدا متى بدأ غرامي مع هذا الرّمل العتيد، تراني طفلا يتعثّر في عباءته، ويلهو بتمائم رقبته، التي جُلّدت وحُمِّرت زينةً يوم ختانه، عند الشرّاك البوعلاوي ولد (لَمْعَلّمْ)، أخرجُ من الباب الوحيد للقصبة، وأسرح بجَنان القصر (أجْدَلْ)، قد أقفُ عند ساقية رسَب فيها رمل الرّيح، فدَنوتُ وجلستُ سيفها أبني قصورا من الرّمل المقطّر من بين أصابعي أو أكون لمحتُ في سقف مسجدنا، بيتا مشابها لهذا البناء المقطّر بالرّمل، لطائر وديع ندعوه في لهجتنا بـ(السَوّيفْ).

تراني بعد ذلك في المواسم والأعياد مع رفاقي الصبيان، نركب الحمير، بعد حزامها بالدبش وبسط الغرارة عليه، حتى تستوي ظهرا مبسوطا للرّاكب، نشرّق أعلى القصر، حتى نبلغ وادي (رَحيلْ)، حيث تجتمع الرّمال الصفراء النّاقية، نملأ غرائننا منها، قاصدين بيتونا، التي نكسوها به أفرشة للجالسين.

يذهب المازحون في القول، إن النّعامة سُئلت ذات يوم: لِمَ تخفينَ رأسكِ في الرّمل، قالت: حتى أرى كم من القصور والكنوز التي حمّلها البشر معهم إلى عالمهم الآخر! صدقت وما كذبت.

لا أحسبُ متناً سردياً أو جرسا شعريا، انبرى للكتابة عن فضاء الصحراء، ولم يذكر مولانا الرّمل، خذها بلا عناء، من الكتابات الأولى لمحمد ولد الشيخ في رواية (مريم بين النخيل) الصادرة بالفرنسية خلال الثلاثينات من القرن الماضي، مرورا بالكّتاب المكرّسين الزائرين، الذين نزلوا ضيوفا على الصحراء فألهمتهم، كرشيد بوجدرة في رواية (تيميمون) أو الحبيب السّايح في رواية (تلك المحبّة) أو السّعيد بوطاجين في رواية (أعوذ بالله)، وصولا لكاتب السطور في رواية مملكة الزيوان، والرفيق عبد الله كرّوم في مجموعته القصصية حائط رحمونة، وجميلة طلباوي في روايتها القصيرة وردة الرّمال، وعبد القادر ضيف الله في رواية تنزروفت، وما أتى بعد الجيل المعبّد من نصوص، كرواية رمال متحرّكة لعائشة بويبة، وعبد القادر مجبري في مجموعته القصصية تغريدات تواتية، وعبد القادر بن جعفري في رواية أمقوس، وباقي النصوص التي تضيق معدة هذا المقال بذكرهم وحصرهم.

السيّاح المغرمون بالصحراء، لم يفرّطوا في ابتداع هوايات طريفة تتصل بعروق الرّمل والتزحلق عليها، حتى غدت عروق بني عبّاس وتاغيت وكرزاز من نواحي وادي الساورة، ميادين ومحطّات للسباق والنزهة، مما جعل أهل الضيافة يخصّصون مراكب لهذا الفنّ من التزحلق.

حظوة الصحراء الجزائرية من هذا الكنز الوفير، تمثّلت في ستّة عروق، أولها العرق الشرقي الكبير، ثانيها الغربي الكبير أيضا، أو كما يحلو وصفهما ببحري الرّمال، بمساحة إجمالية تقدّر بـ(000270)كم²، يحوز الشرقي منها على ثلثي المساحة، ثالثها عرق الراوي، الذي يمتدّ غرب فم الخنق (حدود السّاورة جنوبا) ليصل إلى تبلبالة، رابعها عرق شاش، الذي يكتسح الصحاري الغربية لأدرار حتى موريتانيا، خامسها عرق أقيدي، الموجود بصحاري تيندوف، سادسها الأخير يسمّى عرق آدْمَر، الذي يغزو الصحراء الواقعة بين جانت وتمنراست، تتسلّل هذه العروق إلى جوف الصحراء، فتتقاطع مع جبال الهقار والطّاسيلي شرقا، وواحات قصور السّاورة وقورارة وتوات غربا، وصولا إلى هضبة تادْمايت وحمادة تَنزروفت جنوبا، بساط وثير، يعلو ويسفل، ليصنع سيوفا وتموّجات كأثر الأفعى، تتهيّبه القوافل لكثرة ما يسرط أقدامها وحوافر بعيرها، فيتراخى سيرها وتطول المسافة.

وإن عرفنا صورته الجميلة الفتّانة، فله أخرى متغوّلة، غاية في التوحّش، إذ كثيرا ما تناهى إلى سمعنا من أخبار السابقين والخالفين، هجومه على قصور بأكملها فازدردها، حتى أصبحت أثرا بعد عين، لذلك حرص أهل القصور المجاورة لعروق الرّمل، على اختراع حيلة يصدّون بها زحفه المخيف، فعمدوا إلى صناعة سدّ الجريد، الذي نُطلق عليه في لساننا التواتي (أفْراق).

مهما كتب عنكَ الهائمون في ملكوت تضاريسكَ، وغنّى عنكَ المغرمون بجمالكَ، فإنكَ تبقى أيقونة الصحراء، التي تفاخر بها في معرض التضاريس وتُحف أخيلة الزائرين.. كم أنتَ جبّار يا رمل!

الرمل بين البناء والتجمل والممات عند إيموهاغ

رمل إيموهاغ

في حضن الصحراء الكبرى، حيث الرمل هو الكتاب الأول الذي خطّت عليه الحياة سطورها، يعيش مجتمع إيموهاغ في تآلفٍ عجيب مع ذراته، يقرأها كما تُقرأ الآيات، ويستدل بها كما يُستدل بالنجوم. فالرمل عندهم ليس جمادا ولا غبارا عابرا، بل كائن حيّ، ذاكرة تتنفس وتحتضن الوجود في دورته الكبرى: بناءً، وتجملًا، ومماتًا.

من الرمل تُبنى البيوت، لا كجدران صمّاء بل كامتدادٍ للأرض وأحشاء الوطن. حين يرفع البنّاء يده الملطخة برمل الوادي، يُدرك أنه لا يشيد سقفاً فحسب، بل يعيد وصل ما انقطع بين الإنسان ومصدره الأول. الطين الممزوج بالرمل هو روح القصر، يحتفظ برائحة المطر الأولى وبأنين الأزمنة. وحين تجفّ الجدران على مهل، تكون قد لبست جلد الصحراء وصارت كائنًا منها. من هنا لا يرى إيموهاغ في العمران انفصالاً عن الطبيعة، بل امتداداً لها، كأن الرمل يرمم ذاته في صورة المسكن، ويستعيد هيئته الأولى في مهاد الحياة.

وفي التجمل أيضاً، للرمل حضور خفيّ لا تخطئه العين. النساء حين يتهيأن للمناسبات الكبرى، يستعملن رمل الصحراء لغسل الجسد وتنقيته، فالرمل عندهن ليس مجرد مادة كاشطة بل طهارة رمزية، تُعيد الجسد إلى نقائه الأول. تُدلك به الأيدي والوجوه، حتى يصير الملمس ملساً كصفحة القمر، وتختلط رائحة الصحراء بعطر الطيب والزيت. في تلك اللحظة، يصبح الجسد امتداداً للرمل، وتتحول الزينة إلى حوار صامت بين المرأة والأرض. كأنها تستعير من الرمل بعضاً من سكينته وبعضاً من ضيائه، لتقول إن الجمال ليس ما يُضاف من الخارج بل ما يُستدعى من عمق التراب الذي منه خُلق الإنسان.

لكن أعظم تجليات الرمل تبقى عند الممات. حين يودّع أحدهم ميّته، يفرش الرمل جسده كما يُفرش المهد، يلفّه بطمأنينةٍ عجيبة ويعيده إلى حضنٍ لم يغادره يوماً. لا يضعون بين الميت والرمل حاجزاً، لأنهم يؤمنون أن الأرض تعرف أبناءها وتحنو عليهم. الرمل هنا ليس تراب فناء، بل رحم رجوع. يُهيلون عليه ذراته كما تُنثر البذور في موسم الزرع، في إشارة إلى دورة الخلق المستمرة، إلى أن الحياة والموت وجهان لزمنٍ واحدٍ يسكن في الرمل ذاته.

في الموروث التارقي، يقال إن “الرمل يسمع ويسير” وإنه يحفظ أثر الأقدام وأثر السرّ، فلا شيء يضيع في صمته إلا ليعود في شكل آخر. ربما لهذا يجلس الشيوخ في أمسيات الشتاء فوق رمالٍ مدفّأة بالنار، يروون الحكايات كما لو أنهم يوقظون الذاكرة من سباتها، ولعلّ الحكاية التي تُروى على الرمل تبقى حيّة ما بقي الرمل نفسه.

هكذا، يتجلّى الرمل في حياة إيموهاغ رمزاً كاملاً، يُشيّد البيوت ويحرس الجسد، يُزيّن المرأة ويحتضن الميت، يكتب الحكاية ويمحوها ثم يعيدها نقشا جديدا. بين ذراته يسكن سرّ التوازن بين الفناء والخلود، بين الزينة والزهد، بين الصمت والكلام. إنّ كل خطوة فوقه صلاة، وكل بناء به عهد، وكل دفنٍ فيه وعد بالعودة. فالرمل، في فلسفة الصحراء، ليس مادةً خاملة بل هو جوهر الوجود، منه يبدأ الإنسان، وفيه ينتهي، وبينهما يعيش متجملا ومطمئنا، كما لو أن الحياة كلها ليست سوى رحلة قصيرة فوق صفحة من ذهب خفيف اسمه الرمل.

الرمال.. ثروة اقتصادية نادرة

اقتصاد الرمل

تُعتبر الرمال متغيرًا فاعلًا في الحياة المجتمعية والاقتصادية؛ فبدون رمال، لا وجود للمدن، ولا للبنية التحتية، ولا للإنترنت. وقد يُنظر إلى هذا المورد الهام نظرة احتقار، وأنه متوفر في الطبيعة بالقدر الكافي، بل أحيانًا نسعى إلى البحث في كيفية التخلص منه، لكن الحقيقة ليست كذلك؛ فالطلب عليه يتزايد بشكل هائل، مدفوعًا بالتحضر والنمو السكاني، لدرجة أنه يُثير توترات اقتصادية وبيئية، بل وحتى جيوسياسية، إلى الحد الذي أصبح فيه البعض يتحدث عن حروب الرمال. فالرمل قضية استراتيجية عالمية، لا تقل أهمية عن النفط أو الماء. فهو قضية أساسية في التوترات الجيوسياسية ومصدر للضغوط البيئية. كما يؤدي الرمل دورًا هامًا في الحفاظ على التنوع البيولوجي، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرمل قابل للنضوب، وبالتالي هو مورد غير متجدد. وباعتبار الزيادة المستمرة في عدد سكان العالم، فإن ذلك يدفع إلى زيادة الحاجة إلى المساكن والبنية التحتية، وبالتالي إلى الرمل. ففي عام 1950، كان 17.5% فقط من الآسيويين يعيشون في المدن، أما اليوم، فتتجاوز نسبتهم 52%. وتضم أفريقيا حاليًا ثلاث مدن كبرى يزيد عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة: القاهرة، ولاغوس، وكينشاسا. وبحلول عام 2050، سيكون لديها ثلاث مدن أخرى: دار السلام، وجوهانسبرغ، ولواندا.

والرمال ليست نوعًا واحدًا لا من حيث مكوناتها ولا ألوانها، ولا من حيث مصادرها، فهي تتوزع على الشواطئ البحرية، وضفاف الوديان، وتكسير الأحجار، والمكامن الصحراوية، والكثبان الرملية. فالجزائر وحدها تضم أكثر من 40 نوعًا من الرمال مختلفة الألوان، إذ تختلف حسب مصدر الصخور المكونة لها وظروفها، إلا أن المكون الرئيس لها يبقى ثاني أكسيد السيليكون الذي يتمظهر في شكل معدن الكوارتز، وكذا كربونات الكالسيوم. ومن بين هذه الأنواع نشير إلى ما يُعرف بالأتربة النادرة التي تحوز الجزائر على 20% من مخزونها العالمي.

ورغم توفر بعض الدول على الرمال في صحاريها، فقد تكون غير صالحة لبعض الاستخدامات — كالبناء مثلًا — لأن حجمها دقيق لا يسمح بقوة التماسك حتى تُستخدم في الخرسانة، وهو ما أدى إلى تطوير تقنيات جديدة لجعل الرمال الناعمة صالحة للاستخدام في صناعة الخرسانة. وبسبب عدم صلاحية رمالها للبناء، نجد بعض البلدان كالسعودية مثلًا تستورد رمال البناء من أستراليا، والصين، وبلجيكا. وفي سنة 2018 كان أول مستورد للرمل البحرين بـ570 ألف طن، تليها الهند بـ520 ألف طن. ويُقدّر السوق العالمي للرمل بأكثر من 70 مليار دولار سنويًا. ولقد تم اعتبار الولايات المتحدة أكبر مُصدّر للرمال في عام 2017، حيث بلغت صادراتها 446 مليون دولار، مُمثلةً أكثر من ربع الصادرات العالمية، تليها هولندا (216 مليون دولار)، وألمانيا (134 مليون دولار)، وبلجيكا (119 مليون دولار).

فبعد الماء، يُعد الرمل المورد الأكثر استهلاكًا عالميًا، نتيجة تنوع وتعدد استعمالاته. فهو يُستخدم لأغراض صناعية متنوعة، مثل البناء (الخرسانة)، والتكنولوجيا (الرقائق الدقيقة)، بالإضافة إلى الزراعة المكثفة لإزالة حموضة التربة. كما يُستخدم في صناعة المنظفات، وفي صناعة مستحضرات التجميل، وفي تصنيع الزجاج والليزر، وفي التكسير الهيدروليكي. ويُستخرج من هذا المورد ما بين 40 و50 مليار طن سنويًا، وهي كمية تضاعفت ثلاث مرات خلال العشرين عامًا الماضية. ويعود ذلك إلى التغيرات الديموغرافية، والتوسع العمراني، وحركة السفر، وعادات الاستهلاك. وهو بهذا يُعتبر موردًا أكثر استغلالًا ومتقدمًا في ذلك بفارق كبير على النفط.

ورغم وجود الرمل ضمن مكونات الأجهزة الإلكترونية، وأجهزة الكمبيوتر والهواتف، والخلايا الشمسية، والشرائح التي تحتوي على ثاني أكسيد السيليكا، وهو مكون معدني من الرمل، فإن هذه الاستخدامات تكاد تكون معدومة مقارنةً بكميات الرمل المستعملة في قطاع البناء، حيث يصعب تقديم أرقام عالمية بهذا الخصوص. ولإعطاء فكرة عن حجمها، يُقدّر أن ثلثي كل ما يُبنى على كوكب الأرض اليوم مصنوع من الخرسانة، وهي مادة تتكون بدورها من الرمل والإسمنت. فلصناعة الخرسانة يقابل كل طن من الإسمنت 10 أطنان من الرمل. كما أنه لبناء منزل يتطلب الأمر ما بين 100 و300 طن من الرمل والحصى، ونحتاج إلى 30 ألف طن من الرمال لإنجاز كيلومتر واحد من الطريق السريع، كما أنه العنصر الأساسي في رصف الطرق.

والحقيقة أن أهمية الرمل لا تقف عند حدود صناعة الخرسانة وقطاع البناء، وإنما تتعدى إلى القطاع السياحي؛ فالسياحة الشاطئية هي أحد أبرز الأنماط السياحية، والتي يُعتبر فيها الشاطئ الوجهة السياحية الأمثل. وتُعد سياحة الشواطئ محركًا اقتصاديًا رئيسيًا للعديد من المناطق. والأمر لا يقف عند حدود الشواطئ بالنسبة للسياحة، وإنما يتعداها إلى ممارسات سياحية جديدة كالتزحلق على الكثبان، والسباق بالسيارات رباعية الدفع في الممرات الرملية وبين الكثبان في الصحاري. والأمر كذلك بخصوص السياحة العلاجية فيما يُعرف بالحمامات الرملية التي يلجأ إليها المرضى بالروماتيزم وأمراض المفاصل بغرض دفن أنفسهم في الرمال وفق تقنيات وضوابط معروفة لدى الممارسين، وهذه الممارسة من أبرز العوامل المساهمة في إقبال السياح على مناطق الجنوب الجزائري حيث تنتشر الكثبان.

كما يُستخدم الرمل أيضًا كمصفاة طبيعية في ترشيح المياه في محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وفي عمليات استصلاح الأراضي، التي تشمل استصلاح الأراضي من البحر، حيث يستهلك الاستصلاح كميات هائلة من هذا المورد الثمين. وتسمح هذه التقنية باستصلاح الأراضي من البحر عن طريق ردمها. وتُستخدم هذه التقنية على نطاق واسع من قبل الدول التي تحد من طموحاتها صغر مساحتها، وخاصة في هونغ كونغ وسنغافورة ودبي وهولندا. وهكذا، منذ عام 1960، وسعت دولة سنغافورة أراضيها بنسبة تقارب 25%. ويمثل هذا زيادة إقليمية تبلغ حوالي 150 كيلومترًا مربعًا، إلا أن هذا تطلب نقل أكثر من 500 مليون طن من الرمال.

وللحد من المخاطر البيئية للاستغلال المفرط وغير العقلاني للرمال عبر العالم، أوصت الأمم المتحدة للبيئة سنة 2022 باتخاذ إجراءات على عدة أصعدة:

  • تطوير اقتصاد دائري: إعادة استخدام الرمال في المناقصات العامة، وإعادة تدوير مواد الهدم، إلخ.
  • استخدام حلول بديلة، مثل الصخور المُكسرة؛
  • تحسين حوكمة ممارسات الاستخراج والإدارة من خلال الهياكل المؤسساتية والقانونية؛
  • تطوير بحوث تُرسم خرائط موارد الرمال وترصدها وتُقدّم تقارير عنها.

من الرمل إلى الهوية.. ملامح الانتماء في المعيش الصحراوي

ملامح الانتماء

في الصحراء لا يكون الرمل مجرّد امتداد جغرافي أو عنصر طبيعي ساكن بل يتحوّل إلى مرآة للوجود الإنساني؛ وإلى رمزٍ تتشكّل من خلاله معاني الانتماء والهوية. فكلّ ذرّةٍ من رمال الصحراء تختزن في عمقها ذاكرة الإنسان وملامح عيشه وتستعيد بصمتها الأثرية كلّ خطوةٍ مرّت فوقها كأنها تُعيد كتابة التاريخ في لغةٍ لا تُقرأ بالحروف بل بالأثر والممارسة. في فضاءات المعيش الصحراوي تتجلّى العلاقة بين الإنسان والرمل كنوعٍ من التفاعل الرمزي المستمر؛ علاقة تقوم على التبادل لا على الهيمنة، وعلى المعنى لا على المنفعة. فقط؛ هناك يتعلّم الإنسان أن يقرأ العالم عبر تفاصيل بسيطة في الجلسة على الرمل في جلسة الشاي والتسامر ليلا في بناء الخيمة في التيمم حين يشحّ الماء في اللعب في أجواء مرحة؛ لتغدو هذه التفاصيل اليوميّة علاماتٍ رمزية تترجم انتماءه إلى المكان والزمان والجماعة. إنّ الهوية في هذا السياق ليست معطًى جامدًا، بل مسارٌ من التفاعل والمعنى تُبنى من خلال الممارسة اليومية التي تربط الذات بمحيطها الرمزي. وهكذا يصبح الرمل في الوعي الصحراوي أكثر من مجرد مادة؛ إنه لغة انتماءٍ تُكتب بالجسد والذاكرة، وتعبّر عن توازن الإنسان مع بيئته وعن قدرته على تحويل البسيط إلى دلالة وجودية عميقة.

 الرمل كفاعلٍ رمزي في تفاصيل المعيش الصحراوي

الحياة في فضاءات الرمل لا تُختزل في مواجهة الطبيعة القاسية بل تتجسّد كنوعٍ من التفاوض الهادئ مع العالم. فالرمل ليس خصمًا للإنسان بل شريكٌ في بناء معنى الوجود اليومي. في كل حركةٍ من حركات الحياة، يحضر الرمل بوصفه عنصرًا مشاركًا في الفعل الاجتماعي: في الجلوس على الأرض، في بناء المسكن الطيني في إعداد الشاي و القهوة ، في لحظة التيمم حين يغيب الماء، وحتى في ألعاب الأطفال التي ترسم حدود الخيال فوق الكثبان.من منظور الفعل الرمزي، كلّ ممارسةٍ من هذه الممارسات اليومية هي إعلانٌ للهوية بقدر ما هي استجابةٌ للبيئة. فعندما يجلس الإنسان على الرمل، فإنه لا يبحث عن راحة الجسد فقط بل يؤكّد رمزيًا مساواته مع الأرض ومع الآخرين؛ وحين ينام عليه، يوقّع مصالحة مع المكان، كأنه يعترف بحدوده ودفئه في آنٍ واحد؛ أما حين يترك أثر قدمه على الرمال فإنه يدوّن حضوره في سجلٍّ لا يُمحى حضورًا يتجاوز الزمان إلى الذاكرة.بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الرمل كعنصرٍ طبيعي جامد، بل كـ فاعلٍ رمزي واجتماعي يشارك في تشكيل إيقاع الحياة اليومية، ويمنحها معناها العميق.إنه الوسيط الذي تتفاعل من خلاله الذات الصحراوية مع العالم، لتجد في بساطته امتدادًا لذاتها، وفي اتساعه صدىً لحريتها.

 المعنى الرمزي للرمل والهوية المتجذّرة

يقول هربرت بلومر إن الإنسان “لا يتفاعل مع الأشياء كما هي، بل كما يمنحها من معنى”، وهذه الفكرة تفتح لنا أفقًا لفهم العلاقة التي تربط الإنسان الصحراوي بالرمل. فالرمل في الوعي الجمعي ليس مادةً تُداس أو تُتجاهل، بل ذاكرة حيّة تستدعي الأصل وتختبر الثبات في وجه التحوّل. إنه عنصر يربط الإنسان بجذره الترابي، ويذكّره بأن الهوية لا تُورث فقط، بل تُمارس وتُعاد صياغتها في تفاصيل الحياة اليومية. حين يتيمم المرء بالرمل في طقس التيمم، لا يؤدي مجرد فعلٍ دينيٍّ شكلي، بل يمارس فعلًا رمزيًا مزدوجًا: تطهير الجسد واستعادة الأصل. فالمسحة على الوجه واليدين ليست سوى ترجمة حسية لمعنى الانتماء إلى الأرض الأولى، إلى التراب الذي منه خُلق الإنسان وإليه يعود. وهكذا يتحوّل الفعل الطقوسي إلى رمزٍ للهوية المتجذّرة، يربط الجسد بالذاكرة، والمقدّس باليوميّ، والطبيعة بالمعنى. وفي المشهد ذاته، حين تمشي النساء على الرمال في طقوس الحياة اليومية وهنّ يحملن الماء أو يجمعن الحطب أو يجلسن في ظلّ الكثبان فإنهنّ يكرّرن فعل الانتماء بالأقدام، ويجدّدن ارتباط الهوية بالأرض عبر إيقاعٍ يوميٍّ متوارث.
بهذا الشكل، تتحوّل العادة إلى علامة والممارسة إلى لغة رمزية تحفظ المعنى من الذوبان.

من الرمل إلى المدينة.. صراع الرموز واغتراب الهوية

حين يغادر ابن الصحراء فضاءه الرملي نحو المدينة لا يبدّل مكانًا فحسب بل يبدّل نظامًا رمزيًا كاملًا.
في الصحراء كان يعيش في اتساعٍ يقرأ فيه العالم بلغة الرمل والسكينة أما في المدينة فيجد نفسه وسط أبنيةٍ صلبة لا تحفظ الأثر وأصواتٍ عالية تُخفي الصمت الذي كان يهب المعنى.
يتحوّل الرمل هنا إلى ذاكرة غائبة وتغدو الأسمنتات بديلًا لا يحمل الروح ذاتها، فتبدأ أزمة المعنى التي تمسّ جوهر الهوية.في المدينة الرموز التي كان يفهم بها العالم تتبدّل: فالجلسة على الرمل تستبدل بمقعدٍ بارد، والسكون الليلي بضجيجٍ لا يهدأ والعلاقة الحيّة بالمكان بعلاقةٍ استهلاكيةٍ به.
إنه انتقال من فضاءٍ يتكلّم رموز الانتماء إلى فضاءٍ تُهيمن عليه رموز المنفعة ومن ممارسةٍ للبساطة إلى اغترابٍ في وفرةٍ مادية بلا معنى.في هذا الصراع بين الرموز يشعر الإنسان الصحراوي أن هويته تُختبر؛
كيف يحافظ على معاني الرمل  البساطة، الاتزان، التوازن الداخلي  وسط عالمٍ يغري بالسرعة والتكدّس؟ كيف يبقي على نظرته الأفقية للحياة في فضاءٍ عموديٍ تحكمه الأبراج والإشارات الضوئية؟

العودة إلى الرمل في هذا السياق لا تكون حنينًا جغرافيًا، بل عودة رمزية إلى الذات الأولى:
إلى لغةٍ يفهمها الجسد، وإلى إيقاعٍ يستعيد به الإنسان توازنه الداخلي.فالصحراء ليست موطنًا فقط، بل مرجع للمعنى، يعود إليها الفرد ليقيس بها صدق وجوده في عالمٍ فقد تواصله مع رموزه الأصلية.

الرمل والعادات اليومية الهوية التي تُمارس

في تفاصيل الحياة اليومية يظهر الرمل كعنصرٍ مألوفٍ ومتجدد في آنٍ واحد يحضر في الطقوس البسيطة كما في الأفعال الكبرى ليذكّر الإنسان بانتمائه وبقدرته على تحويل العادة إلى معنى.فحين يُغسل الإناء بالرمل في غياب الماء أو يُبنى الجدار الطيني بامتزاج التراب والماء، أو تُقام جلسة السمر فوق الكثبان فكلّ فعلٍ من هذه الأفعال اليومية ليس مجرد استجابةٍ لظرفٍ مادي، بل ممارسة رمزية لهويةٍ متجذّرة في المكان.في العلاج الشعبي، مثل “الحمّام الرملي” الذي يمارسه  سكان الصحراء يتجاوز الرمل دوره كعنصرٍ طبيعي ليغدو وسيطًا للشفاء والتطهر والاتصال بالأرض الأمّ.وفي طقوس اللقاء أو الاحتفال حين تُفرش الرمال كمجلسٍ أو مائدةٍ أو موضعٍ للضيافة، فإنها تذكّر الضيف والمضيف معًا بأن الانتماء يبدأ من الأرض، وأن الجلوس عليها فعل اعترافٍ بالمشترك الإنساني.كل هذه الممارسات اليومية تُعيد إنتاج الهوية لا بالكلام، بل بالفعل؛ فهي ليست شعاراتٍ تُقال، بل عاداتٍ تُمارس تُجسّد التفاعل الرمزي في أبسط صوره.فالإنسان يمنح الرمل معنى، والرمل في المقابل يعيد للإنسان وعيه بالاستمرار، كأنه يذكّره في كل لحظة بأن الحياة، مهما تغيّرت، تُبنى من البساطة والصبر والتوازن.

الخاتمة:

ليس الرمل في جوهره مجرد ذراتٍ تُبعثرها الرياح بل ذاكرة وجودية تحفظ أثر الإنسان وتعيد تشكيل علاقته بالعالم.في فضاء الصحراء، حيث يمتزج البقاء بالمعنى، يصبح الرمل لغةً للحياة اليومية، تُكتب بها سيرة الإنسان في المكان، وتُعاد من خلالها صياغة هويته عبر الزمن.من منظور المعيش الصحراوي، الهوية لا تُستمد من الدم أو النسب، بل من المعنى الذي يولد من التفاعل بين الذات ومحيطها الرمزي.
إنها هوية تُمارس في الجلسة على الأرض، في خطوات السير على الكثبان، وفي الطقوس التي تربط الجسد بالتراب، والإنسان بالذاكرة.وفي كل ذلك، يظلّ الرمل شاهدًا وشريكًا في بناء هذا المعنى، يربط بين الأصل والامتداد، بين الماضي واليومي، بين الإنسان وما يتجاوز الإنسان.

وحين يعود ابن الصحراء إلى رمله بعد غياب، لا يعود إلى المكان فقط، بل إلى نظام رمزي للحياة يستعيد به توازنه الداخلي.فالرمل لا يذكّره بماضيه فحسب، بل يعيد إليه إحساسه بالثبات في وجه التحوّل، وبأن الهوية ليست ما نحمله في الذاكرة فقط، بل ما نعيد ممارسته في تفاصيل الحياة.هكذا يغدو الرمل هويةً تقاوم الزوال، ومعنى يتجدّد كلما لامسته الأقدام أو سكنته النظرات.إنه شاهدٌ على حضور الإنسان في التاريخ، وعلى قدرته على تحويل البساطة إلى فلسفة وجود، والاعتياد إلى فعل رمزيٍّ يؤكد أن الهوية تُبنى في الصمت كما تُبنى في القول، وفي الرمل كما تُبنى في الذاكرة.

رابط دائم: eldjanoubelkabir.dz/ewdz

زوارنا يتصفحون الآن

بلومي يقود هال سيتي لنهائي الصعود إلى “البريميرليغ”

بلومي يقود هال سيتي لنهائي الصعود إلى “البريميرليغ”

سوناطراك في صلب الشراكة الطاقوية الجزائرية-الصومالية

سوناطراك في صلب الشراكة الطاقوية الجزائرية-الصومالية

شبيبة الساورة تتعادل أمام شباب بلوزداد وتحافظ على الوصافة

شبيبة الساورة تتعادل أمام شباب بلوزداد وتحافظ على الوصافة

رئيس الجمهورية يترأس اجتماع عمل حول التحضيرات الأخيرة للانتخابات التشريعية

رئيس الجمهورية يترأس اجتماع عمل حول التحضيرات الأخيرة للانتخابات التشريعية

توقعات الطقس

موجة حر على عدة ولايات من الوطن

قد يهمك أيضاً

في اليوم العالمي لحرية التعبير.. لماذا نقضت الزوايا غزل الصحافة من بعد قوة؟

في اليوم العالمي لحرية التعبير.. لماذا نقضت الزوايا غزل الصحافة من بعد قوة؟

3 مايو 2026
دماء الصحراء: هندسة حروب الساحل الإفريقي

دماء الصحراء: هندسة حروب الساحل الإفريقي

29 أبريل 2026
مالي

أزمة مالي الراهنة.. عندما تتقاطع العزلة الدبلوماسية مع التصعيد الميداني

27 أبريل 2026
مخيم الدّاخلة

مخيم الدّاخلة: رحلة في جغرافيا الصّبر ودفء الإنسان.

27 أبريل 2026
الجنوب الكبير ويب
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • الإشهار
  • الفريق
  • الخصوصية

الجنوب الكبيــر ويب موقع إخباري ليومية الجنوب الكبير الجزائرية المستقلة التي تأسست في 12 نوفمبر 2019، ومديرها العام الإعلامي: جانتي محمود

حساباتنا على شبكات التواصل

جميع الحقوق محفوظة  | الجنوب الكبير ويب © 2026 

Welcome Back!

Sign in to your account

اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني
كلمة المرور

هل نسيت كلمة المرور؟

الرمل.. هل تدوسُ أقدامُنا على قيمة؟!

يُقدَّم الرمل في هذا الملف بوصفه عنصراً تتقاطع فيه الهوية الصحراوية مع القيمة الاقتصادية والدلالة الرمزية، إذ يشكّل أحد أعمدة العلاقة بين الإنسان وبيئته. يعيد النص قراءة الرمال الصحراوية من منظورٍ ثقافيٍّ واقتصاديٍّ، مبرزاً حضورها في البناء والمعنى، ومسائلاً حدود وعي الإنسان بقيمتها.
الشيخ رابح · 29 أكتوبر 2025 - 17:36 تحديث: 30 أكتوبر 2025 - 23:23
الرمل.. هل تدوسُ أقدامُنا على قيمة؟!
المحتويات
  • حروب الرمال.. الاستراتيجيات المتحركة
  • الرمل عنوان الصحراء الذي يأبى التيهان
  • الرّمل.. فتنة الصحراء
  • الرمل بين البناء والتجمل والممات عند إيموهاغ
  • الرمال.. ثروة اقتصادية نادرة
  • من الرمل إلى الهوية.. ملامح الانتماء في المعيش الصحراوي

حروب الرمال.. الاستراتيجيات المتحركة

حروب الرمال

في السنوات الأخيرة صعدت المناطق الصحراوية في العالم إلى صدارة اهتمام أكبر مراكز البحث ومؤسسات إدارة الصراعات، وقد ظهرت الكثير من الدراسات والأبحاث العلمية المتخصصة وبالذات تلك التي تناجي المستقبل، مما دفع بمؤسسات صناعة القرار إلى الاستثمار في هذه الدراسات وبناء إستراتيجية استحواذية، تهدف إلى استغلال الثروات المكتنزة في هذه الصحاري، ومن أهم الصحاري التي تلقفتها الدراسات المتخصصة وسارعت إليها مراكز صناعة القرار الصحاري الإفريقية وفي مقدمتها صحراء الساحل الإفريقي، لما تمثله من آفاق مستقبلية للعالم برمته.

التجربة المتراكمة

تعتبر ظاهرة الإقامة في المناطق الصحراوية من الظواهر القليلة التي عرفتها الإنسانية في مختلف مراحل تاريخها، خاصة وان إقامة الإنسان ارتبطت بالمناطق التي يتواجد فيها منابع المياه، إلا أن الإقامة في الصحراء، شكلت ظاهرة مغايرة، عن تلك الظواهر المتعرف عليها، كون الأمر يتعلق بظروف خاصة بها مغايرة عن غيرها من المناطق، ولعل ألفة الإنسان والرمال من الحالات التي عرفت وترسخت، ومن هذه الحالات ما عرفته الصحراء في الجزائر، التي تتفرد عن غيرها من صحاري العالم، بكونها الحالة الوحيدة التي عرفت تشييد المدن بكل ما تحمله الكلمة من معاني، في الصحراء من خلال الإقامة الثابتة والمساكن الدائمة، عكس الصحاري الأخرى التي عرفت المساكن المتنقلة.

إن حالة ارتباط الإقامة الدائمة للإنسان وتشييده للمدن في المناطق الصحراوية، تجاوزت الصعوبات والظروف المعيشية الصعبة والمعطيات الطبيعية القاسية، إلا أنها أثمرت في النهاية نموذجا إنسانا له خصوصياته، والذي أنتج بدوره حالة حضارية تمثلت في تلك الحالة التي غلبت فيها جمالية الكثبان الرملية على صعوباتها، في جذب الإنسان إلى الاستئناس بها والتكيف مع معطياتها الطبيعية، وظهرت أجيال تمكنت من صناعة حياة في وسط الرمال والصحاري التي يتصور البعض أنها قاحلة، مما جعل من الانتصار البشري على نوعية الظروف الطبيعية، منجز تطلب الاهتمام به والاستفادة من تجاربه والعمل على استثمار ذلك التراكم التاريخي باعتباره منجزا بشريا يستحق الاستثمار فيه.

الإدراك النوعي

إن التجربة البشرية في علاقة الإنسان بالرمال، لا تتوقف في حدود الجمال والمتعة العابرة والتأمل الفلسفي والتعايش الثقافي، بل هي علاقة تتجاوز المستويات المتعارف عليها، وهي التجربة التي تفطنت لها مراكز البحث ومخابر التفكير  ومواقع صناعة القرار الدولي، مما جعلها اليوم تتخذ من الخطوات والإجراءات ما يمكن تسميته بالموجة الاستعمارية الجديدة، التي تستخدم الأسلحة الناعمة والأدوات الذكية في الاستحواذ على الثروات النادرة التي تختزنها الكثبان الرملية في المناطق الصحراوية.

إن المعطيات المتوفرة في مجال الاهتمام بموضوع علاقة الإنسان بالرمال، فرض اليوم منطق جديدا في طبيعة هذه العلاقة، والتي انتقلت من السعي إلى الاستحواذ على الرمال والكثبان الذهبية، إلى مرحلة الاستثمار في كنوز هذه الصحراء، والاتجاه نحو صناعة مستقبلية تبنى عليها إمبراطوريات جديدة تحقق الرغبات والطموحات الكونية التي تتلبس بها الشركات العابرة للقارات، وهو المنطق الذكي يجعل من أبناء مناطق الصحراء التفطن إلى تلك المخططات والأساليب الجديدة التي تستخدمها الحركة الاستعمارية، والتي تدفع إلى حرمان أهل هذه المناطق من المستقبل من خلال الاستحواذ على الثروات التي تجد الإنسانية نفسها مجبرة على بناء مستقبلها منها

الحسابات الغامضة

من يتابع وثائق مراكز صناعة القرار الدولي ويطلع على الدراسات والأبحاث التي تنتجها مخابر التفكير العالمية، والتي تستند عليها مركز صناعة القرار، يدرك ببساطة مسار التوجه العام للصراع الدولي في المراحل القادمة، فالدول الكبرى أدركت أن المجال الحيوي يوجد في المناطق الصحراوية، وبالذات تلك المناطق التي ما تزال عذراء ولم تستنفذها الحركة الاستثمارية الدولية ولم تستنزف ثرواتها المتوارية، وخاصة ما يعرف اليوم بثروة (الموارد النادرة)، التي أصبحت المادة الخام للصناعات الإستراتيجية المستقبلية.

إن ثروة (المواد النادرة)، أصبح السيطرة عليها المفصل المحوري للشركات العابرة للقارات، والتي تتحكم في إدارة العالم، مما جعلها تتجه نحو مباشرة خطوات الاستحواذ على المناطق الصحراوية التي ما تزال عذراء، وهي تباشر مراحل السيطرة عبر صناعة الأزمات وأثارت الصراعات، وتحويل هذه المناطق إلى مواقع التنازع الدولي، والدفع بها إلى خوض الحروب والصدامات لتأتي المراحل اللاحقة لهذه الشركات للتدخل عبر وسائل ما يسمى المجتمع الدولي، ليكون الهدف في النهاية بسط السيطرة علي الثروات الباطنية، وأزاحت سكانها وحرمانهم من هذه الثروات، عبر صفقة تخليص السكان من بشاعة الحروب ومنغصات الأزمات التي تورطوا فيها وعجزوا عن التخلص من شرورها.

إن الشركات العابرة للقارات والتي تستخدم أدوات المجتمع الدولي والقانون الدولي، وسيلة للاستحواذ على ثروات الصحاري في المناطق العذراء، تتجه نحو السيطرة الكاملة على هذه المناطق، عبر الاستفادة من مناخها الطبيعي، والذي يشكل الحل الأنسب للمخلفات البيئية التي أفرزتها المدينة، والحركة الصناعية، وهو ما يبرز في تلك المشاريع العملاقة التي تنجزها هذه الشركات المتمثلة في المشاريع السياحية ذات الطابع الترفيهي، والتي لها فوائد أخرى غير المعلن عنها، مما يجعل النظرة الكونية التي تتبناها الشركات العابرة للقارات مغايرة تماما عن تلك النظرة التقليدية للمفهوم التقليدي للاستثمار.

الثروة والاستثمار

من خلال التمعن في التجارب الإنسانية لمختلف الثقافات والحضارات المتعاقبة، ينكشف لنا تلك النماذج الناجحة التي استطاعت أن تنتبه لأهمية الصحراء، والسعي إلى الاستثمار في الكنوز التي تختزنها رمالها، بالرغم من الظروف الطبيعية القاسية، فزيادة على ارتباط الصحراء بثروة النفط والغاز، وما خلفته من تحولات كونية في العديد من المجتمعات الصحراوية، إلا أن الاندفاع نحو السير في طريق اكتشاف المزيد من الثروات التي تختزنها الصحراء كان الدافع نحو التطلع إلى الأرباح الكبيرة التي يجنيها الاستثمار في الصحراء.

لقد أفرزت الاستثمارات الضخمة في المشاريع السينمائية الكثير من الفوائد للشركات الدولية التي غامرت بالاستثمار في مجال الصناعة الثقافية عبر السينما التي بقدر ما أدرت على هذه الشركات الأرباح الخيالية بقدر ما استخدمت في إحداث التغيير الثقافي والتحول الاجتماعي، عبر المحتوى الفني الذي أنتجته هذه الشركات من خلال استثمارها الثقافي في الصحراء، وهي الاستثمارات التي نبه إليها وحرض عليها المثقفون من المستشرقين والرحالة والمستكشفون على آثار الحضارات القديمة وبالذات في مناطق الشرق الأوسط.

إن الصحراء الجزائرية ما تزال بكرا وميدان خصب قابل للاستثمار الثقافي (السينمائي، الفني، التنقيب الاركولوجي، الإعلامي الوثائقي، ….)، مما يمكن أن تكون عائداته الاقتصادية والمالية أكبر من كثير من تلك الثروات التقليدية (البترول والغاز)، زيادة على ما يتم تداوله اليوم من (الثروات النادرة)، التي أصبح مستقبل الإنسانية مرهون بامتلاكها، وهي المتواجدة بكثرة في المناطق الصحراوية، وفي صدارتها الصحراء الجزائرية المفتوحة على الصحراء الإفريقية.

الرمل عنوان الصحراء الذي يأبى التيهان

عنوان الصحراء

الرمل… هذا الكائن الصامت الذي يملأ الفراغ ويبتلع الخطى، ليس جماداً كما يتوهم من لم يسكن الصحراء، بل روحٌ تهمس في أذن الوجود، وتعيد صياغة معنى البقاء والفناء. إنّه التاريخ وقد تفتّت، والذاكرة وقد تحوّلت إلى ذرات تذروها الرياح ثم تجمعها من جديد، في دورةٍ تشبه دورة الإنسان نفسه. في الرمل سرّ لا يُقال، وسكون يخفي حركةً خفيّة، ونورٌ يتكسّر على حبيباته كما تتكسّر الأحلام على حدود الواقع.

عندما يتأمل البدوي الكثيب عند الفجر، يراه ككائنٍ يتنفّس. تغيّر الرياح ملامحه، لكنه يبقى هو، مثل الروح التي تتبدّل وجوهها ولا تفقد جوهرها. يقول أحد شيوخ الطوارق: «الرمل لا يشيخ، لأنه لا يتذكّر». ما أعجب هذا القول! فالرمل هو النسيان الذي يصنع التاريخ، وهو الفناء الذي يُنبت الحياة. كلّ خطوةٍ فوقه تشهد على مرور إنسان، وكلّ هبة ريح تمحوها لتجعل المكان طاهراً من الأثر، وكأنّ الأرض تعيد نفسها من البداية كلّ صباح.

كذلك هو الرمل، نفسٌ كبيرة في جسدٍ متعب من الرياح، يسافر في مكانه ولا يبرح. يمارس الوجود دون أن يتكلم، ويمحو أثره كي يثبت أنه لا يموت. ولعلّ الرمل هو أول درسٍ في الفلسفة الصحراوية: أن تكون متحركاً في سكون، وأن تتقن فنّ الزوال دون أن تزول.

من يقرأ الرمل بعين الأنثروبولوجي لا يرى فيه مجرّد مادةٍ من الطبيعة، بل نصّاً مفتوحاً كتب فيه الإنسان كلّ معاني العطش والخوف والنجاة. في حبيباته حكايات الأقدام القديمة التي عبرت القوافل، وفي مساحاته وعودٌ لم تتحقق بعد. فالصحراء ليست فراغاً، بل امتلاءٌ بالرمز، والرمل هو الكتاب الذي كُتبت عليه أسطورة البقاء.

يقول شاعر من الطوارق فيما معناه:

> «الرمل لا يكذب، إنه يحفظُ الأثر حتى وإن تاه صاحبه».

تلك العلاقة الغامضة بين الإنسان والرمل ليست علاقة سكنٍ فحسب، بل علاقة مصيرٍ وتاريخ. فالرمل هو الرفيق الأول للتيه، والمعلّم الأول للتواضع. كلّما رفع الإنسان رأسه ليظنّ أنه بلغ القمة، جاءته عاصفة تذكّره بأنّ ما فوق الكثيب، أسفله بعد حين. في بيئةٍ كهذه يتعلّم المرء أن الحكمة لا تُقال، بل تُدفن في الرمل مثل كنزٍ من المعاني، وأن الصمت أبلغ من أيّ كلام.

في المدن، حين يُستخدم الرمل للبناء، يغيب عنه سرّه القديم. يتحوّل إلى سلعةٍ صمّاء، يفقد روحه التي كانت تعيش في يد الريح. أما في الصحراء، فكلّ ذرّةٍ منه تعرف اتجاه القبلة، وتعرف أسماء النجوم. من الرمل صُنعت البيوت الطينية التي تشبه الأرحام، تحمي الإنسان من حرّ الشمس كما تحميه من جفاف المعنى. من الرمل تنبع الدروس: كيف يكون الثبات في التبدّل، وكيف تُستخرج الحياة من القفر.

يقول درويش:

> «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

ولو كتب شاعر الصحراء لقال:

«على هذا الرمل ما يعلّم معنى الحياة».

كم من شاعرٍ أو رحّالة جلس على كثيبٍ في مساءٍ بعيد، يحدّق في امتدادٍ لا نهاية له، فشعر أنه يطلّ على داخله! الرمل لا يُرى فقط، بل يُسمع. حين تهبّ الريح، يُصدر الرمل موسيقى خافتة تشبه أنيناً من زمنٍ سحيق، كأنّ الأرض تهمس بلغتها الأم. تلك الموسيقى هي ما سمّاه بعض الأنثروبولوجيين «صوت المكان»، وهي التي جعلت من الصحراء معبداً لا جدران له، ومكتبةً بلا أوراق.

في بعض الطقوس القديمة، يُستخدم الرمل للتطهير، وللشفاء، وللدفن أيضاً. إنّه يبتلع الجسد ليصونه من العفن، كما يصون السرّ في عمق الصمت. حين يموت أحد أبناء الصحراء، يُدفن في الرمل الذي عاش عليه، وكأنّ الأرض تعيده إلى حضنها برفقٍ وحنان. هنا يتجسّد المعنى الأنثروبولوجي العميق: الإنسان ليس ضدّ الطبيعة، بل امتدادٌ لها، والرمل ليس خصمه بل مرآته.

قال أحد الحكماء العرب:

«إنّ المخلصين كالذين يمشون على الرمل، لا يُسمع صَوتهم ولكن يُرى أثرهم».

وما أصدق هذه الصورة في وصف علاقة الإنسان بالرمل، فكلّ ما هو صادق لا يحتاج ضجيجاً ليُرى. الأثر الهادئ الذي يتركه المارّ على الرمال يساوي كلّ الصرخات التي تضيع في الهواء. إنّها بلاغة البساطة، وجمال الصمت، ونبل الوجود الهامس.

وحين نقرأ الشعر العربي القديم، نجد الرمل حاضراً كرمزٍ للتيه والحنين. فها هو امرؤ القيس يشكو مرارة الغربة فيقول:

> «وليلٍ كموج البحر أرخى سدولهُ * عليّ بأنواع الهموم ليبتلي».

وكأنّ هذا الليل الطويل لا يمتدّ فوق الأرض بل فوق رمالٍ لا تنتهي. ثم يأتي العصر الحديث ليعيد للرمل رمزيته الفلسفية، فيكتب نزار قباني:

«وما بين رملٍ وموجٍ وساعةِ رملٍ يضيع الزمان».

هكذا يربط الشعراء بين الرمل والزمن، بين الحاضر الذي يتسرّب من بين الأصابع والمستقبل الذي يُعاد تشكيله مع كلّ ريح. فالرمل ليس ثباتاً، بل حركةٌ أبدية تُذكّرنا بأن كلّ شيءٍ قابل للتغيّر. إنه مرآة الوجود في أدقّ تجلياته.

وللرمل أيضاً بُعدٌ اقتصادي وثقافي في حياة الإنسان الصحراوي، فهو مادة البناء والزجاج والطريق، لكنه قبل ذلك مادة الحلم. لا شيء يعلّم الصبر مثل السير على الرمل، ولا شيء يربّي البصيرة مثل تتبّع أثرٍ يختفي أمامك ثم يعود خلفك. ولأنّ الإنسان ابنُ أرضه، صار الرمل جزءاً من هويته. حين تقول امرأة طارقية لابنها: «لا تخرج وقت الريح»، فهي لا تحذّره من الغبار، بل تعلّمه كيف يحترم الكائن الذي يعيش معه – الرمل.

الرمل في الثقافة ليس مادة للراحة فقط، بل مادة للتأمل. من يضع كفّه على الرمل يشعر بحرارةٍ قادمةٍ من عمق الزمن. ومن يغرس قدمه فيه، يشعر أنه يشارك في كتابة التاريخ دون قلم. لهذا قال شاعرٌ مجهول من أهل الصحراء:

«كلّ رملةٍ تعرف اسم صاحبها، وإن نسيه الناس».

إنها نظرة أنثروبولوجية صافية: العلاقة بين الإنسان والمكان ليست علاقة امتلاك، بل علاقة تداخلٍ وتذكّر.

وفي زمن الحداثة، تغيّر وجه الرمل كما تغيّرت وجوهنا. صار مورداً اقتصادياً، يدخل في صناعة الزجاج والرقائق الإلكترونية. صار جزءاً من المدن التي حاربته طويلاً. ومع ذلك، يبقى الرمل في عمقه هو ذاته، يحتفظ بسره القديم، ويعلّمنا أن الأشياء البسيطة هي الأعمق. فمهما غابت الصحراء خلف الإسمنت، يظلّ الرمل حاضراً في ذاكرتنا، في صور الحلم، وفي رمزية العودة إلى الأصل.

ربّما لهذا قال المتصوّفون: «من لم يعرف الرمل، لم يعرف الفناء». لأنّ في الرمل درساً في الزوال الجميل، وفي الخفة التي تُبقي المعنى دون الشكل.

في النهاية، لا يمكننا أن ندرس الرمل كما ندرس أيّ مادة أخرى، لأنه يهرب من بين الأصابع كما يهرب الزمن من الذاكرة. إنّه يشبه الإنسان في هشاشته وصلابته معاً. يتكوّن من فتات الصخور القديمة، ومع ذلك يبني جبالاً من المعنى. كلّ حبةٍ منه تحمل سرّ حياةٍ مضت، وغمزة ضوءٍ من شمسٍ ولّت.

الرمل هو القصيدة التي كتبتها الأرض على جسدها كي تتذكّر أننا منها وإليها نعود.

هو الصمت الذي يملأ الكلام بالمعنى، والعدم الذي يمنح الوجود شكله الأخير.

هو المعلّم الذي لا يتكلّم، لكن من عرفه تغيّر إلى الأبد.

«على هذه الشطآن أسعى إلى الأبد، بين الرمل مسعاي وبين الزبد…»

وفي هذا السعي الأبدي بين الرمل والزبد، بين الثبات والتحوّل، تتجلّى إنسانيتنا العميقة: نحن أثرٌ عابر على وجه الأرض، تمحوه الرياح وتعيد رسمه، كما يمحو الرمل أثر القدم ثم يعيده في اليوم التالي.

فهل نحن الذين نترك الأثر، أم الأثر هو الذي يتركنا؟

سؤالٌ يبقى، كما يبقى الرمل، بلا جوابٍ نهائي.

الرّمل.. فتنة الصحراء

فتنة الصحراء

في البدء كان الرّمل.. يقولون عنه فتنة ضيف الصحراء، وصَبْوَة مولى الدّار، حيثما ذُكرت الصحراء، إلا وارتسمت في مخيلة المتلقي لازمة الرّمل، حتى غدا هذا الجبّار علامة عليها عند فقهاء السّيمياء، هو ـــ على أيّة حال ـــ ناقٍ كالقطن، ناعم كالحرير، أي والله.. صُفرته فيها حُنوّ، لا يظلمُ بياض ثوبٍ، يمكنكَ أن تجلسَ وتتمرّغَ عليه، دون أن تجدَ منه وساخةً بعد قيّامكَ، ولله في خلقه شؤون..

لقد ظلّت الصحراء عند المتأملين حقلا خصبا لمشاتل دهشتهم، وأرضا بطحاء لفسائل متاهتهم، تدعو حبيبتنا كلّ فيلسوف متأمّل بالأحضان، وسائح يروم فُرجة السّلوان، ينال منها الطّالب ما طلب، والرّاغب ما رغب.

بيد أن لصاحبنا الرّمل ــ قدّس الله ذكره ــ حكايات وطرائف مع أهل الغرب، ولا أحسبُ الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس مخطئا، عندما استلهم منه عنوانا لإحدى قصصه الرّائعة، فوسمها بـكتاب الرّمل (El libro de arena) بالإسبانية، عندما اتخذه رمزا لا متناهيا من الكتب في مكتبته، ولم يبتعد عنه الشاعر الإنجليزي ويليام بليك، عندما اختصر الكون في حكمته، فقال: “العالم في حبّة رمل”، إنها رؤية عظيمة في تكثيف الأفق اللاّمتناهي في ذرّة، الظّاهر أن الصحفي الأمريكوكندي (فينس بيسر) سار على هديه، عندما ألّف كتابا وسَمَ عنوانه (العالم في حبّة رمل.. قصة الرّمل وكيف حوّل الحضارة)!

لو وقف أمر سيّدنا عند هذا، لقلنا راحة وتخفيفا، الغريب أن هذا السلطان النّاعم، بات خطّ المشعوذين، نسأل الله السّلامة، لا يحلو لهؤلاء القوم، من متون طلاسمهم، وحاشية جداولهم، سوى أن يسوّقوا تجارتهم بصيّاغة ذلك العنوان العريض لحرفتهم، فقالوا: خطّ الرّمل، وقد تفطّنتْ الروائية القديرة هاجر قويدري، في آخر رواياتها الموسومة بهذا العنوان.

ألم أقل لكَ إن حاله طريف؟ لا أدري تحديدا متى بدأ غرامي مع هذا الرّمل العتيد، تراني طفلا يتعثّر في عباءته، ويلهو بتمائم رقبته، التي جُلّدت وحُمِّرت زينةً يوم ختانه، عند الشرّاك البوعلاوي ولد (لَمْعَلّمْ)، أخرجُ من الباب الوحيد للقصبة، وأسرح بجَنان القصر (أجْدَلْ)، قد أقفُ عند ساقية رسَب فيها رمل الرّيح، فدَنوتُ وجلستُ سيفها أبني قصورا من الرّمل المقطّر من بين أصابعي أو أكون لمحتُ في سقف مسجدنا، بيتا مشابها لهذا البناء المقطّر بالرّمل، لطائر وديع ندعوه في لهجتنا بـ(السَوّيفْ).

تراني بعد ذلك في المواسم والأعياد مع رفاقي الصبيان، نركب الحمير، بعد حزامها بالدبش وبسط الغرارة عليه، حتى تستوي ظهرا مبسوطا للرّاكب، نشرّق أعلى القصر، حتى نبلغ وادي (رَحيلْ)، حيث تجتمع الرّمال الصفراء النّاقية، نملأ غرائننا منها، قاصدين بيتونا، التي نكسوها به أفرشة للجالسين.

يذهب المازحون في القول، إن النّعامة سُئلت ذات يوم: لِمَ تخفينَ رأسكِ في الرّمل، قالت: حتى أرى كم من القصور والكنوز التي حمّلها البشر معهم إلى عالمهم الآخر! صدقت وما كذبت.

لا أحسبُ متناً سردياً أو جرسا شعريا، انبرى للكتابة عن فضاء الصحراء، ولم يذكر مولانا الرّمل، خذها بلا عناء، من الكتابات الأولى لمحمد ولد الشيخ في رواية (مريم بين النخيل) الصادرة بالفرنسية خلال الثلاثينات من القرن الماضي، مرورا بالكّتاب المكرّسين الزائرين، الذين نزلوا ضيوفا على الصحراء فألهمتهم، كرشيد بوجدرة في رواية (تيميمون) أو الحبيب السّايح في رواية (تلك المحبّة) أو السّعيد بوطاجين في رواية (أعوذ بالله)، وصولا لكاتب السطور في رواية مملكة الزيوان، والرفيق عبد الله كرّوم في مجموعته القصصية حائط رحمونة، وجميلة طلباوي في روايتها القصيرة وردة الرّمال، وعبد القادر ضيف الله في رواية تنزروفت، وما أتى بعد الجيل المعبّد من نصوص، كرواية رمال متحرّكة لعائشة بويبة، وعبد القادر مجبري في مجموعته القصصية تغريدات تواتية، وعبد القادر بن جعفري في رواية أمقوس، وباقي النصوص التي تضيق معدة هذا المقال بذكرهم وحصرهم.

السيّاح المغرمون بالصحراء، لم يفرّطوا في ابتداع هوايات طريفة تتصل بعروق الرّمل والتزحلق عليها، حتى غدت عروق بني عبّاس وتاغيت وكرزاز من نواحي وادي الساورة، ميادين ومحطّات للسباق والنزهة، مما جعل أهل الضيافة يخصّصون مراكب لهذا الفنّ من التزحلق.

حظوة الصحراء الجزائرية من هذا الكنز الوفير، تمثّلت في ستّة عروق، أولها العرق الشرقي الكبير، ثانيها الغربي الكبير أيضا، أو كما يحلو وصفهما ببحري الرّمال، بمساحة إجمالية تقدّر بـ(000270)كم²، يحوز الشرقي منها على ثلثي المساحة، ثالثها عرق الراوي، الذي يمتدّ غرب فم الخنق (حدود السّاورة جنوبا) ليصل إلى تبلبالة، رابعها عرق شاش، الذي يكتسح الصحاري الغربية لأدرار حتى موريتانيا، خامسها عرق أقيدي، الموجود بصحاري تيندوف، سادسها الأخير يسمّى عرق آدْمَر، الذي يغزو الصحراء الواقعة بين جانت وتمنراست، تتسلّل هذه العروق إلى جوف الصحراء، فتتقاطع مع جبال الهقار والطّاسيلي شرقا، وواحات قصور السّاورة وقورارة وتوات غربا، وصولا إلى هضبة تادْمايت وحمادة تَنزروفت جنوبا، بساط وثير، يعلو ويسفل، ليصنع سيوفا وتموّجات كأثر الأفعى، تتهيّبه القوافل لكثرة ما يسرط أقدامها وحوافر بعيرها، فيتراخى سيرها وتطول المسافة.

وإن عرفنا صورته الجميلة الفتّانة، فله أخرى متغوّلة، غاية في التوحّش، إذ كثيرا ما تناهى إلى سمعنا من أخبار السابقين والخالفين، هجومه على قصور بأكملها فازدردها، حتى أصبحت أثرا بعد عين، لذلك حرص أهل القصور المجاورة لعروق الرّمل، على اختراع حيلة يصدّون بها زحفه المخيف، فعمدوا إلى صناعة سدّ الجريد، الذي نُطلق عليه في لساننا التواتي (أفْراق).

مهما كتب عنكَ الهائمون في ملكوت تضاريسكَ، وغنّى عنكَ المغرمون بجمالكَ، فإنكَ تبقى أيقونة الصحراء، التي تفاخر بها في معرض التضاريس وتُحف أخيلة الزائرين.. كم أنتَ جبّار يا رمل!

الرمل بين البناء والتجمل والممات عند إيموهاغ

رمل إيموهاغ

في حضن الصحراء الكبرى، حيث الرمل هو الكتاب الأول الذي خطّت عليه الحياة سطورها، يعيش مجتمع إيموهاغ في تآلفٍ عجيب مع ذراته، يقرأها كما تُقرأ الآيات، ويستدل بها كما يُستدل بالنجوم. فالرمل عندهم ليس جمادا ولا غبارا عابرا، بل كائن حيّ، ذاكرة تتنفس وتحتضن الوجود في دورته الكبرى: بناءً، وتجملًا، ومماتًا.

من الرمل تُبنى البيوت، لا كجدران صمّاء بل كامتدادٍ للأرض وأحشاء الوطن. حين يرفع البنّاء يده الملطخة برمل الوادي، يُدرك أنه لا يشيد سقفاً فحسب، بل يعيد وصل ما انقطع بين الإنسان ومصدره الأول. الطين الممزوج بالرمل هو روح القصر، يحتفظ برائحة المطر الأولى وبأنين الأزمنة. وحين تجفّ الجدران على مهل، تكون قد لبست جلد الصحراء وصارت كائنًا منها. من هنا لا يرى إيموهاغ في العمران انفصالاً عن الطبيعة، بل امتداداً لها، كأن الرمل يرمم ذاته في صورة المسكن، ويستعيد هيئته الأولى في مهاد الحياة.

وفي التجمل أيضاً، للرمل حضور خفيّ لا تخطئه العين. النساء حين يتهيأن للمناسبات الكبرى، يستعملن رمل الصحراء لغسل الجسد وتنقيته، فالرمل عندهن ليس مجرد مادة كاشطة بل طهارة رمزية، تُعيد الجسد إلى نقائه الأول. تُدلك به الأيدي والوجوه، حتى يصير الملمس ملساً كصفحة القمر، وتختلط رائحة الصحراء بعطر الطيب والزيت. في تلك اللحظة، يصبح الجسد امتداداً للرمل، وتتحول الزينة إلى حوار صامت بين المرأة والأرض. كأنها تستعير من الرمل بعضاً من سكينته وبعضاً من ضيائه، لتقول إن الجمال ليس ما يُضاف من الخارج بل ما يُستدعى من عمق التراب الذي منه خُلق الإنسان.

لكن أعظم تجليات الرمل تبقى عند الممات. حين يودّع أحدهم ميّته، يفرش الرمل جسده كما يُفرش المهد، يلفّه بطمأنينةٍ عجيبة ويعيده إلى حضنٍ لم يغادره يوماً. لا يضعون بين الميت والرمل حاجزاً، لأنهم يؤمنون أن الأرض تعرف أبناءها وتحنو عليهم. الرمل هنا ليس تراب فناء، بل رحم رجوع. يُهيلون عليه ذراته كما تُنثر البذور في موسم الزرع، في إشارة إلى دورة الخلق المستمرة، إلى أن الحياة والموت وجهان لزمنٍ واحدٍ يسكن في الرمل ذاته.

في الموروث التارقي، يقال إن “الرمل يسمع ويسير” وإنه يحفظ أثر الأقدام وأثر السرّ، فلا شيء يضيع في صمته إلا ليعود في شكل آخر. ربما لهذا يجلس الشيوخ في أمسيات الشتاء فوق رمالٍ مدفّأة بالنار، يروون الحكايات كما لو أنهم يوقظون الذاكرة من سباتها، ولعلّ الحكاية التي تُروى على الرمل تبقى حيّة ما بقي الرمل نفسه.

هكذا، يتجلّى الرمل في حياة إيموهاغ رمزاً كاملاً، يُشيّد البيوت ويحرس الجسد، يُزيّن المرأة ويحتضن الميت، يكتب الحكاية ويمحوها ثم يعيدها نقشا جديدا. بين ذراته يسكن سرّ التوازن بين الفناء والخلود، بين الزينة والزهد، بين الصمت والكلام. إنّ كل خطوة فوقه صلاة، وكل بناء به عهد، وكل دفنٍ فيه وعد بالعودة. فالرمل، في فلسفة الصحراء، ليس مادةً خاملة بل هو جوهر الوجود، منه يبدأ الإنسان، وفيه ينتهي، وبينهما يعيش متجملا ومطمئنا، كما لو أن الحياة كلها ليست سوى رحلة قصيرة فوق صفحة من ذهب خفيف اسمه الرمل.

الرمال.. ثروة اقتصادية نادرة

اقتصاد الرمل

تُعتبر الرمال متغيرًا فاعلًا في الحياة المجتمعية والاقتصادية؛ فبدون رمال، لا وجود للمدن، ولا للبنية التحتية، ولا للإنترنت. وقد يُنظر إلى هذا المورد الهام نظرة احتقار، وأنه متوفر في الطبيعة بالقدر الكافي، بل أحيانًا نسعى إلى البحث في كيفية التخلص منه، لكن الحقيقة ليست كذلك؛ فالطلب عليه يتزايد بشكل هائل، مدفوعًا بالتحضر والنمو السكاني، لدرجة أنه يُثير توترات اقتصادية وبيئية، بل وحتى جيوسياسية، إلى الحد الذي أصبح فيه البعض يتحدث عن حروب الرمال. فالرمل قضية استراتيجية عالمية، لا تقل أهمية عن النفط أو الماء. فهو قضية أساسية في التوترات الجيوسياسية ومصدر للضغوط البيئية. كما يؤدي الرمل دورًا هامًا في الحفاظ على التنوع البيولوجي، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرمل قابل للنضوب، وبالتالي هو مورد غير متجدد. وباعتبار الزيادة المستمرة في عدد سكان العالم، فإن ذلك يدفع إلى زيادة الحاجة إلى المساكن والبنية التحتية، وبالتالي إلى الرمل. ففي عام 1950، كان 17.5% فقط من الآسيويين يعيشون في المدن، أما اليوم، فتتجاوز نسبتهم 52%. وتضم أفريقيا حاليًا ثلاث مدن كبرى يزيد عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة: القاهرة، ولاغوس، وكينشاسا. وبحلول عام 2050، سيكون لديها ثلاث مدن أخرى: دار السلام، وجوهانسبرغ، ولواندا.

والرمال ليست نوعًا واحدًا لا من حيث مكوناتها ولا ألوانها، ولا من حيث مصادرها، فهي تتوزع على الشواطئ البحرية، وضفاف الوديان، وتكسير الأحجار، والمكامن الصحراوية، والكثبان الرملية. فالجزائر وحدها تضم أكثر من 40 نوعًا من الرمال مختلفة الألوان، إذ تختلف حسب مصدر الصخور المكونة لها وظروفها، إلا أن المكون الرئيس لها يبقى ثاني أكسيد السيليكون الذي يتمظهر في شكل معدن الكوارتز، وكذا كربونات الكالسيوم. ومن بين هذه الأنواع نشير إلى ما يُعرف بالأتربة النادرة التي تحوز الجزائر على 20% من مخزونها العالمي.

ورغم توفر بعض الدول على الرمال في صحاريها، فقد تكون غير صالحة لبعض الاستخدامات — كالبناء مثلًا — لأن حجمها دقيق لا يسمح بقوة التماسك حتى تُستخدم في الخرسانة، وهو ما أدى إلى تطوير تقنيات جديدة لجعل الرمال الناعمة صالحة للاستخدام في صناعة الخرسانة. وبسبب عدم صلاحية رمالها للبناء، نجد بعض البلدان كالسعودية مثلًا تستورد رمال البناء من أستراليا، والصين، وبلجيكا. وفي سنة 2018 كان أول مستورد للرمل البحرين بـ570 ألف طن، تليها الهند بـ520 ألف طن. ويُقدّر السوق العالمي للرمل بأكثر من 70 مليار دولار سنويًا. ولقد تم اعتبار الولايات المتحدة أكبر مُصدّر للرمال في عام 2017، حيث بلغت صادراتها 446 مليون دولار، مُمثلةً أكثر من ربع الصادرات العالمية، تليها هولندا (216 مليون دولار)، وألمانيا (134 مليون دولار)، وبلجيكا (119 مليون دولار).

فبعد الماء، يُعد الرمل المورد الأكثر استهلاكًا عالميًا، نتيجة تنوع وتعدد استعمالاته. فهو يُستخدم لأغراض صناعية متنوعة، مثل البناء (الخرسانة)، والتكنولوجيا (الرقائق الدقيقة)، بالإضافة إلى الزراعة المكثفة لإزالة حموضة التربة. كما يُستخدم في صناعة المنظفات، وفي صناعة مستحضرات التجميل، وفي تصنيع الزجاج والليزر، وفي التكسير الهيدروليكي. ويُستخرج من هذا المورد ما بين 40 و50 مليار طن سنويًا، وهي كمية تضاعفت ثلاث مرات خلال العشرين عامًا الماضية. ويعود ذلك إلى التغيرات الديموغرافية، والتوسع العمراني، وحركة السفر، وعادات الاستهلاك. وهو بهذا يُعتبر موردًا أكثر استغلالًا ومتقدمًا في ذلك بفارق كبير على النفط.

ورغم وجود الرمل ضمن مكونات الأجهزة الإلكترونية، وأجهزة الكمبيوتر والهواتف، والخلايا الشمسية، والشرائح التي تحتوي على ثاني أكسيد السيليكا، وهو مكون معدني من الرمل، فإن هذه الاستخدامات تكاد تكون معدومة مقارنةً بكميات الرمل المستعملة في قطاع البناء، حيث يصعب تقديم أرقام عالمية بهذا الخصوص. ولإعطاء فكرة عن حجمها، يُقدّر أن ثلثي كل ما يُبنى على كوكب الأرض اليوم مصنوع من الخرسانة، وهي مادة تتكون بدورها من الرمل والإسمنت. فلصناعة الخرسانة يقابل كل طن من الإسمنت 10 أطنان من الرمل. كما أنه لبناء منزل يتطلب الأمر ما بين 100 و300 طن من الرمل والحصى، ونحتاج إلى 30 ألف طن من الرمال لإنجاز كيلومتر واحد من الطريق السريع، كما أنه العنصر الأساسي في رصف الطرق.

والحقيقة أن أهمية الرمل لا تقف عند حدود صناعة الخرسانة وقطاع البناء، وإنما تتعدى إلى القطاع السياحي؛ فالسياحة الشاطئية هي أحد أبرز الأنماط السياحية، والتي يُعتبر فيها الشاطئ الوجهة السياحية الأمثل. وتُعد سياحة الشواطئ محركًا اقتصاديًا رئيسيًا للعديد من المناطق. والأمر لا يقف عند حدود الشواطئ بالنسبة للسياحة، وإنما يتعداها إلى ممارسات سياحية جديدة كالتزحلق على الكثبان، والسباق بالسيارات رباعية الدفع في الممرات الرملية وبين الكثبان في الصحاري. والأمر كذلك بخصوص السياحة العلاجية فيما يُعرف بالحمامات الرملية التي يلجأ إليها المرضى بالروماتيزم وأمراض المفاصل بغرض دفن أنفسهم في الرمال وفق تقنيات وضوابط معروفة لدى الممارسين، وهذه الممارسة من أبرز العوامل المساهمة في إقبال السياح على مناطق الجنوب الجزائري حيث تنتشر الكثبان.

كما يُستخدم الرمل أيضًا كمصفاة طبيعية في ترشيح المياه في محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وفي عمليات استصلاح الأراضي، التي تشمل استصلاح الأراضي من البحر، حيث يستهلك الاستصلاح كميات هائلة من هذا المورد الثمين. وتسمح هذه التقنية باستصلاح الأراضي من البحر عن طريق ردمها. وتُستخدم هذه التقنية على نطاق واسع من قبل الدول التي تحد من طموحاتها صغر مساحتها، وخاصة في هونغ كونغ وسنغافورة ودبي وهولندا. وهكذا، منذ عام 1960، وسعت دولة سنغافورة أراضيها بنسبة تقارب 25%. ويمثل هذا زيادة إقليمية تبلغ حوالي 150 كيلومترًا مربعًا، إلا أن هذا تطلب نقل أكثر من 500 مليون طن من الرمال.

وللحد من المخاطر البيئية للاستغلال المفرط وغير العقلاني للرمال عبر العالم، أوصت الأمم المتحدة للبيئة سنة 2022 باتخاذ إجراءات على عدة أصعدة:

  • تطوير اقتصاد دائري: إعادة استخدام الرمال في المناقصات العامة، وإعادة تدوير مواد الهدم، إلخ.
  • استخدام حلول بديلة، مثل الصخور المُكسرة؛
  • تحسين حوكمة ممارسات الاستخراج والإدارة من خلال الهياكل المؤسساتية والقانونية؛
  • تطوير بحوث تُرسم خرائط موارد الرمال وترصدها وتُقدّم تقارير عنها.

من الرمل إلى الهوية.. ملامح الانتماء في المعيش الصحراوي

ملامح الانتماء

في الصحراء لا يكون الرمل مجرّد امتداد جغرافي أو عنصر طبيعي ساكن بل يتحوّل إلى مرآة للوجود الإنساني؛ وإلى رمزٍ تتشكّل من خلاله معاني الانتماء والهوية. فكلّ ذرّةٍ من رمال الصحراء تختزن في عمقها ذاكرة الإنسان وملامح عيشه وتستعيد بصمتها الأثرية كلّ خطوةٍ مرّت فوقها كأنها تُعيد كتابة التاريخ في لغةٍ لا تُقرأ بالحروف بل بالأثر والممارسة. في فضاءات المعيش الصحراوي تتجلّى العلاقة بين الإنسان والرمل كنوعٍ من التفاعل الرمزي المستمر؛ علاقة تقوم على التبادل لا على الهيمنة، وعلى المعنى لا على المنفعة. فقط؛ هناك يتعلّم الإنسان أن يقرأ العالم عبر تفاصيل بسيطة في الجلسة على الرمل في جلسة الشاي والتسامر ليلا في بناء الخيمة في التيمم حين يشحّ الماء في اللعب في أجواء مرحة؛ لتغدو هذه التفاصيل اليوميّة علاماتٍ رمزية تترجم انتماءه إلى المكان والزمان والجماعة. إنّ الهوية في هذا السياق ليست معطًى جامدًا، بل مسارٌ من التفاعل والمعنى تُبنى من خلال الممارسة اليومية التي تربط الذات بمحيطها الرمزي. وهكذا يصبح الرمل في الوعي الصحراوي أكثر من مجرد مادة؛ إنه لغة انتماءٍ تُكتب بالجسد والذاكرة، وتعبّر عن توازن الإنسان مع بيئته وعن قدرته على تحويل البسيط إلى دلالة وجودية عميقة.

 الرمل كفاعلٍ رمزي في تفاصيل المعيش الصحراوي

الحياة في فضاءات الرمل لا تُختزل في مواجهة الطبيعة القاسية بل تتجسّد كنوعٍ من التفاوض الهادئ مع العالم. فالرمل ليس خصمًا للإنسان بل شريكٌ في بناء معنى الوجود اليومي. في كل حركةٍ من حركات الحياة، يحضر الرمل بوصفه عنصرًا مشاركًا في الفعل الاجتماعي: في الجلوس على الأرض، في بناء المسكن الطيني في إعداد الشاي و القهوة ، في لحظة التيمم حين يغيب الماء، وحتى في ألعاب الأطفال التي ترسم حدود الخيال فوق الكثبان.من منظور الفعل الرمزي، كلّ ممارسةٍ من هذه الممارسات اليومية هي إعلانٌ للهوية بقدر ما هي استجابةٌ للبيئة. فعندما يجلس الإنسان على الرمل، فإنه لا يبحث عن راحة الجسد فقط بل يؤكّد رمزيًا مساواته مع الأرض ومع الآخرين؛ وحين ينام عليه، يوقّع مصالحة مع المكان، كأنه يعترف بحدوده ودفئه في آنٍ واحد؛ أما حين يترك أثر قدمه على الرمال فإنه يدوّن حضوره في سجلٍّ لا يُمحى حضورًا يتجاوز الزمان إلى الذاكرة.بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الرمل كعنصرٍ طبيعي جامد، بل كـ فاعلٍ رمزي واجتماعي يشارك في تشكيل إيقاع الحياة اليومية، ويمنحها معناها العميق.إنه الوسيط الذي تتفاعل من خلاله الذات الصحراوية مع العالم، لتجد في بساطته امتدادًا لذاتها، وفي اتساعه صدىً لحريتها.

 المعنى الرمزي للرمل والهوية المتجذّرة

يقول هربرت بلومر إن الإنسان “لا يتفاعل مع الأشياء كما هي، بل كما يمنحها من معنى”، وهذه الفكرة تفتح لنا أفقًا لفهم العلاقة التي تربط الإنسان الصحراوي بالرمل. فالرمل في الوعي الجمعي ليس مادةً تُداس أو تُتجاهل، بل ذاكرة حيّة تستدعي الأصل وتختبر الثبات في وجه التحوّل. إنه عنصر يربط الإنسان بجذره الترابي، ويذكّره بأن الهوية لا تُورث فقط، بل تُمارس وتُعاد صياغتها في تفاصيل الحياة اليومية. حين يتيمم المرء بالرمل في طقس التيمم، لا يؤدي مجرد فعلٍ دينيٍّ شكلي، بل يمارس فعلًا رمزيًا مزدوجًا: تطهير الجسد واستعادة الأصل. فالمسحة على الوجه واليدين ليست سوى ترجمة حسية لمعنى الانتماء إلى الأرض الأولى، إلى التراب الذي منه خُلق الإنسان وإليه يعود. وهكذا يتحوّل الفعل الطقوسي إلى رمزٍ للهوية المتجذّرة، يربط الجسد بالذاكرة، والمقدّس باليوميّ، والطبيعة بالمعنى. وفي المشهد ذاته، حين تمشي النساء على الرمال في طقوس الحياة اليومية وهنّ يحملن الماء أو يجمعن الحطب أو يجلسن في ظلّ الكثبان فإنهنّ يكرّرن فعل الانتماء بالأقدام، ويجدّدن ارتباط الهوية بالأرض عبر إيقاعٍ يوميٍّ متوارث.
بهذا الشكل، تتحوّل العادة إلى علامة والممارسة إلى لغة رمزية تحفظ المعنى من الذوبان.

من الرمل إلى المدينة.. صراع الرموز واغتراب الهوية

حين يغادر ابن الصحراء فضاءه الرملي نحو المدينة لا يبدّل مكانًا فحسب بل يبدّل نظامًا رمزيًا كاملًا.
في الصحراء كان يعيش في اتساعٍ يقرأ فيه العالم بلغة الرمل والسكينة أما في المدينة فيجد نفسه وسط أبنيةٍ صلبة لا تحفظ الأثر وأصواتٍ عالية تُخفي الصمت الذي كان يهب المعنى.
يتحوّل الرمل هنا إلى ذاكرة غائبة وتغدو الأسمنتات بديلًا لا يحمل الروح ذاتها، فتبدأ أزمة المعنى التي تمسّ جوهر الهوية.في المدينة الرموز التي كان يفهم بها العالم تتبدّل: فالجلسة على الرمل تستبدل بمقعدٍ بارد، والسكون الليلي بضجيجٍ لا يهدأ والعلاقة الحيّة بالمكان بعلاقةٍ استهلاكيةٍ به.
إنه انتقال من فضاءٍ يتكلّم رموز الانتماء إلى فضاءٍ تُهيمن عليه رموز المنفعة ومن ممارسةٍ للبساطة إلى اغترابٍ في وفرةٍ مادية بلا معنى.في هذا الصراع بين الرموز يشعر الإنسان الصحراوي أن هويته تُختبر؛
كيف يحافظ على معاني الرمل  البساطة، الاتزان، التوازن الداخلي  وسط عالمٍ يغري بالسرعة والتكدّس؟ كيف يبقي على نظرته الأفقية للحياة في فضاءٍ عموديٍ تحكمه الأبراج والإشارات الضوئية؟

العودة إلى الرمل في هذا السياق لا تكون حنينًا جغرافيًا، بل عودة رمزية إلى الذات الأولى:
إلى لغةٍ يفهمها الجسد، وإلى إيقاعٍ يستعيد به الإنسان توازنه الداخلي.فالصحراء ليست موطنًا فقط، بل مرجع للمعنى، يعود إليها الفرد ليقيس بها صدق وجوده في عالمٍ فقد تواصله مع رموزه الأصلية.

الرمل والعادات اليومية الهوية التي تُمارس

في تفاصيل الحياة اليومية يظهر الرمل كعنصرٍ مألوفٍ ومتجدد في آنٍ واحد يحضر في الطقوس البسيطة كما في الأفعال الكبرى ليذكّر الإنسان بانتمائه وبقدرته على تحويل العادة إلى معنى.فحين يُغسل الإناء بالرمل في غياب الماء أو يُبنى الجدار الطيني بامتزاج التراب والماء، أو تُقام جلسة السمر فوق الكثبان فكلّ فعلٍ من هذه الأفعال اليومية ليس مجرد استجابةٍ لظرفٍ مادي، بل ممارسة رمزية لهويةٍ متجذّرة في المكان.في العلاج الشعبي، مثل “الحمّام الرملي” الذي يمارسه  سكان الصحراء يتجاوز الرمل دوره كعنصرٍ طبيعي ليغدو وسيطًا للشفاء والتطهر والاتصال بالأرض الأمّ.وفي طقوس اللقاء أو الاحتفال حين تُفرش الرمال كمجلسٍ أو مائدةٍ أو موضعٍ للضيافة، فإنها تذكّر الضيف والمضيف معًا بأن الانتماء يبدأ من الأرض، وأن الجلوس عليها فعل اعترافٍ بالمشترك الإنساني.كل هذه الممارسات اليومية تُعيد إنتاج الهوية لا بالكلام، بل بالفعل؛ فهي ليست شعاراتٍ تُقال، بل عاداتٍ تُمارس تُجسّد التفاعل الرمزي في أبسط صوره.فالإنسان يمنح الرمل معنى، والرمل في المقابل يعيد للإنسان وعيه بالاستمرار، كأنه يذكّره في كل لحظة بأن الحياة، مهما تغيّرت، تُبنى من البساطة والصبر والتوازن.

الخاتمة:

ليس الرمل في جوهره مجرد ذراتٍ تُبعثرها الرياح بل ذاكرة وجودية تحفظ أثر الإنسان وتعيد تشكيل علاقته بالعالم.في فضاء الصحراء، حيث يمتزج البقاء بالمعنى، يصبح الرمل لغةً للحياة اليومية، تُكتب بها سيرة الإنسان في المكان، وتُعاد من خلالها صياغة هويته عبر الزمن.من منظور المعيش الصحراوي، الهوية لا تُستمد من الدم أو النسب، بل من المعنى الذي يولد من التفاعل بين الذات ومحيطها الرمزي.
إنها هوية تُمارس في الجلسة على الأرض، في خطوات السير على الكثبان، وفي الطقوس التي تربط الجسد بالتراب، والإنسان بالذاكرة.وفي كل ذلك، يظلّ الرمل شاهدًا وشريكًا في بناء هذا المعنى، يربط بين الأصل والامتداد، بين الماضي واليومي، بين الإنسان وما يتجاوز الإنسان.

وحين يعود ابن الصحراء إلى رمله بعد غياب، لا يعود إلى المكان فقط، بل إلى نظام رمزي للحياة يستعيد به توازنه الداخلي.فالرمل لا يذكّره بماضيه فحسب، بل يعيد إليه إحساسه بالثبات في وجه التحوّل، وبأن الهوية ليست ما نحمله في الذاكرة فقط، بل ما نعيد ممارسته في تفاصيل الحياة.هكذا يغدو الرمل هويةً تقاوم الزوال، ومعنى يتجدّد كلما لامسته الأقدام أو سكنته النظرات.إنه شاهدٌ على حضور الإنسان في التاريخ، وعلى قدرته على تحويل البساطة إلى فلسفة وجود، والاعتياد إلى فعل رمزيٍّ يؤكد أن الهوية تُبنى في الصمت كما تُبنى في القول، وفي الرمل كما تُبنى في الذاكرة.

أأ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
أأ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
تم نسخ الرابط ✓
لا يتوفر إصدار صوتي حالياً
أ أ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
0:00 / 0:00
هذا الصوت مولد آلياً بالذكاء الاصطناعي، وقد يحتوي على أخطاء بالنطق