من منا لم يمرّ بمرحلة من الإحباط والإرهاق والتعب النفسي أثناء بحثه عن عمل؟
تبحث وتبحث ثم تبحث لتجد نفسك ثابتًا في مكانك بينما العالم من حولك يتغير ويتقدم دون توقف، فتتساءل في قرارة نفسك: أين الإشكال تحديدًا؟ هل هو في شخصي؟ في مهاراتي؟ أم ماذا تحديدًا؟ تشعر بانعدام الثقة والقلق والخوف من المستقبل، وربما ببعض مشاعر الغيرة عند رؤية غيرك يحصل على ما ترغب به، فتتجمع المشاعر السلبية فتنطفئ شعلة الحماس والأمل وينفتح أمامك مسار يُدعى المجهول.
ماذا نقصد بالمرونة النفسية؟
يمكننا تشبيه المرونة بالماء، فهذا الأخير تركيبته أكثر المواد مرونة وانسيابية، فعند اصطدامه بالحجر لا يقاومه بل ينساب ويتكيف معه ليجد مسارًا آخر يعبر من خلاله. يمكن إسقاط نفس الفكرة على مفهوم المرونة النفسية، فهي القدرة على التكيف وإيجاد طريق عبر التحديات التي تقابلنا في رحلتنا، سواء أثناء بحثنا عن عمل أو في مسارات أخرى من حياتنا. فالمرونة النفسية ليست شيئًا يولد معنا بالفطرة، بل هي مكتسبة، تُكتسب من خلال التحديات والإخفاقات المتكررة، حيث تشكل كل تجربة ضغط أو فشل عضلة نفسية جديدة تُسقى بما نسميه القوة النفسية (من ثبات انفعالي، تكيف وصمود نفسي، ذكاء عاطفي إضافة إلى المرونة النفسية نفسها).
كيف يمكنني اكتساب هذه القوة أثناء مرحلة البحث عن عمل؟
القوة النفسية لا تعني ألا تتأثر، بل أن لا تنكسر، بمعنى أن تتقبل الشعور السلبي بصدر رحب ثم تنهض سريعًا لتكمل طريقك. وهنا يتبادر إلى ذهنك السؤال التالي: كيف يمكنني اكتساب القوة النفسية؟
الإجابة عن هذا السؤال ستكون في شكل خطوات من خلالها ستتمكن من الحفاظ على توازنك النفسي ووعيك أكثر بهذه المرحلة:
حدد نقاط قوتك وضعفك.
ابدأ بطرح هذه الأسئلة على نفسك:
ما الذي أجيده؟ ما الذي يحتاج إلى تطوير؟
هذه المعرفة تمنحك إحساسًا بالتحكم، وهو أساس الثبات النفسي. فالباحث عن عمل القوي نفسيًا لا يبحث عشوائيًا، بل يتقن مهارتي التخطيط وطرح الأسئلة (في المقال القادم سنتطرق إلى موضوع مهارة طرح الأسئلة بشكل مفصل).
ضع هدفًا واقعيًا ومحددًا، فالهدف الواضح يخفف التوتر ويمنحك اتجاهًا واضحًا. فبدل أن تقول “أريد وظيفة”، قل “أريد الحصول على وظيفة إدارية خلال 3 أشهر”، لكن لا يكفي القول وحده، بل اكتب هدفك الرئيسي وأهدافك الثانوية أيضًا، فالوضوح يمنحك السيطرة ويقلل القلق الناتج عن الغموض.
راقب أفكارك وعواطفك، فعندما تكرر عبارات مثل: “الخدمة بالمعريفة، مش رايح نلقى خدمة، أنا كرهت، واحد ما راح يوظفني”، فمن الطبيعي أن يتبعها إحباط تلقائي. لكن عندما تغيّر العبارات إلى: “صحيح المعريفة تساعد لكن كفاءتي ستوصلني أيضًا، لازمني نشكل علاقات تساعدني وتقربني من هدفي أكثر، سأجد المهنة التي ستسعدني في الوقت المناسب لي، أشعر بالإحباط الآن وأحتاج إلى فترة استراحة لأعود بقوة وطاقة جديدة، أنا أستحق أن أتوظف فقط عليّ معرفة المهارات المطلوبة”، فانطلاقًا من تبنيك لهذه المعتقدات ستحدث نقلة نوعية حقيقية لك.
وعليه درّب نفسك على تحويل الأفكار السلبية إلى أفكار إيجابية بناءة ليتجسد النجاح في واقعك.
اسمح لنفسك بالشعور ثم تجاوز، فمن الطبيعي أن تشعر بالضيق بعد الرفض أو بالحزن بعد مقابلة غير موفقة. المفتاح هو ألا تبقى عالقًا في تلك المشاعر، اعترف بها، عبّر عنها، ثم تحرك، فلا يمكننا التحكم في الشعور الذي يتملكنا حينها، لكن يمكننا التحكم في ما نفعله بعده.
درّب نفسك على الهدوء، فالثبات الانفعالي جزء من القوة النفسية. مارس تمارين التنفس العميق أو المشي المنتظم، فالهدف هنا ليس تجاهل التوتر بل تفريغه بطريقة صحية قبل أن يتراكم داخلك.
عزّز الذكاء العاطفي، ويتم ذلك من خلال الوعي بذاتك، بأفكارك ومشاعرك، إضافة إلى مشاعر الآخرين وسلوكياتهم. فمثلًا أثناء مقابلات العمل أو التواصل مع مسؤولي التوظيف، اقرأ لغة الجسد، نبرة الصوت، إيماءات الوجه وإشارات الاهتمام. كما يجب أيضًا أن تفصل بين ذاتك ونتائجك، فالرفض لا يعني أبدًا أنك فاشل أو ميؤوس منك، بل أن الفرصة لم تتوافق معك بعد. القوة النفسية تنمو حين تفصل بين قيمتك الشخصية ونتائجك المؤقتة.
حوّل الفشل إلى فرصة، فبعد كل تجربة مقابلة توظيف غير ناجحة اسأل نفسك السؤال التالي:
ما الذي تعلمته من هذه التجربة؟
وما الذي سأقوم به بشكل مختلف في المرة القادمة؟ إن كل تجربة هي فرصة لتحسين استراتيجيتك، لا دليل على عدم كفاءتك.
تذكر النجاحات الصغيرة، فالقوة النفسية تُغذّى بالاعتراف بالتقدم. ربما لم تحصل على الوظيفة بعد، لكنك أعددت سيرة ذاتية أفضل، فتحت حساب “لينكدإن” احترافي، سجلت في مواقع التوظيف الإلكترونية أو حضرت مقابلة بثقة أكبر. هذه انتصارات صغيرة تراكم الثقة لديك أكثر، فلا تتوانَ عن الاحتفال بأبسط إنجازاتك.
اختر من تتحدث معه عن تجربتك في هذه المرحلة، اختر محيطك بعناية، فبعض الأشخاص قد ينشرون السلبية عن غير قصد وينقلون لك العدوى، فأحط نفسك بمن يقاسمك التجربة بحماس وأمل من أصدقاء إيجابيين مرّوا بتجربة مشابهة لتجربتك أو أشخاص يعملون في نفس المجال الذي تبحث فيه.
رحلة البحث عن عمل ليست بالأمر الهيّن، فهي تختبر صبرك وقوتك في مواجهة التحديات ومختلف مشاعر الإحباط والتقلبات النفسية. وهنا تحديدًا أنت تحتاج إلى التحلّي بالقوة النفسية لتساعدك على النهوض بعد كل سقوط وتحويل كل تجربة مزعجة إلى فرصة نجاح.
