لم يكن الأمر مستغربا حين أصدرت محكمة العدل الدولية في منتصف الشهر الحالي عن رفع دولة مالي أو بالأحرى السلطة الانتقالية الحاكمة بقيادة العسكري أسيمي غويتا، لدعوة قضائية ضد جارتها الشمالية الجزائر بسبب اسقاط مسيرة عسكرية بدون طيار كانت قد اخترقت المجال الجوي الجزائري، فهذه العدائية الدبلوماسية لم تعد خفية منذ مجيء هذه السلطة الانتقالية الى سدة الحكم في العاصمة المالية بامكو بل أصبحت نهجا تعتمده كأساس مبرر لبقائها في الحكم أقصى مدة ممكنة دون طرح أي حل جذري وحقيقي للخروج من الازمة والعودة للنظام الدستوري وبناء المشروع التنموي الذي يلتف حوله كافة الماليين.
لعل قبل ذلك السلطة الانتقالية انتهجت هذه الدبلوماسية العدائية إزاء القوة الاستعمارية السابقة الدولة الفرنسية، التي قدمت بقواتها وعتادها وجنودها ضمن حملة برخان من أجل طرد الجماعات الإرهابية التي سيطرت على أبرز المدن في شمال مالي، وأعلنت انفصالها من جانب واحد وتشكيل دولة إسلامية أصولية مستقطبة للجماعات الإرهابية من مختلف مناطق العالم لا سيما منطقة الشرق الأوسط، مستفيدة من سقوط نظام الزعيم الليبي معمر القذافي وفوضى السلاح التي استشرت في المنطقة، لتصبح القوات الفرنسية غير مرحب بها، وأعلنت السلطات الانتقالية انهاء وجودها والانسحاب من جميع التكتلات التي تشرف عليها الدولة الاستعمارية السابقة، وانهاء حتى العلاقات الدبلوماسية، قد يجد هذا التصرف العدائي اتجاه فرنسا ما يبرره، فيكفي انها قوة استعمارية سابقة لتذكر الماليين بمعاناتهم السابقة في سبيل نيل الاستقلال والاستغلال المفضوح والمكبل بالاتفاقيات، هذا الامر زاد من شعبية السلطة الانتقالية بل حتى تضامن النخب المجتمعية إزاء قرارات السلطة الانتقالية ودعمها في استعادة القرار السيادي من السطوة الفرنسية ووضع حد لتدخلاتها في الشأن المالي عبر دعم الانقلابات العسكرية من داخل مقر السفارة الفرنسية في بامكو ودعم النخب التي تخدم مشروعها الامبريالي والاستغلالي، رغم محاولة الإدارة الفرنسية تدارك الامر وإعلان اكثر من مرة عن استراتيجيتها الجديدة إزاء افريقيا والتي أساسها يكون الاحترام والتعاون المشترك القائم على المصلحة المتبادلة، إلا أن المبادرة الفرنسية لم تكن كافية لإنهاء العدائية.
لكن مالا يوجد مبرر له العدائية إزاء الجوار الإقليمي الذي تربطه مع الدولة وحتى الشعب المالي علاقات تاريخية وحضارية متأصلة، ونظام اقتصادي واجتماعي لا يمكن تجاوزه، فالعدائية الدبلوماسية إزاء الجوار الإقليمي كانت أكثر حدة من عدائية السلطة الانتقالية إزاء القوة الاستعمارية السابقة بل الامر وصل حتى الى منابر الأمم المتحدة اين كانت يجب ان تسود لغة السلام والحوار الذي من أجله تم تأسيس هذه المنظمة الدولية وإعلان ميثاقها الاممي في تعزيز الحوار بين الشعوب ورفع الظلم والقهر عن الشعوب التي تعاني منه وتتمسك بحقها القانوني والشرعي غير القابل للتصرف في تقرير مصيرها، فلغة التهديد التي تبنتها السلطة الانتقالية تعكس مدى التخبط التي تعاني منها، وفشل الخيارات التي تبنتها من التحالف الثلاثي الذي يجمعها مع بوركينافاسو والنيجر، والذي هو في حقيقة الامر هو تحالف الازمة، فالدول الثلاث كلها تعاني من أزمة الشرعية وغياب الطريق للعودة للنظام الدستوري، فالتحالف الثلاثي جعل من السلطة الانتقالية في بامكو تعلن انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا رغم افتقادها للشرعية والسند الشعبي إزاء قرارات مصيرية مثل هذه وهو ما جعل النخب المجتمعية منقسمة على بعضها فيمن يرى التسرع وفيمن يرى ان القرار ما كان ليتخذ، وبين التبعات الاقتصادية التي انهكت الاقتصاد المالي الذي هو هش من أساسه.
يواجه النظام والسلطة الانتقالية في مالي العديد من الرهانات والتحديات، فضلا عن التغيير غير الدستوري الذي استنزف ولا يزال يستنزف مواردها، وتفويت العديد من الفرص الممكنة والمتاحة سيما في هذا الظرف الحساس الذي يمر به النظام العالمي في اعقاب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا والحرب التجارية الجمركية بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا، كما يواجه النظام المالي تحديات كبيرة في مواجهة الجماعات الإرهابية التي عجزت دول التحالف الثلاثي في دحره وتحييد وجوده رغم استعانتها بالقوات الأجنبية ممثلة في الفيلق الافريقي الروسي الذي كان ينشط تحت تسمية مجموعة فاغنر الأمنية، كما أن الوضع غير الدستوري جعلت وضعيتها في منظمة الاتحاد الافريقي معلقة وجعلت خيارات السلطة في المنتظم الدولي جد محدودة وتحالفاتها مقتصرة على البعض الدول التي ترى مصلحتها في استمرار هذا الوضع.
إن اقدام السلطات الانتقالية العسكرية في بامكو بحل جميع الأحزاب السياسية لهو مؤشر خطير، على الانحدار ومحاولة الاستفراد بالحياة السياسية وفرض القرارات دون العودة الى الشعب الذي هو مصدر السيادة والشرعية، مما يعقد الازمة اكثر ويجعل السلطة الانتقالية منفصلة عن بيئتها الاجتماعية الحاضنة، وهو ما فتح المجال واسعا للتدخلات الأجنبية والخارجية من قوى وظيفية في استغلال الامر لتصفية حساباتها وادامة الازمة والفوضى في منطقة الساحل الافريقي وتعفين الوضع وجعل الدولة المالية تبتعد عن محيطها الإقليمي بل وتعقيد مسار العودة للعلاقات الطبيعية مع تلغيم المسار او الطريق، دولة المالي هي من الدول الحبيسة ولها العديد من الرهانات والمشاكل التي لا تقوى على حلها بنفسها لوحدها، وتبقى بحاجة ماسة لمساعدة جوارها الإقليمي وليس الاستنجاد بالقوى الوظيفية، وعليه على السلطات الانتقالية ان يكون لها الوعي الكافي قبل فوات الأوان أن مهمتها الأساسية هي العودة للنظام الدستوري والحفاظ على مقدرات الدولة والشعب المالي، وليس اكتساب العدائية غير مبررة مع المحيط والجوار الإقليمي، فالتصالح مع الجبهة الداخلية بما فيها الحركات الازوادية عبر العودة الى اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة كأساس للحوار وبناء الدولة الواحدة، وإعادة جسور الثقة مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا.

