عبد العزيز تويقر | مراسلو الجنوب الكبير
تشهد الساحة المغربية غلياناً شعبياً لافتاً تمثل في موجة من الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت كبرى الحواضر والمدن، لتنقل بوضوح صوتاً رافضاً لاستمرار تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتؤشر على تعمق أزمة ثقة غير مسبوقة بين المواطن والنظام السياسي وقراراته الأخيرة.
وتهدف هذه التحركات إلى لفت الانتباه نحو المعاناة اليومية التي يعيشها الشارع، في ظل قناعة شعبية متزايدة بأن الوعود الانتخابية التي أطلقتها النخب السياسية الفائزة بقيت مجرد شعارات رنانة حبيسة الأدراج، مما فاقم مشاعر الإحباط واليأس، خاصة عقب المحطات الانتخابية الماضية التي تميزت بمقاطعة شعبية واسعة عكست بوضوح حجم الفجوة القائمة واتساع مسافة الجفاء والقطيعة مع مؤسسات التدبير العام والمنظومة الحزبية الحالية.
وقد تجسد هذا الاحتقان الميداني في خروج الآلاف من المواطنين إلى شوارع العاصمة الرباط، والدار البيضاء، وفاس، ومراكش، رافعين شعارات قوية تطالب بترجمة البرامج الحكومية إلى تدابير ملموسة في واقع عيشهم اليومي. وفي مقدمة هذه المطالب يأتي الحد من غلاء المعيشة، وتخفيض أسعار المواد الغذائية والتموينية الأساسية، وفتح آفاق حقيقية للتشغيل لامتصاص معدلات البطالة المرتفعة، فضلاً عن المناداة بإصلاح جذري لقطاعي التعليم والصحة العمومية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لملاحقة الفاسدين.
من جانبها، سارعت أحزاب المعارضة إلى إعلان دعمها للمطالب الشعبية المرفوعة في هذه التظاهرات، معتبرة أن نزول المواطنين بكثافة إلى الشارع يشكل انعكاساً طبيعياً ومرآة حقيقية لحجم خيبة الأمل الشعبية تجاه نتائج الاستحقاقات الأخيرة، وفشلاً صريحاً للحزب الحاكم في إحداث التغيير الموعود. وتضع هذه التطورات الميدانية المتلاحقة المشهد السياسي والاجتماعي بالمغرب أمام تحديات مصيرية لتهدئة الشارع والاستجابة لمطالبه المشروعة.
أزمة ثقة بين المواطن ونظام المخزن
عرفت عدة مدن مغربية احتجاجات عارمة تعبيرا عن مطالب اجتماعية وسياسية واقتصادية، في ظل تردي الوضع الاجتماعي وأزمة ثقة ازدادت حدتها عقب الانتخابات الأخيرة التي نظمها المخزن وعرفت مقاطعة واسعة من قبل الشعب.
وعكست الاحتجاجات التي احتضنها الشارع المغربي تصاعد القلق الاجتماعي بعد الانتخابات الأخيرة وقناعة المواطنين بأن المشهد السياسي لم يتغير وأن الوعود الانتخابية مازالت حبيسة الشعارات، فأتت التحركات الشعبية لتؤكد أزمة الثقة بين المواطن ونظام المخزن.
وخرج المواطنون بالرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش, رافعين شعارات تطالب بترجمة الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة في مجالات المعيشة وخفض أسعار المواد الأساسية والتشغيل والحد من البطالة, إضافة إلى مطالب بإصلاح التعليم والصحة العمومية, ومحاسبة المسؤولين المتورطين في الفساد.
وأعلنت أحزاب المعارضة دعمها للمطالب الاجتماعية، معتبرة أن الاحتجاجات تعكس “خيبة أمل شعبية” في نتائج الانتخابات وفي قدرة الحزب الفائز على التغيير.
وأثار فوز حزب “الأصالة والمعاصرة” في الانتخابات التشريعية الأخيرة جدلا واسعا داخل المغرب وخارجه، حيث تم توجيه انتقادات لاذعة له تتعلق بملفات الفساد والارتباط بشبكات مشبوهة, ما جعل صورته السياسية محل تساؤل لدى الرأي العام.
واعتبرت أطراف سياسية وإعلامية أن المشهد السياسي بقي على حاله ولم يتغير وأن وعود الإصلاح والتنمية التي رفعت خلال الحملة الانتخابية لم تجد طريقها إلى التنفيذ، مستدلين بالوعود المتعلقة بخلق مليون منصب شغل أو برفع الأجور بشكل واسع والتي “تبقى أقرب إلى الشعارات الدعائية منها إلى برامج واقعية قابلة للتنفيذ”.
وفي سياق الفضائح المرتبطة بالحزب الفائز والمدعوم من قبل المخزن، تورط قياديان بارزان في “الأصالة والمعاصرة” في شبكة مرتبطة ببارون المخدرات الملقب ب”اسكوبار الصحراء”, حيث كشفت وسائل إعلامية استغلال أحدهما شركته للبناء من أجل تسهيل عمليات لوجستية مرتبطة بالتهريب، بينما استغل الثاني موقعه كرئيس لنادي رياضي مغربي وعلاقاته المؤسساتية في عمليات غسل الأموال و تزوير الوثائق.
وتعرض الحزب لانتقادات شديدة ترتكز على ملفات فساد مثبتة قضائيا، شكلت مادة دسمة للمعارضة التي اعتبرت أن الحزب الفائز لا يمكنه قيادة إصلاح حقيقي، وهو مثقل بملفات فساد, حيث وصفه زعيم “العدالة والتنمية” ب”الحزب الفاسد”, لافتا النظر إلى أن قياداته متورطة في قضايا فساد وأنه “لا يمثل مشروع إصلاحي حقيقي”.
وأضاف أن فوز الحزب بالانتخابات “لا يعني بالضرورة بداية مرحلة جديدة, بل استمرارا لنفس السياسات التي لم تحقق نتائج ملموسة في ملفات التشغيل والتعليم والصحة”.
من جهته, انتقد حزب “التقدم والاشتراكية” غياب رؤية واضحة لدى “الأصالة والمعاصرة”, معتبرا أن “تورط قيادات هذا الحزب في قضايا تهريب ومخدرات يضعف صورة المؤسسات أمام المواطنين”.
وذهب تحالف اليسار (فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد) في نفس الاتجاه، حيث أكد أن فوز “الأصالة والمعاصرة” يعكس أزمة ثقة في السياسة المغربية وأن استمرار نفس الوجوه المتهمة بالفساد يعكس أزمة عميقة في النظام السياسي.
وفي سياق ذي صلة، اعتبرت صحف أجنبية وخاصة الإسبانية منها، أن فوز الحزب رغم فضائحه المتعددة يعكس “أزمة ثقة” في السياسة التي يتبناها المخزن، مؤكدة أن استمرار نفس الوجوه يضعف صورة البلاد أمام شركائها الأوروبيين.
وتكشف الانتقادات الموجهة إلى المغرب بعد الانتخابات الأخيرة أن فوز حزب “الأصالة والمعاصرة” زاد الطين بلة وأنه لم ينجح في تهدئة الشارع أو إقناع الرأي العام بجدية التغيير وأن أزمة الثقة بين المواطن والدولة ما زالت قائمة.
الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع رفض قاطع لمسار الخيانة والذل
وعلى صعيد آخر، انطلقت موجة احتجاجات جديدة رافضة لتطبيع نظام المخزن مع الكيان الصهيوني, وردا على التقارير الأخيرة التي تشير إلى توجه رسمي لتعزيز العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الإجرامي ورفعها إلى مستوى السفارات.
وخرج مئات المواطنين في وقفات احتجاجية بعدة مدن كبرى, حيث نظمت “الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة” فعاليات في 45 مدينة تحت شعار “جمعة الأقصى ورفض التطبيع”, بمشاركة آلاف المحتجين الذين رفعوا الأعلام الفلسطينية وطالبوا بوقف العدوان الصهيوني على غزة وإنهاء التعاون مع الكيان الدموي.
وتواصلت الاحتجاجات والمسيرات -استجابة لدعوة وجهتها “الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع”- للتعبير عن تضامنهم المطلق مع القضية الفلسطينية، مع الإشارة إلى أن الاحتجاجات تركزت في نقاط حيوية شملت العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء ومكناس وبني ملال وتطوان, إضافة إلى أكادير وطنجة.
وعرفت مدينة أكادير انتشارا أمنيا مكثفا وتطويقا موسعا لمنع تنظيم الوقفة الاحتجاجية, حيث انتشرت قوات الأمن المغربية في الساحة الكبرى والشوارع الرئيسية.
كما شهدت مدينة طنجة مشادات بين المحتجين وقوات الأمن التي عملت على قمع الوقفة الاحتجاجية. ووثقت تسجيلات مصورة تدخل القوات الأمنية لفض التجمعات, وسط أنباء عن تنفيذ اعتقالات في صفوف المحتجين الذين رفعوا شعارات تطالب ب”التراجع الفوري” عن خطوة رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع الكيان الصهيوني.

