تُعدّ القيم الدينية إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها تماسك المجتمعات واستقرارها، فهي الإطار الأخلاقي الذي يوجّه السلوك الإنساني ويضبط العلاقات الاجتماعية وفق مبادئ العدالة والتسامح والاحترام. وفي ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تبرز الحاجة الملحّة إلى استحضار هذه القيم بوصفها صمام أمان يحفظ الهوية ويعزّز الوعي الجماعي في مواجهة تحديات الاستهلاك، الفردانية، والتغيّرات الثقافية المتلاحقة.
وبينما القيم الدينية ماتزال حاضرة بقوة في الوعي الجمعي للجزائريين، فإن حضورها في السلوك اليومي بات موضع تساؤل، ففي ظل التغيّرات لم تعد تخفى على أحد، ومع بروز الفردانية وتراجع الثقة الاجتماعية وتضخم تأثير وسائل التواصل، أصبح من الضروري إعادة قراءة واقع القيم الدينية من زوايا متعددة: دينية واجتماعية ونفسية وإعلامية.
تراجع أم ثبات؟ القيم الدينية في حياة الناس اليوم:
يصف الإمام العربي عراب للجنوب الكبير أن التحولات الراهنة بلغة مباشرة وواقعية، مشيرًا إلى أن مقارنة بسيطة بين الماضي والحاضر تكشف تراجعًا ملحوظًا في الالتزام بالقيم الدينية في عدد من المجالات. قائلا للجنوب الكبير: “أن سلوكيات اليوم مقارنة بالماضي تُظهر انخفاضًا في الالتزام بالقيم الدينية، بفعل تأثير الحداثة وأنماط الحياة الجديدة، في الماضي، كانت القيم توجه المعاملات اليومية والأخلاق العامة، مما أوجد مجتمعًا متماسكًا وأقل فردانية، بينما يركز الإنسان اليوم أكثر على مصالحه الفردية”.
ويُرجع الإمام هذا التراجع إلى فجوة واسعة بين معرفة الناس للقيم وبين تطبيقها، حيث تبقى القيم في حدود الوعي النظري دون أن تجد طريقها إلى السلوك، ومن أبرز أسباب هذه الفجوة كما يشرح أنه ضعف التدين الفعلي والاكتفاء بالمعرفة دون سلوك والتصورات الخاطئة عن الدين بالإضافة لغياب القدوة الصالحة في المجتمع وطغيان المادية على الاهتمامات الروحية كذلك ضعف البرامج التربوية المعززة للقيم والعولمة وما تسببه من صراع هوياتي وأخيراً تغير وتيرة الحياة بشكل يجعل التكيّف مع القيم التقليدية أصعب.
ويضيف الإمام أن الخطاب الديني الحالي يعاني من قصور في مواجهة هذه التغيرات، ويحتاج إلى تجديد حقيقي في لغته وموضوعاته، وأن المسجد يمكنه لعب دور محوري في إعادة ترميم العلاقات الاجتماعية داخل الأحياء.
بين الوعي والفعل: أزمة قيم أم مجرد أزمة ممارسة؟
من جهته، يقدّم الباحث الاجتماعي بغداد محمد قراءة أعمق، انطلاقًا من مفهوم صراع القيم داخل المجتمعات المتحوّلة.
يرى الباحث أن القيم الدينية على أهميتها ليست ثابتة، بل تخضع للتعديل والتغيير تبعًا لمستوى الوعي والتدين، وهو ما يجعل أثرها متباينًا من جيل لآخر وعند سؤاله: هل يعيش المجتمع الجزائري أزمة قيم أم أزمة ممارسة للقيم؟
يجيب بوضوح: “نحن نعيش مرحلة التحول التاريخي، مرحلة الاختيار بين قيم وافدة مدججة بالإغراء وبين قيم متوارثة جميلة لكنها أقل قدرة على الإقناع بالمستقبل، الأزمة ليست في القيم، بل في القدرة على الاختيار بينها وفي كيفية ممارستها”، ويفسّر تأثير الظروف الاقتصادية والثقافية في الالتزام القيمي بأن القيم مثل الحضارات تدخل في صراع مستمر، والمجتمع الذي يملك رغبة أقوى في الدفاع عن قيمه هو القادر على ترسيخها، شريطة أن تنتج نخبه العلمائية خطابًا مقنعًا يربط القيم بالمنفعة والواقع.
أما عن صعود الفردانية، فيرى بغداد محمد أنه نتيجة مباشرة لعدم قدرة المجتمع على التوفيق بين فلسفة الاقتصاد الرأسمالي التي تقدّس الفرد، وبين هوية المجتمع القائمة على الروابط والدين، وفي غياب هذا التوفيق، يصبح الفرد أكثر انعزالًا، والقيم الجماعية أقل تأثيرًا.
وفي حديثه عن الحلول، يركز الباحث على دور مراكز البحث المتخصصة وصناعة برامج مبنية على أسس علمية، بدل الاكتفاء بآراء فردية ووعظية لا تخدم القضايا الحقيقية.
القيم الدينية كآلية لمواجهة القلق الاجتماعي
الباحثة الاجتماعية خديجة بن الصديق تقدّم بدورها رؤية تحليلية للبعد النفسي للقيم الدينية، مؤكدة أن الدين يؤدي وظيفة علاجية واجتماعية عميقة، تتجلى في توفير معنى للأحداث فالدين يمنح الإنسان إطارًا لفهم الابتلاءات، ما يقلل من الشعور بالعشوائية وفقدان السيطرة و خلق الانتماء الجماعي فالطقوس الجماعية تمنح دعمًا نفسيًا يقلل التوتر والعزلة وكذا تقديم قواعد واضحة للسلوك القيم الدينية تضبط العلاقات الاجتماعية، وتحد من الصراعات، مما يخفف الضغط النفسي، ويساهم ذلك في تهدئة الجهاز العصبي عبر الطقوس اليومية، الذكر والدعاء والقراءة ترتب المشاعر وتشحن الإنسان بطاقة روحية تساعده على الصمود.
وتشرح الباحثة لماذا يعود الإنسان إلى الدين بقوة في الأزمات، معتبرة أن الدين يوفر اليقين والاستقرار حين يفقدهما الفرد، ويعيد ترتيب العلاقات ويمنح الأمل، مشيرة إلى أن فقدان الثقة بين الناس ينعكس مباشرة على القيم الأخلاقية: فالستر والرحمة والعفو تتطلب بيئة آمنة، وعندما تسود الشكوك والريبة تتراجع هذه القيم إلى مستوى الشعارات.
كما تؤكد أن غياب القدوة الدينية المؤثرة يخلق اضطرابًا أخلاقيًا، لأن الشباب يبحثون دائمًا عن نموذج يتبعونه، وإذا غابت القدوة الأصيلة، ظهرت نماذج بديلة قد تكون سطحية أو مضللة.
وتختتم بأن التربية على القيم تحتاج إلى أساليب عملية: القدوة داخل الأسرة، القصص، الطقوس اليومية، النقاش، والتجارب المباشرة.
الإعلام الديني.. غياب عن التحول الرقمي
في الجانب الإعلامي، يقدّم الدكتور ساعد ساعد للجنوب الكبير، تشخيصًا حادًا لوضع الإعلام الديني في الجزائر، مؤكداً أنه لا نملك إعلامًا دينيًا بمعنى الكلمة، الإعلام تغيّر جذريًا، لكن الإعلام الديني بقي أسير الأساليب التقليدية”.
ويرى أن الإعلام الديني اليوم عاجز عن التأثير في الجمهور، لأن منصات التواصل تخوض “معركة شرسة ضد القيم”، بينما الإعلام الديني لم يتبنَّ تقنيات العصر، ولا خطابًا جذابًا يفهم لغة الشباب.
وعن كيفية إعادة الثقة بين الفكرة الدينية والمجتمع، يدعو الدكتور ساعد إلى النزول إلى اهتمامات الشباب والعائلات ومناقشة تحدياتهم اليومية بالإضافة لتجديد الخطاب الديني بما يتوافق مع النص القرآني وروح العصر وإنتاج محتوى يتفاعل مع التحول الرقمي.
أما أكثر الأخطاء شيوعًا في المحتوى الديني، فيعددها الدكتور في انتشار خطاب التطرف والمذهبية والفهم السطحي للنصوص وكذا التفاعل الانفعالي بدل معالجة القضايا.
هذه الأخطاء كما يوضح جعلت الكثير من المحتوى الديني عاجزًا عن الإقناع، بل في بعض الأحيان مُنفّرًا للجمهور.
بين المسجد والإعلام والمجتمع.. من يصنع التغيير؟
عند جمع تصريحات الخبراء الأربعة، تظهر صورة متكاملة لمشكلة واحدة ذات أبعاد متعددة:
القيم الدينية ما تزال حاضرة في الوعي، لكنها ليست بالقدر ذاته في الممارسة، بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية وإعلامية.
ويرى الإمام العربي عراب أن المسجد قادر على ترميم العلاقات الاجتماعية عبر دوره الروحي والاجتماعي، بينما يؤكد الباحث بغداد محمد أن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة “الإقناع”، التي تتطلب خطابًا علميًا حديثًا، وتوضح الباحثة النفسية خديجة أن القيم الدينية تحمل قوة علاجية واجتماعية كبيرة إذا وجدت بيئة ثقة، أما الدكتور ساعد فيشدّد على أن الإعلام الديني يجب أن يتغير جذريًا ليتفاعل مع الواقع الجديد.
إن واقع القيم الدينية في المجتمع اليوم ليس واقع تراجع كامل ولا استمرار مطلق، بل واقع تحوّل، فالقيم ما تزال راسخة في الوعي الجماعي، لكنها تتعرض لاختبار عسير أمام موجة الفردانية والضغوط الاقتصادية والتحولات الثقافية وفضاءات الإعلام الجديد، وبين ما يقوله الإمام وعالم الاجتماع والباحثة النفسية وخبير الإعلام، يبرز درس واحد هو أن القيم لا تُستعاد بالوعظ وحده، ولا تتحقق بالشعارات، بل عبر القدوة، والسياسات الاجتماعية، والتربية، والإعلام الذكي، والخطاب الديني المتجدد.
إنها مسؤولية مشتركة بين الفرد والأسرة والمؤسسة الدينية والمدرسة والإعلام، وإذا نجح المجتمع في تحويل القيم من معرفة نظرية إلى ممارسات يومية، فإنه لا يحفظ فقط توازنه الأخلاقي، بل يصنع مستقبله على أسس أكثر صلابة وإنسانية.

