في السنوات الأخيرة تصدرت منطقة الساحل الإفريقي مصاف الدراسات الأمنية والإستراتيجية، من خلال الاهتمام الكبير الذي توليه مراكز البحث والدراسات المتخصصة، وانجذاب صناع القرار الدولي لمخرجات هذه الدراسات، زيادة على التعامل الجاد لقادة الشركات العابرة للقارات مع المعطيات الاقتصادية المكتشفة، مما فتح المجال أمام العديد من السيناريوهات المستقبلية لهذه المنطقة، مما يوجب الانتباه إلى المرتكزات الذاتية في إدراك أهمية المنطقة.
الجغرافية وآفاق الأمن
من أجل فهم خلفيات المرتكزات الإستراتيجية لإدارة منطقة الساحل، نحتاج إلى أحد أهم المفاتيح التي تكشف لنا جزء من أسرار الإدارة الإستراتجية التي نجحت في توفير الأمن والازدهار للمنطقة، ويتصدر هذه المفاتيح تجربة الشيخ المختار الكنتي الذي يوصف في كتب التراث بأنه (صاحب هيبة ومكانة في منطقة أزواد بشكل عام، فكان يحمي وتأوي إليه أفواج القبائل والفئات، بل كان يقيل الحكام والأمراء والقادة في منطقة أزواد، ويقيم الشأن العام ويدير العلاقات، وكان مهيبا إلى أقصى درجة)، إن مستوى النفوذ الذي بلغه الشيخ الكنتي وعائلته والمجموعة التي صنعها لتدور في فلكه، جعلت منه الشخصية التي تتحكم في الكثير من خيوط الجغرافيا التي يستطيع منها أن يتحرك بأريحية وبراغماتية، كونه تجنب من خلال ما بناه من نفوذ فاعل، الكثير من العراقيل والافخاخ والصدمات، ويمتص حتى تلك النتائج غير المتوقعة من إفرازات الجهات والقوى التي تصادمه.
لقد تجاوز الشيخ الكنتي مستوى الزعامة المحلية وتأثير المشيخة الروحية المحدودة، لينتقل الى مساحات التأثير في البنية الجيواستراتيجة، والتحكم في مصير البنية المشكلة لمنطقة الساحل، عبر مفاتيح إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية للقبائل والقوى السياسية المكونة لبنية المنطقة، فقد بلغ تأثير نفوذه إلى (إقالة الحكام وقادة المنطقة)، لأنه يمتلك نفوذا ذا مستوى عالي (كان مهيبا إلى أقصى درجة)، فكل من أراد أن يبقى في مكانه ويحفظ عليه حكمه عليه إن يحصل على رضا الشيخ الكنتي، زعيم الساحل الإفريقي والمتحكم في مصيره والمدير لشأنه اليومي.
مرتكزات القيادة
إن المسافة الزمنية المقدرة ب (84 عاما)، وبالذات ما بين (1727و1811م)، فرصة سانحة لمعرفة واكتشاف تجربة مهمة في تاريخ الذاكرة الوطنية، تجربة صناعة الأمن وممارسة جودة إدارة الشأن العام، في منطقة معقدة ومتنوعة ومتعددة، لنجد أنفسنا من خلال هذه التجربة أمام مرتكزين لهذه التجربة، أولهما شخصية الشيخ المختار الكنتي، وثقل قبيلة كنتة التي كانت تستند على عدد هائل من الزوايا تمتد فروعها إلى أعماق إفريقيا الغربية.
إن الانسجام القائم بين الشخصية القيادية للشيخ مختار الكنتي المثقلة بمختلف مسالك المعرفة والرصيد الميداني في التعامل مع مستجدات الواقع المعقد والمتنوع، يمنح النخب العلمائية اليوم التوغل في ثناياها لاكتشاف آليات الإدارة والتعامل مع إفرازات يوميا منطقة الساحل الإفريقي، وتجنيبه المتوقع من المخططات الراغبة في إدارته وفق حسابات ومصالح غير متوافقة مع طبيعته الأصلية، فهو يتحكم في جزئيات الشأن العام عبر الخطوط الاتصالية التي نسجها مع القبائل ومختلف الفئات الأخرى، وما استولى عليه من إدارة الشأن العام، فمصالح الأطراف المكونة للساحل الإفريقي تدرك أنها مصيرها موجودة في أيدي الشيخ الكنتي.
إن قيادة الشيخ الكنتي لمنطقة الساحل الإفريقي، لم تأتي من العدم وليست مجرد كلمات ولا شعارات جوفاء، وليست أمنيات عاطفية، وإنما جاءت عبر الإدراك النوعي والتفكير الذكي والتخطيط المحكم الذي امتد لسنوات طويلة شكله الشيخ الكنتي عبر تزويد نفسه بمختلف العلوم والمعارف والتجربة الميدانية التي تحصل عليها من خلال رحلاته وما استفاده من مخالطته لشيوخ وقادة القبائل، الذين منحوه الكثير من المعارف والمعلومات التي حولها عبر ما امتلكه من مهارات قوية إلى خطط ومشاريع، كان الهدف منها في النهاية الوصول إلى بناء نفوذ نافذ للمنطقة يتحكم في مصيرها.
الهندسة الإستراتيجية
إن الرهانات الإستراتيجية التي أفرزتها المستجدات الحالية، تفرض قدرا من الاستيعاب والتواضع الذكي، الذي يتم عبره الانتقال نحو فهم جيد لما يتم تنفيذه في أرض الواقع، ليأتي قبله وبعده تلك الرؤية الناضجة التي تستوعب تجارب السابقين، ليس لتقليدها أو إعادة إنتاجه وإنما من أجل الاستفادة من فكرة التكيف المنطقي والطبيعي والمنسجم، وهي الاستفادة التي تنظر إلى المنجز التاريخي بعين الاعتبار على أساس ( أثمرت جهود الشيخ سيدي المختار الكنتي وأبناؤه وأحفاده من بعده نشاطا عمرانيا وفكرا سياسيا عميقا، حيث نجد أن تلاميذه أقاموا مدنا عامرة مثل تيندوف في الجزائر، وبوتلميت وبير أم اكرين والنعمة في موريتانيا، وأقام تلاميذه مملكة سيكوتو في نيجريا وقادوا الجهاد السياسي العلمي في مقاومة الوثنية والاستعمار).
إن مشروع الشيخ الكنتي ليس مجرد نفوذ ميداني ولا سيطرة زعامة على منطقة الساحل الإفريقي، وليست أمنية شخصية قوية ولا رغبة عاطفية لعائلة كبيرة، وإنما هي مشروع سياسي وثقافي واقتصادي متكامل، ينطلق من الإدراك الجيد لأهمية المنطقة ويهدف إلى منح أهلها الاستقلالية المتكافئة مع مكانتها التاريخية وثقلها المستقبلي، وهي الثنائية التي ترنو إلى إقامة سيادة استقلالية، يجد أهل المنطقة أنفسهم في أريحية من معاشهم وتعايشهم، دون أن تمس كرامتهم أو تسلب حقوقهم أو تمس سيادتهم، وهو ما جعل من المشروع متجاوز لحدوده الزمنية، بل تقع مسؤولية إعادة تفعيل مرتكزاته الأساسية على عاتق المؤسسات المستأمنة على المنظومة التاريخية للمجموعة الوطنية، ليس من خلال استنساخه ولكن من خلال إعادة قراءة نموذجه وتفكيك بنياته.
النافذة الممكنة
إن إمكانية توقع الإقدام على التعاطي مع مستجدات منطقة الساحل الإفريقي، لا تضمن التطلعات والرغبات العاطفية ولا الخطوات الحالمة، ولا تسعف النجاح فيها الاعتماد على الآليات المتوفرة ولا الاطمئنان إلى التصورات الغربية، وإنما النجاح المتوقع في إدارة المنطقة، يقوم أساسا على وعي جاد وحقيقي لمكانة المنطقة استيعاب جيد للتجارب التاريخية وفي مقدمتها تجربة الشيخ مختار الكنتي وقبيلة كنتة، والتي تشكل احد أهم مرتكزات النجاح في التعامل مع ما يستجد اليوم من معطيات في المنطقة وما يراد لها من سيناريوهات خادمة بالضرورة لمصالح من هام خارج دائرتها الجغرافية.
إن تجربة الشيخ مختار الكنتي (وغيرها من التجارب المتوارية)، تندرج في سياق السعي نحو بلورة رؤية إستراتيجية جديدة لتوفير مرتكزات حقيقية لأمن منطقة الساحل الإفريقي، خاصة وان هذه التجربة قد حققت نجاحا مهما، في زمن حساس تمثل في زحف المشروع الاستعماري الغربي، الذي يتم إعادة صياغته اليوم وتسويقه بأساليب جديدة اليوم، خاصة وان الاستعمار في كل مرة يستند في تحقيق أمنياته وبلوغ أهدافه على منتوجات البحوث العلمية والثورات التكنولوجية، ليسخرها للاستيلاء على ثروات وإمكانيات الشعوب الأخرى من اجل تلبية حاجاته المادية والاستجابة لمتطلبات تعميق سيطرته وبسط هيمنته على الآخرين الذين لا يستحقون التمتع بثرواتهم في نظره، وهو ما يتم إعادة ممارسته اليوم عبر العديد من الأساليب والتقنيات الجديدة، التي يعيد إنتاجها من تجاربه السابقة وان كانت بنفس الأهداف.
