انتشرت مؤخرا مظاهر العنف اللفظي والجسدي، وهو ما أثار قلق المختصين والمواطنين على حد سواء، في ظل تحوّل بعض السلوكيات اليومية إلى تصرفات عدوانية لا تتماشى مع القيم الاجتماعية الأصيلة للمجتمع الجزائري.
تناولت مختصة في علم اجتماع الجريمة والانحراف موضوع العنف المجتمعي الذي يُعد من الظواهر المرافقة لضعف الوعي والانتماء، حيث أوضحت أن العنف في الشوارع هو سلوك لا يتوافق مع قيم المجتمع، ويمارس في الفضاءات العامة، مشيرة إلى أن محاربة الجريمة والعنف ليست مسؤولية الشرطة وحدها، بل مسؤولية جماعية يشترك فيها المواطن والمجتمع المدني.
وأضافت أن الشعور بالانتماء والمسؤولية المشتركة يمثلان نقطة الانطلاق في الحد من العنف، لأن المواطن الذي يشعر بأنه جزء من المنظومة الاجتماعية يسهم تلقائيًا في حمايتها، كما شددت على أهمية بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة لتعزيز انخراط الأفراد في جهود الوقاية والتبليغ.
وأشارت الخبيرة إلى أن من بين أخطر الظواهر التي تواجه المجتمع الجزائري اليوم ثقافة اللامبالاة، واصفة إياها بأنها “أخطر من الجريمة ذاتها لأنها تؤدي إلى الصمت والتقاعس أمام الانحراف”، حيث بيّنت أن العنف لا يقتصر على الضرب والإيذاء الجسدي، بل يتجلى أيضًا في العنف الرمزي الذي يُمارس بالكلمة أو الإقصاء أو التحقير.
وفي تحليلها لانتشار بعض الجرائم الغريبة على المجتمع الجزائري، أرجعت المختصة ذلك إلى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت في تسليط الضوء على الجرائم وتداولها على نطاق واسع، مما زاد من حدّة الظاهرة وأدى إلى ظهور أنماط جديدة من الجريمة، خاصة ضد الأطفال، مثل قضية الطفل عبد الرحمان في الشلف، التي هزّت الرأي العام وأثارت تساؤلات حول التغيرات الاجتماعية العميقة في المجتمع.
وأكدت الخبيرة على ضرورة تشخيص الظاهرة علميًا وفهم دوافعها، مع وضع مؤشرات معرفية لقياس وعي المواطن بواجباته وحقوقه، قائلة: إن حق التبليغ عن الجريمة هو حق مدني قبل أن يكون واجبًا، والمصلحة العامة يجب أن تكون فوق كل اعتبار.
كما شددت على الدور التكميلي الذي تلعبه المدرسة والمسجد والإعلام في ترسيخ قيم المواطنة والوقاية من العنف والانحراف، داعية إلى توحيد الجهود من أجل بناء مجتمع متماسك يرفض العنف وينبذ السموم بكل أشكالها.
وأكد ممثلو القطاعات المعنية أن هذه المبادرة الوطنية تسعى إلى إشراك المدرسة كمؤسسة فاعلة في حماية النشء من الانحراف، باعتبارها فضاءً لبناء القيم وترسيخ ثقافة المواطنة والمسؤولية، إلى جانب دعم جهود الدولة في التصدي لظاهرة الإدمان التي تهدد فئة الشباب بوصفهم ركيزة المستقبل.
وفي تجسيد عملي لما ذهبت إليه المختصة، كشفت مصالح الأمن بولاية الوادي مؤخرًا عن تفكيك جمعية أشرار تتكون من شخصين يبلغان من العمر 33 و41 سنة، تورطا في عدة عمليات سرقة استهدفت شبكات توصيل أسلاك الهواتف الأرضية بعدد من أحياء المدينة.
وقد تسببت هذه السرقات في تخريب الشبكة وقطع خدمتي الهاتف والإنترنت عن عدد من المناطق، ما ألحق أضرارًا بالمواطنين والمصالح العمومية. وبعد استكمال التحريات، تم تقديم المشتبه فيهما أمام نيابة الجمهورية لدى محكمة الوادي.
وتأتي هذه العملية في إطار الجهود المتواصلة التي تبذلها مصالح الأمن الوطني للحد من السرقات والتخريب الحضري، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، كما جدّدت شرطة الوادي دعوتها للمواطنين إلى التعاون والتبليغ عن أي نشاط مشبوه عبر الرقم الأخضر 1548، مؤكدة أن الأمن مسؤولية الجميع، وأن تفعيل ثقافة المشاركة المجتمعية هو السبيل الأنجح لبناء شارع آمن ومجتمع متماسك.
