في تخوم إيموهاغ حيث تتمازج الرمال بالسكينة الأبدية، تتكوّن لدى أماهغ (الإنسان التارقي) عادةٌ ليست كمثيلاتها في العالم، عادةٌ جعلت من كأس الشّاهي أكثر من مشروبٍ يومي، بل طقسًا مقدّسًا يختصر فلسفة الوجود في ثلاث رشفات.
الشّاهي في هذه الأرض ليس مجرّد منبّهٍ أو عادةٍ غذائية، بل هو لغةٌ اجتماعية وروحية، يعبّر بها إيموهاغ عن وُدّهم، عن فرحهم، عن حزنهم، عن انتظارهم للمسافر، وعن استراحة الراعي بين رمال المسالك البعيدة. إنّها لحظة حانية بين جلسات ماتعة، فيها من الرضا ما يُطمئن القلب، ومن الانسجام ما يجعل الزمن يتباطأ احترامًا للمشهد.
يقول المثل التارقي في منطوقه الأصيل:
> الشَّاهِي أَسْتَرِيدْ كَانّ تِيظُوظَامْ
تِينْ اَبْسَغْ تَاچَمَّارْ البَرَّادْ هُولاَن
في هذه الأبيات تُختصر فلسفة الشّاهي في المخيال التارقي: هو اللّحظة التي تتماهى فيها الروح بالتراب والنار والماء والهواء؛ مزيج العناصر الأربعة التي تشكّل الحياة في منظور البدوي الصحراوي.
من “شا” إلى “الشاهي:
من “شا” في الحقول الصينية إلى “tea” في موائد الإنجليز، مرورًا بـ “thé” الفرنسي، وصولًا إلى “الشاهي” في مجالس إيموهاغ، هي رحلة صوتٍ ومذاق عبر الجغرافيا والتاريخ، تحوّلت فيها الكلمة إلى رمزٍ ثقافيٍّ، وصار الإبريق والسكر والنعناع أدواتٍ تعبيرية عن انتماءٍ وهويةٍ وإيقاع حياة.
فحين يسكب أماهغ كأسه الأول، يسكب معه ذاكرة المكان ودفء الصحراء، وكل ما حمله التاريخ من أهازيج اللقاء ورائحة المجامر.
ثلاث كؤوس وثلاث حالات:
تقوم جلسة الشّاهي في مجالس إيموهاغ على قانونٍ ثلاثي لا يُكسر إلا في الضرورة: ثلاثة كؤوس، لكلّ كأسٍ نكهته ودلالته ودرجته من المرارة والعذوبة.
الكأس الأول: مُرُّ المذاق، يُقدَّم للكهول وأهل الذوق العالي، فيه قساوة الوعي وبداية التأمل، هو جرعة الفكر والاستفاقة.
الثاني: معتدل، يضاف إليه النعناع أو تَاكِّلت، توازن بين المرارة والحلاوة، هو كأس الحوار والتأمل الهادئ.
الثالث: خفيف، يُقدّم للصبية والصغار، يرافقه لقيمات من إيدام أو تمرٍ، هو كأس الصبيحة والمساء، يرمز إلى حلاوة الحياة وبداياتها البريئة.
وقد قال أحدهم: “الشّاهي في مراحله الثلاث هو صورة الحياة: أولها مرّ كأحزانها، ووسطها متوازن كمكرها، وآخرها حلوّ كأمانها.”
الطقس والمراسيم الإعداد:
ليس إعداد الشّاهي أمرًا عابرًا، بل هو طقسٌ محكومٌ بالقواعد الدقيقة. تبدأ الحكاية بتحضير الطّابلة (الصينية) التي تصطفّ عليها الكؤوس الزجاجية بعناية هندسية، يتوسّطها البرّادان، أحدهما للطبخ والآخر للتصفية. ثم يُدعى صاحب المكان أو ضيف مميّز ليقوم بالمهمّة، فيُسمّى أموكن نالشاهي (إعداد الشاي)، وهو الشخص الذي اكتسب مهارة التوازن بين النار والماء، بين المرارة والسكر.
أما وايكانن الشاهي (مُعِدّ الشاي) فله مكانة مرموقة في المجتمع، خصوصًا في الأعراس والمجالس العامّة. لا أحد يجرؤ على منافسته أو تعديل مذاقه، لأنّ الشّاهي لديه حرفة وجمال، فهو يُعدّه كما يُعدّ الفنان لوحته.
يبدأ بإسقاط أوراق الشّاهي في البراد، ثم يسكب عليها قليلًا من الماء المغلي لتخفيف مرارتها، ثم يُعيدها على المجمر لتغلي ببطءٍ وتُصدر صوتًا يسمّيه أهل جانت تظودي أو أنكاوق أي “أشمّ رائحته”. ثم يبدأ صبّه على السكر في البراد الثاني، فتتداخل الأصوات بين الفوران والتقليب، ويُحدّد المُعدّ اللحظة المناسبة للسكب من ارتفاع معيّن لتتشكل تيكوفا (الزبد)، وهي تاج الكأس وبهاؤه.
الشّاهي فلسفة حياة:
في عمق هذه الطقوس تتجلّى فلسفة إيموهاغ في التوازن. فالشّاهي ليس فقط مشروبًا، بل تمرينٌ على الصبر والاعتدال، وعلى الإصغاء لموسيقى الغليان قبل الارتشاف.
يقول أحد الحكماء:
> “من لم يتعلّم الصبر من براد الشّاهي، فلن يعرف لذة الانتظار.”
فالشّاهي يُعلّم إيموهاغ أن الوقت ليس عدوًّا بل رفيقًا، وأن الاجتماع ليس لتضييع الوقت، بل لإعماره بالسكينة. فكل جلسة شاهي هي دربٌ إلى الهدوء، ووسيلة لتأمل الوجوه والنجوم والعلاقات.
رمزية الشّاهي في المجتمع:
الشّاهي في صحراء إيموهاغ هو لغة الضيافة الأولى، يُفتتح به النهار ويُختم به الليل، ويُقدَّم في الأفراح والأقراح، في المجالس العلمية كما في الحكايات الليلية. إنّه شيفرة الانتماء، فلا يُقال للضيف: “أهلاً”، بل يُسكب له شاهي، فيفهم أن القلوب فُتحت قبل الأبواب.
تلك الكؤوس الصغيرة تشبه قلوب أهل الصحراء: شفافة كالزجاج، مرّة كالشمس، حلوة كالمطر، متينة كالنخل.
الأبعاد الرمزية للشاهي:
يرى بعض الباحثين أن للشّاهي لدى إيموهاغ تجلٍّ رمزيّ لدورة الحياة. فالكأس الأولى تمثل الوعي القاسي بالوجود، والثانية تمثل المصالحة معه، والثالثة ترمز إلى النعيم والسكينة. ومن هنا فإنّ الجلسة ليست عبثية، بل طقسٌ تأمليٌّ يتكرّر يوميًا لتذكير الإنسان بإنسانيته.
حتى ترتيب الأدوات وهدوء الصبّ وطريقة تبادل الكؤوس تعبّر عن قيم النظام والوقار والذوق التي تميّز مجتمع إيموهاغ.
ختاما يبقى الشّاهي في مجالس إيموهاغ أكثر من مشروبٍ، إنّه ذاكرة جماعية تحفظها الأجيال، وتُعيد بها توازنها مع الطبيعة والوقت. هو مرآة الصحراء في صفائها، ولسانها في سكونها، ورمزها وكرمها.
ومن بين البخار المتصاعد من الإبريق، يمكن للمرء أن يرى تاريخًا كاملًا من الصبر والأنفة والذوق، وأن يسمع نغمة خفية تقول:
> “كلّ رشفةٍ من الشّاهي، درسٌ في التوازن بين حرارة النار وبرودة الروح.”
فما بين الزبد الذي يعلو الكأس، والبخار الذي يعلو الصدر، تبقى جلسة الشّاهي عند إيموهاغ لحظةً حانية، بين جلساتٍ ماتعة، وعالمٍ هادئٍ يتصالح فيه الإنسان مع ذاته ومع الصحراء ومع معنى الوجود.

