ليس توظيف التراث في الرواية، من نوافل سدّ الفراغات أو اكتساح بياض الورق، عندما يُستنزف السّرد، وتَحْرنُ القريحة كما يتهيأ للبعض، الأمر أبعد من ذلك.. وإن كنا لا نبعد أحيانا استغلال الكاتب بوعي منه أو بغيره لتلك المكونات، غايةً وتوسّلا في تكملة حجم النّص المراد، حتى ليغدو متخماً حدّ القرف، ومهما يكن، فإن تأثيث النّص الروائي بالتراث، تشرعنه قابلية الرواية واتساع خصرها للانفتاح على الخطابات والاستثمار في الأجناس الأخرى.
فعند ردّنا الكلمة لجذرها الثلاثي (و.ر.ث) التي تعني الميراث عند القدامى، الذي يحيل على التّركة التي يخلّفها الميّت لورثته، وهو فهم مغاير لما بات يطلق عليه التراث في العصر الحديث والمعاصر، وتعديته إلى الموروثات المعنوية، كالقيّم، الأفكار، الممارسات، الطقوس، مع استيعاب المصطلح للموروثات المادية طبعا، كالمخطوطات، والقصبات وغيرها.
بيد أن مسألة التراث والحداثة عموما، أخذت أبعاداً سجالية، بين رافض بالمطلق، وآخر مستبحر في الغرق، مما جعل بعض المفكّرين العرب المعاصرين، يولون القضية صدرا صالحا من عنايتهم واهتمامهم، أذكر منهم على وجه التمثيل، الدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور محمد عابد الجابري، حتى أني لا أكاد أدخل كتابا من كتبهما، دون الخروج ناجيا من خضّ ملبنة الأصالة والمعاصرة، وهي مسألة جوهرية في العقل العربي، لارتباطها بالهوية والذاكرة، إذْ كثيرا ما زرتُ مدن الغرب، ولمستُ ذلك الاهتمام الشديد بالمتاحف من طرف شعوبهم، وإنفاقهم السّخي في تذاكر الدخول إليها، وهو الأمر ذاته في بعض الدول العربية، التي تمتلك تراثا عالميا فاخرا، حيث درجت على استقطاب تلك الغواية الغربية، في رفع سقف تسعيرة المتاحف التي يعمرها أهل الغرب، ولو بقي الأمر على شعوبها بتلك التسعيرات، ما دخلها أحد، لقلّة الوعي بتلك الكنوز التراثية، وزهدنا في أبعاده الحضارية.
وبحكم أننا نعيش عالما متسارعا، ملتهما للمحليّات والخصوصيات الثقافية، حتى غدت وسائط التواصل الاجتماعي الإبزيم الذي يربط الإنسان بالعالم الخارجي اللاّمحدود بحدود الدول أو فواصل المحيطات الكبرى، إنه الحاضر الغائب معنا دائما، ومع انفجار توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، عدنا نتوقّع مناغاة تفكير الإنسان وهو نائم، بعد أن سلّمنا بجدوى ذلك في يقظته، وأمام هذا الالتهام النّهم للهويات والموروثات، باتت الكتابة بوسمها شكلا من أشكال المقاومة، من الرّهانات التي يعوّل عليها في استعادة التراث والوعي به، لما للنص الروائي من قدرة تعبيرية ونسقية، في تمثّل خطاب الهوية والتراث.
على أيّة حال، يمكن القول إن توظيف التراث في النص الروائي، يكتسي أهمية بالغة، في إغناء النص جماليا، من خلال إعادة تشكيل الواقع ومخاتلة الترويض النفسي للمتلقي، كل هذا يأتي من تشابك الكاتب مع مخزون الذاكرة والبيئة التي ولد ونشأ بها، ولعلّ روايات نجيب محفوظ، من أهم الروايات العربية، التي احتفت بالتراث، أما على مستوى الرواية الجزائرية، فقد عمد عبد الحميد بن هدوقة، والطاهر وطّار، إلى توظيف التراث في خطابهما، ومع تنامي الاهتمام بالدراسات الثقافية، وما بعد الاستعمار وتصفيته، أصبح توظيف التراث وأنساقه المضمرة، من المحفزّات التي يعمل عليها الكاتب، ويترقّبها الناقد الثقافي، كونها تمثّل تقويضا للهيمنة، التي عمل عليها الخطاب الاستعماري، في استلاب الخصوصيات المحلية للشعوب المستعمرة.
قصّتي مع كتابة رواية مملكة الزيوان:
أذكر جيّدا يوم استفزّني دخول كرسي العروس وفستانها الأبيض مع موسيقى (ديسكْ جوكي) لقصرنا الطيني مطالع التسعينيات، ومحاولة إبدال ذلك، مكان ما ورثناه عن الأسلاف، يومها كان القصر ما يزال على عذريته، وأهله لم يغتسلوا من طينهم بعد، كانت العادات والطقوس مقدّسة عندهم كالدين، يعتبرونها جزءا من كيانهم الوجودي، حتى بدأت تتسلّل إليهم عوائد لا عهد لهم بها، فقامت قيامة القصر، الحقّ يُقال، حزّ ذلك الوافد الجديد في خاطري وآلمني المشهد وتداعياته، فكلما اندرست عادة من العوائد أو انكمش تقليد من التقاليد، يعود إليّ ذلك الحزن على انطماس الهوية التواتية القصورية، حتى واتتني الفُرص واستوى ظهر الفرس، لأن أكتب رواية، لأجد نفسي وجها لوجه مع ذاتي، ودافعيتها اللاّمتنازل عنها لتحميل النص، وشحنه بما يمكن من طقوس، عساه يخلّدها أو يعينها على تداوليتها، وذاك ما كان.. ومن محمولات التراث التواتي التي حمّلتها رواية الزيوان، نذكر طقوس المرأة المعتدّة بعد وفاة زوجها أو ما اصطلح عليه في المعجم التواتي (حفرة الرّابطة)، وهي عادة انطمست وغابت خلف غبار السنين، طقوس الولادة، التسمية في اليوم السابع للمولود (السْبوع)، طقوس الختان، دخول الكتاتيب، الصوم الأول وعادة (تيمليمان)، الزواج، طقس (يورْجَعْ) الذي يستعمل للمرأة الغاضب في بيت والديها، حيث تمارس عليها ضغوطات اجتماعية، بغرض جبرها على الرجوع لعشّ الزوجية، منها جرجرة الجيّف أمام بيتهم، وغيرها من العادات التي تكاد نحوقل لربّها، من فرط هجرانها واختفائها.
إن توظيف التراث في الخطاب الروائي، هو بمثابة العودة إلى الذات ومساءلتها في حاضرها واستشراف مستقبلها، بغية وصلها بتاريخها وماضيها، والرواية حمّالة أوجه، وولاّدة تأويل، تسعفنا بهذا الإجراء الجمالي الفني، ولعلّ قول الدكتور حسن علي المخلف في كتابة التراث والسّرد، يغنينا في معالجة هذا الجدل حول مسألة الرواية والتراث، حين يقول:
” ينبغي أن نتعامل مع التراث بعقلانية، فنحكم عليه من خلال منظور الأنساق الثقافية السائدة زمن كتابة هذا التراث، وليس من خلال النظرية السّردية المعاصرة، التي وضعَ الغرب أُسسَها، ولأنّ التراث العربي أغنى ممّا نتصور، وما وصلنا منه إلا النزر اليسير، وهذا النزر أبعد من أن يحيط به دارس، فكيف لباحث يدّعي الموضوعية، أن يجزم بخلوّ التراث من أعمال سردية قصصية، تمتلك مقوّمات فنية تؤهلها لأن تكون أساساً للرواية.

