تُعتبر السكة الحديدية من أهم وسائل النقل، وهي جزء من البنية القاعدية التي تُستخدم للتواصل ونقل المواد والأشخاص بين المدن والمناطق والدول. وتعود السكة الحديدية في الجزائر إلى العهد الاستعماري سنة 1857، حيث تمت إقامة أول خط بين العاصمة والبليدة، ليتم توسيعه في سنة 1862 إلى مدن أخرى هامة مثل وهران وقسنطينة وسطيف، وتم استخدامها في الغالب لنقل السلاح والمعدات العسكرية والجنود لإخضاع الجزائريين، وكذا نقل المنتجات الفلاحية والمواد الأولية إلى الموانئ قصد تزويد الاقتصاد الفرنسي بها. وهكذا لم تكن إقامة خطوط نحو المناطق الجنوبية من البلاد إلا بقدر ما يخدم مصالح فرنسا، فتم إقامة خط نحو الجنوب الشرقي مرورًا ببسكرة لينتهي بتقرت من أجل نقل التمور، وإقامة خط بالجنوب الغربي مرورًا بعين الصفراء لينتهي في بشار من أجل نقل الفحم الحجري من منجم القنادسة، وخط نحو وسط الصحراء ينتهي في الجلفة لنقل المواشي والحلفاء.
ويعود هذا الاهتمام بالسكك الحديدية لأنها تسمح بنقل السلع الثقيلة بالكميات الكبيرة مع انخفاض التكلفة مقارنة بالنقل البري والجوي، وهي ذات وفورات بيئية وطاقوية، مع محدودية استغلال الأراضي بالإضافة إلى العوائد والمنافع الاجتماعية الأخرى.
وبعد الاستقلال حرصت السلطات الجزائرية على تجاوز المنطق الاستعماري القائم على نهب الموارد الوطنية، فسعت إلى الاهتمام بشبكة السكك الحديدية الجزائرية وتحديثها لتصبح بنية تحتية محورية لخدمة التنمية الاقتصادية والتكامل الجهوي ودعم التصنيع. ولهذا تم في سنة 1984 تأسيس الشركة الوطنية لسكك الحديدية. ذلك أن الجزائر كانت أمام تحدي تسيير شبكة سكك حديدية متهالكة وغير متجانسة من حيث المقاييس والوظائف، وهو ما تطلّب إعداد برنامج سككي خاص ضمن الرؤية التنموية الجديدة للبلاد، حتى يتم تأهيل البنى التحتية وتوسيع شبكة السكك الحديدية تدريجيًا لتشمل مختلف مناطق البلاد، قصد تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر مختلف المناطق والجهات.
وفي هذا الإطار، تم العمل على ربط الولايات الجنوبية بالشبكة الوطنية من خلال خمس مسارات إستراتيجية، وهي: المسار الممتد من الجزائر العاصمة إلى الحدود النيجرية عبر تمنراست (2439 كلم)، مسار وهران–الحدود المالية عبر أدرار (2480 كلم)، مسار بشار–غار جبيلات (950 كلم)، مسار جيجل–جانت (2275 كلم) مع امتداد نحو الحدود الليبية، ومسار عنابة–تقرت (780 كلم).
وتُعتبر هذه المسارات، التي دخلت بعض المقاطع منها في الخدمة، جسرًا لربط الشمال بالجنوب ودعامة لتنمية متوازنة وشاملة، في حين أن مقاطع أخرى هي في طور الإنجاز أو الدراسة. ومن بين هذه المشاريع الجاري إنجازها: خط تقرت–حاسي مسعود على مسافة 154 كم، ومشروع الخط الرابط بين بشار–غار جبيلات (950 كم) والذي من المزمع تسليمه كليًا مع نهاية 2025، إضافة إلى الخط المنجمي الشرقي (عنابة–تبسة) على مسافة 422 كم، والذي تم الفراغ من المقطع الجنوبي منه (جبل العنق–وادي الكبريت)، مع تقدم في إنجاز مقطعي الشمال والوسط؛ وهو ما يساهم في تحسين نقل المواد المنجمية من تبسة نحو ميناء عنابة. وأكبر هذه الخطوط الجاري إنجازها المشروع الذي يربط العاصمة بتمنراست عبر عدة ولايات رئيسية، مما يجعله واحدًا من أطول مشاريع السكك الحديدية في الجزائر. وقد تم تقسيمه إلى عدة مقاطع لتسهيل إنجازه بشكل تدريجي، تشمل: الجلفة–الأغواط، الأغواط–غرداية، غرداية–المنيعة، المنيعة–عين صالح، وعين صالح–تمنراست، بحيث يضمن هذا التقسيم التنفيذ السريع مع مراعاة الطبيعة الجغرافية لكل منطقة، علمًا بأن المقطع ما بين بوغزول مرورًا بالجلفة وصولًا إلى الأغواط قد دخل في الخدمة فعليًا. والانتهاء من هذا المشروع الضخم سوف يعمل على توفير الزمن للوصول من العاصمة إلى تمنراست، حيث يتم ذلك في ظرف 12 ساعة و37 دقيقة، وهو ما يُعتبر إنجازًا كبيرًا بالمقارنة مع الزمن الذي تستغرقه الرحلات البرية الطويلة والمتعبة.
ومن المؤكد أن لهذه الخطوط صدى اقتصاديًا عميقًا، فالخط الرابط بين وهران وغار جبيلات مرورًا ببشار ينقل خامات الحديد إلى شمال البلاد، حيث مجمعات الحديد والصلب الضخمة مثل المصنع الجزائري التركي في وهران، والمصنع الجزائري القطري في جيجل بطاقة مليوني طن سنويًا، ومصنع عنابة بطاقة مليوني طن سنويًا. وهو ما يعزز استغلال منجم غار جبيلات لاستخراج 50 مليون طن من خام الحديد سنويًا، كما يعمل ذلك على تقليل الاستيراد من الحديد وتوفير 3 مليارات دولار سنويًا، مما يقلل من الضغط على احتياطيات الجزائر من العملة الصعبة، بالإضافة إلى خفض اعتمادها على الأسواق العالمية، فضلًا عن الوظائف التي يتم استحداثها.
ولعل من الإسهامات الكبرى لتوسيع السكك الحديدية نحو مناطق الجنوب، التي أصبحت قطبًا زراعيًا كبيرًا يقوم بإنتاج فائض كبير من الخضر والفواكه وتربية الأغنام، هو مساهمتها في نقل هذه المنتجات نحو الشمال لتسويقها وطنيًا أو تصديرها، في ظل الإقبال المتزايد على الاستثمار في القطاع الفلاحي من قبل الأجانب، كما هو الحال مع الاستثمارات الإيطالية والقطرية في ميدان زراعة القمح الصلب والبقول الجافة وإنتاج الحليب. فضلًا عن تعزيز الروابط مع ولاية الوادي التي أصبحت نموذجًا فلاحيا في الإنتاج، مما يسمح لها بتسويق إنتاجها داخليًا أو تصديره بشروط تنافسية.
كما يتيح توسيع شبكة السكك الحديدية نحو الجنوب إمكانية نقل المصانع إلى المناطق الداخلية، بما يسهم في دعم التنمية المحلية وإنعاش الحركة التجارية داخل البلاد، ويعزز جهود الدولة في استحداث مناطق صناعية، كما يساعد ذلك في توفير مناخ داعم لتطوير قطاع السياحة في الجنوب الذي يعاني من صعوبات عدة، أساسها ارتفاع كلفة النقل.
إن هذا الاهتمام بالسكك الحديدية في الجنوب يعمل على زيادة التكامل والاندماج بين الولايات الجنوبية وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الساكنة، ويُعد فرصة لاستغلال ما تنام عليه من خيرات وموارد حالت تكاليف النقل المرتفعة دون استغلالها.

