مع حلول فصل الشتاء، تتجدد التحذيرات السنوية حول مخاطر الاختناق بغاز أحادي أكسيد الكربون، المعروف بـ “القاتل الصامت”، فقد سجلت مصالح الحماية المدنية خلال السنوات الأخيرة مئات التدخلات لإنقاذ مواطنين كانوا على وشك فقدان حياتهم بسبب سوء استخدام أجهزة التدفئة المنزلية أو نقص التهوية، ما يجعل التحسيس والوقاية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطنين على حد سواء.
حملة وطنية لتحسيس المواطنين
أطلقت المديرية العامة للحماية المدنية، بولاية خنشلة، شهر أكتوبر المنصرم، الحملة الوطنية التحسيسية للوقاية من الأخطار المتعلقة بموسم الشتاء تحت شعار: “شتاء بلا حوادث.. من أجل دفء آمن”، وأكد الرائد نسيم برناوي، المدير الفرعي للإحصائيات والإعلام، أن الحملة، التي تستمر حتى مارس 2026، تهدف إلى تعزيز الثقافة الوقائية لدى المواطنين ورفع مستوى وعيهم بمخاطر الاختناقات والفيضانات.
وتتضمن الحملة، المنسقة مع عديد القطاعات، قوافل جوارية تستهدف المجمعات السكنية التي استفادت مؤخراً من الغاز الطبيعي، أبواباً مفتوحة في مراكز الحماية المدنية، برامج توعوية في المؤسسات التربوية، الجامعات، المساجد، ومراكز التكوين المهني، إضافة إلى استغلال وسائل الإعلام الوطنية ومواقع التواصل الاجتماعي لنشر الرسائل الوقائية.
وفي تصريح مماثل، أكد الملازم الأول دحماني محمد من ولاية إليزي أن الحملة تأتي استباقية قبل دخول فصل الشتاء، بهدف ترسيخ سلوكيات مسؤولة لدى كل فئات المجتمع وتقليل الحوادث إلى أدنى حد ممكن، وأضاف أن هذه الحملات تعالج الأخطاء الشائعة لدى المواطنين عند استعمال وسائل التدفئة، مثل تركيب الأجهزة بشكل غير صحيح، استخدام أنابيب غير صالحة لصرف الغازات، وترك شعلة الفحم أو الغاز مشتعلة أثناء النوم.
إحصائيات حقيقية وراء الخطر
تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن سنة 2024 شهدت 964 تدخلًا بسبب حالات اختناق بغاز أحادي أكسيد الكربون، أسفرت عن إنقاذ 402 شخصًا في وضعية حرجة، وتسجيل 119 حالة وفاة، أما خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، فقد سُجلت 545 تدخلًا أسفر عن إنقاذ 1280 شخصًا وتسجيل وفاة 81 شخصًا.
هذه الأرقام الصادمة تؤكد أن الغاز لا يعرف حدود العمر أو المكان، وأن كل بيت يمكن أن يكون عرضة للخطر ما لم تتوفر الشروط الوقائية الأساسية.
قصص حقيقية لإنقاذ الأرواح
وتتكرر الشهادات المؤثرة من المواطنين الذين نجوا بأعجوبة، ما يسلط الضوء على أهمية التوعية والاحتياط.
تقول نادية من البليدة: “شعر ابني بدوار، ثم بدأ زوجي يفقد الوعي… لم أدرك أن المدفأة دون تهوية قد تهدد حياتنا كلها، بضع دقائق فقط كانت تفصلنا عن كارثة”.
ومن ورقلة، يروي محمد، شاب نجا من حادث مماثل: “صداع قوي وتنفس صعب جعلاني أخرج مسرعاً، اكتشفت أن الموقد انطفأ بسبب غياب التهوية، كانت تلك الليلة درساً لن أنساه”.
أما أحد أعوان الحماية المدنية في جيجل، فيقول: “معظم الحالات سببها الصيانة الرديئة أو انسداد منافذ الهواء، الوقاية أسهل بكثير من التدخل بعد وقوع الخطر”.
تجمع كل هذه الشهادات على حقيقة واحدة: فتح نافذة، وصيانة الأجهزة، ومراقبة اللهب، خطوات بسيطة يمكن أن تنقذ الأرواح.
أخطاء شائعة في استخدام وسائل التدفئة
توضح الحماية المدنية أن الأخطاء الأكثر شيوعًا عند استعمال أجهزة التدفئة تشمل عدم تركيب الأجهزة من طرف مختصين واستخدام أنابيب غير صالحة لصرف الغازات السامة في الحمام أو المطبخ بالإضافة لترك شعلة الفحم أو الغاز مشتعلة في غرف النوم وتركيب سخانات المياه داخل الحمام دون تهوية مناسبة.
هذه الممارسات، رغم بساطتها، قد تتحول إلى كارثة حقيقية إذا ما تراكمت عوامل الخطر.
التوصيات الوقائية
تشدد الحماية المدنية على أن الوقاية تبدأ من البيت، وتشمل الإجراءات التالية: عدم استخدام أجهزة تدفئة قديمة أو تالفة وتركيب الأجهزة على يد رصاص مختصين لضمان سلامتها بالإضافة لتنظيف المدخنات والأنابيب بانتظام والتأكد من خلوها من أي عوائق مثل أعشاش الطيور وفتح النوافذ للتهوية الدورية للمنزل وكذا عدم وضع سخانات المياه داخل الحمامات أو إدخال الفحم داخل غرف النوم، يؤكد المسؤولون أن هذه التدابير البسيطة كفيلة بخفض حالات الاختناق إلى أدنى حد، وتحويل الشتاء إلى فصل آمن للجميع.
دور المجتمع المدني والإعلام
تسهم الجمعيات والمنظمات المحلية في دعم جهود الحماية المدنية، من خلال تنظيم ورشات تحسيسية، حملات إعلامية، وتوزيع كاشفات الغاز، كما تلعب وسائل الإعلام الوطنية منصات التواصل الاجتماعي دورًا رئيسيًا في نشر الرسائل الوقائية بشكل مستمر، ما يسهم في ترسيخ سلوكيات وقائية لدى المواطنين.
أهمية التوعية المبكرة
الملازم الأول دحماني محمد يشير إلى أن الهدف من الحملات التحسيسية ليس مجرد إحصائيات، بل ترسيخ ثقافة سلامة لدى جميع أفراد الأسرة، فالوعي المبكر بالسلوكيات الصحيحة يحول الأخطار اليومية إلى ممارسات روتينية تحمي الحياة، وأضاف أن التعامل بوعي مع أجهزة التدفئة يشمل الأطفال والكبار على حد سواء، فالرسائل الوقائية يجب أن تبدأ منذ المدرسة، وتمتد إلى كل مؤسسة ومكان عام.
المستقبل: نحو صفر حوادث
تعمل الحماية المدنية على وضع برامج سنوية متكاملة لضمان أن تصبح الحوادث المتعلقة بالغاز ظاهرة نادرة، من خلال تنسيق محكم مع القطاعات الشريكة والمجتمع المدني، ومراقبة دورية للأجهزة والمنازل في مناطق الخطر بالإضافة لحملات تحسيسية مكثفة قبل بدء كل فصل شتاء، الهدف النهائي هو الوصول إلى صفر حوادث، وتحويل ثقافة الوقاية إلى ممارسة يومية لدى كل المواطنين.
الغاز أحادي أكسيد الكربون، رغم أنه غير مرئي وعديم الرائحة، يمكن أن يصبح قاتلاً صامتاً إذا أهمل الوقاية، وتجارب المواطنين والحماية المدنية تؤكد أن الوقاية مسؤولية مشتركة، تبدأ من البيت وتستمر في المدارس والمساجد ومراكز العمل، فتنفيذ إجراءات بسيطة مثل التهوية الجيدة، صيانة الأجهزة، وفحص الأنابيب، يكفي لتحويل الشتاء من موسم خطر إلى فصل آمن، مليء بالدفء والأمان، لأن الوعي اليومي، والدعم المجتمعي، والالتزام الرسمي بالحملات التحسيسية هي الأدوات التي يمكنها أن تنقذ حياة آلاف الأشخاص كل شتاء، وتحقق شعار الحماية المدنية: “شتاء بلا حوادث.. من أجل دفء آمن”

