عبدالله لأطرش | مراسلو الجنوب الكبير
في الفضاء الصحراوي لمدينة تندوف، لا تُعدّ اللّهجة الحسّانية مجرد وسيلة تواصل يومي، بل هي روح المجتمع ونبضه الثقافي والاجتماعي؛ إنها اللّغة التي تتسلّل إلى تفاصيل الحياة الصّغيرة كما تحضر بقوة في اللحظات الكبرى، مشكّلة بذلك نسيجًا لغويًا يعكس هوية جماعية متماسكة، ويؤكّد على استمرارية تقاليد عريقة في وجه التحوّلات الحديثة.
في المجتمع التندوفي، تؤدّي الحسّانية وظيفة اجتماعية أساسية، حيث تُستخدم في بناء العلاقات وتوطيدها، مما يحدث دفئا وأنسا من جهة، ومتانة وصلابة في النسيج الاجتماعي من جهة أخرى.
في المجالس اليومية، تُتداول الأحاديث باللّهجة الحسانية بسلاسة، فتُكسر الحواجز الرّسمية، ويشعر الأفراد بالقرب والدّفء، فعندما يقول أحدهم: “كيف حالك؟” بصيغة حسانية مثل “أش حالك لاباس؟”، أو ” شكيفك؟” أو “شكيف الصباح؟” أو ” واش مواسي؟” فإنها لا تحمل مجرّد سؤال، بل تعبيرًا عن اهتمام صادق وانتماء مشترك، هذه البساطة في التعبير تمنح اللّغة طابعًا إنسانيًا عميقًا، يجعلها أداة للتقارب لا مجرّد وسيلة لنقل المعلومات.
أما في المناسبات الكبرى، كالأعراس والاحتفالات الاجتماعية، فإنّ الحسانية تتجلى بأبهى صورها؛ هنا، تتحول اللغة إلى فن قائم بذاته، خاصّة في الشّعر الحساني (اللغن)، حيث يُلقي الشّعراء قصائد تمجد الكرم، وتخلّد المواقف، وتصف الجمال أيا كان بأسلوب غني بالإيقاع والصّور، على سبيل المثال، قد يُقال في مدح العريس:
“ذاك الفتى زين الصفات وفعالو +++ عالي المقام ومعدنه ما يمالو”
هذه الأبيات، رغم بساطتها، تحمل إيقاعًا موسيقيًا وجمالية تصويرية تُضفي على المناسبة طابعًا احتفاليًا خاصًا.
وفي الحياة اليومية الروتينية، تستمر الحسانية في أداء دورها الحيوي. في الأسواق، وفي البيوت، وفي أماكن العمل، تُستخدم للتعبير عن مختلف التفاصيل، من المساومة على الأسعار إلى سرد الحكايات الشّعبية. كما تنتشر الأمثال الحسانية التي تختصر تجارب الحياة في عبارات موجزة، مثل: “اللي ما يعرفك يجهلك”، وهي حكمة تعكس أهمية المعرفة في بناء العلاقات وتجنب سوء الفهم، أو ” الجرح يبرا وكلمة العار ما تبرا” وهو مثل يضرب في شدة التحذير من إقدام الناس على كلام فيه عار لا يمحى لأنه أقسى من الجرح الذي يندمل ويشفى…
من الناحية الثقافية، تُعد الحسانية في تندوف مستودعًا للذاكرة الجماعية، فهي تحمل في مفرداتها آثار التفاعل بين مكونات ثقافية متعددة، وتُجسّد نمط العيش الصّحراوي بكل ما فيه من قيم الصّبر والكرم والتضامن، كما أنّ استخدامها المستمر في مختلف السياقات يُسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية، خاصّة في ظل التحديات التي تفرضها العولمة وانتشار اللغات الأخرى.
جماليًا، تتميز الحسانية بقدرتها على المزج بين البساطة والبلاغة. فهي لا تعتمد على التعقيد اللغوي، بل على قوة الصّورة وصدق التعبير، ويظهر ذلك بوضوح في وصف الطبيعة أو المشاعر، حيث تُستخدم مفردات مستمدة من البيئة الصّحراوية، مثل “الريح”، “الرّمل”، و”النجوم”، وأرض “الحمادة وما فيها من نبات أو جمال…” لتشكيل صور شعرية مؤثرة، هذا الارتباط الوثيق بالبيئة يمنح اللغة طابعًا أصيلًا، ويجعلها قادرة على التعبير عن تجربة إنسانية فريدة.
ورغم التغيرات التي يشهدها المجتمع، خاصّة مع انتشار التعليم والوسائط الحديثة، لا تزال الحسانية تحتفظ بمكانتها في تندوف، بل إنّ حضورها الطاغي في المناسبات، واستمرار استخدامها في الحياة اليومية، يؤكدان على قدرتها على التكيف والبقاء.
في الختام، يمكن القول إنّ اللهجة الحسانية في المجتمع التندوفي ليست مجرد لهجة، بل هي كيان ثقافي متكامل، يجمع بين الوظيفة الاجتماعية والجمالية الفنية، إنها لغة الحياة بكل تفاصيلها، من أبسط اللحظات إلى أعظمها، ومن خلالها يُعبّر المجتمع عن ذاته، ويُحافظ على هويته، ويُبدع في آن واحد.

