إنّ المواطنة بمفهومها الواسع تُقصد بها الشعور الذي ينتاب أيّ فرد بانتمائه لوطنه من حيث كونه جزءاً منه، وله حقوق وواجبات اتجاه بلده، فهي علاقة قانونية وسياسية وأخلاقية.
كما تأخذ المواطنة أشكالاً وأبعاداً متعددة؛ منها المواطنة الاجتماعية والسياسية والقانونية، ومع التحول التقني والتكنولوجي ظهرت ما يُعرف بالمواطنة الرقمية. وباختلاف مسمياتها، فإنها تهدف في النهاية إلى تعزيز الوحدة الوطنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتنمية روح الانتماء والمشاركة، وتكريس الحسّ المواطناتي.
ومن خلال هذه الأنواع، نتطرق إلى نموذج المواطنة الخضراء، التي أصبحت واقعاً ملموساً من خلال المبادرات الجمعوية وغيرها، والتي تُعنى بالشق البيئي بصفة عامة. ويُقصد بها أن يكون الفرد مواطناً مسؤولاً بيئياً، يحترم الطبيعة ويساهم في حمايتها لتحقيق التنمية المستدامة.
وتهدف المواطنة الخضراء إلى تحقيق انسجام تام بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، انطلاقاً من المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه المحيط الذي يتعايش فيه، إذ من الضروري المحافظة عليه، وإلا انعكس ذلك سلباً عليه.
* الوعي البيئي: الإدراك التام بالمخاطر الناتجة عن التدهور البيئي.
* المسؤولية الأخلاقية: المواطنة هي الحقوق والواجبات، ومن ثمّ فهي مسؤولية أخلاقية أيضاً.
* المبادرة والمشاركة الفعالة: وهي التعبير الأصدق عن جوهر ومعنى المواطنة.
* الاقتصاد في الموارد: الهدف الأسمى للمواطنة الخضراء، ومن خلاله يتم تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في الثروات الطبيعية.
إنّ المتأمل في السلوك الجماعي الذي شهدته الجزائر يوم 25 أكتوبر 2025، والذي حمل شعار “خضراء بإذن الله”، يستنتج عدّة نقاط تدخل ضمن فلسفة المواطنة الخضراء، إذ تمّ في هذا اليوم غرس مليون شجرة عبر التراب الوطني.
وقد انطلقت الفكرة من مواطن جزائري يسعى، في إطار الحملات التشجيرية، إلى جعل الجزائر خضراء. وتبنت وزارة الفلاحة هذه الفكرة ودعمتها، لتتحول إلى حملة وطنية واسعة شهدت مشاركة جماعية من مختلف الأطياف الاجتماعية، والمجتمع المدني، والهيئات الرسمية الحكومية والأمنية، مثل الجيش الوطني الشعبي، والشرطة، والدرك الوطني، إضافة إلى فرق كبيرة من المتطوعين. وهكذا رُسمت فسيفساء وطنية جمعت المواطن والدولة في مشهد من التلاحم البيئي.
إنّ مثل هذه الأعمال الحضارية تعبّر عن نضج المجتمع وحبه للمبادرات ذات النفع العام، لاسيما وأنها ذات طابع بيئي ومناخي. ونحن ندرك حجم التحديات المستقبلية المرتبطة بهذا الجانب، في ظل التغيرات المناخية التي يعرفها العالم، وما تخلفه من انعكاسات بيئية على المجتمعات.
فمثل هذه المبادرات تسهم في التقليل من الأضرار البيئية، وتساعد على حماية الجو العام من التهديدات المناخية التي أصبحت أمراً واقعاً، مثل ظاهرة الاحتباس الحراري، وتداخل الفصول، وارتفاع درجات الحرارة سنوياً بمعدل 2%، إلى جانب ندرة المياه والجفاف، فضلاً عن الكوارث الطبيعية المتزايدة. لذلك تُعدّ المحافظة على الطبيعة ومكوناتها، وغرس الأشجار، عوامل أساسية في الحفاظ على التوازن البيئي والمناخي.
ومن الفوائد التي تجنيها الجزائر من هذه العملية، يمكن الإشارة إلى الأعوام الماضية التي شهدت حرائق كبيرة أتت على مساحات واسعة من الغابات، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً في فصل الصيف، ما أدى إلى فقدان مناطق خضراء عديدة. ومن ثمّ، فإن عمليات التشجير تُعيد الحياة لهذه المناطق وتبعث الأمل من الناحية الإيكولوجية، خاصة وأن هناك عملاً قائماً ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى تحقيق توازن في الغطاء النباتي ومواجهة مختلف التحديات البيئية.
وعليه، فإن السلوك الجماعي في عملية غرس الأشجار يُصنّف ضمن مظاهر تعزيز المواطنة الخضراء.
لقد سعت الجزائر، في إطار البرنامج الوطني لتحقيق التنمية المستدامة، إلى تنفيذ عدّة مشاريع، منها التحول نحو الطاقة المتجددة كطاقة الرياح والطاقة الشمسية ضمن استراتيجية التنويع الطاقوي والحفاظ على البيئة، إلى جانب حملات التشجير ومكافحة التصحر، ومنع استعمال الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل، وتشجيع البدائل البيئية، بالإضافة إلى الحملات التحسيسية حول الاقتصاد في استهلاك المياه والكهرباء.
إنّ واقع اليوم يفرض علينا أخذ موضوع البيئة بعين الاعتبار، لما يحمله من تداعيات مستقبلية على الإنسان والكوكب، خاصة في ظل التطور السريع الذي تعرفه البشرية في جميع المستويات، والذي أفرز بدوره تكلفة باهظة متعددة الجوانب، لها عواقب مباشرة على الفرد.
فالتطور غالباً ما يرتبط باستنزاف الثروات الطبيعية والسعي لتحقيق المكاسب المادية السريعة دون مراعاة الجوانب الأخلاقية والمعنوية. لذلك بات من الضروري إعادة ترتيب الأولويات المرتبطة بتحقيق الأمن البيئي وتشجيع المواطنة الخضراء التي تُجسّد فعلياً مبادئ التنمية المستدامة.
