يوسف آغا – النعامة | مراسلو الجنوب الكبير
في سياق الديناميكية الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها الجزائر، شكّلت مصادقة مجلس الوزراء على مشروع مصنع تكرير الحديد والصلب بالمنطقة الصناعية حرشاية بولاية النعامة خطوة نوعية تعكس الإرادة السياسية القوية لدعم التصنيع الوطني، وتكريس السيادة الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل خارج قطاع المحروقات.
وجاءت مصادقة مجلس الوزراء تتويجًا لدراسة تقنية معمّقة، استندت – حسب والي الولاية – إلى المعطيات اللوجستية المميّزة للمنطقة الصناعية حرشاية، التي تتوفر على شبكات المياه والكهرباء والطرق، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي على محور اقتصادي واعد. وقد أثبتت هذه المؤهلات قدرة الولاية على احتضان مشروع صناعي ضخم يشكّل محطة تحول حقيقية في مسار التنمية.
ومن المنتظر أن يُحدث المصنع الجديد حركية اقتصادية غير مسبوقة، من خلال خلق مناصب شغل جديدة وتوفير بيئة استثمارية محفّزة، فضلًا عن إحداث دورة اقتصادية موازية تشمل النقل والخدمات والتجارة، ما يجعل من النعامة أحد أهم الأقطاب الصناعية الصاعدة في الجنوب الغربي الجزائري.
قرار إنشاء المصنع جاء متسقًا مع توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبّون، الرامية إلى بناء صناعة حديد وطنية قادرة على استغلال الثروات الطبيعية للبلاد، وعلى رأسها خام غارا-جبيلات، الذي يعد أحد أكبر احتياطات الحديد في العالم.
وفي هذا السياق، أصدر السيد الرئيس تعليمات صارمة بالشروع في الاستخدام المحلي للخام ابتداءً من الثلاثي الأول لسنة 2026، وهو حدث تاريخي أول من نوعه منذ الاستقلال، يؤسس لمرحلة جديدة تتجه فيها الجزائر نحو تصنيع ثرواتها بدل تصديرها خامًا.
كما تمت المصادقة على إنشاء مصانع جديدة لمعالجة خام الحديد بكل من تندوف وبشار والنعامة، في إطار رؤية متكاملة تربط مناجم الاستخراج بمصانع المعالجة، وصولًا إلى مركبات الحديد الوطنية على غرار مركب طوسيالي بوهران، الذي ستستقبل خطوطه الإنتاجية أول شحنة من خام الحديد الجزائري عبر السكة الحديدية ابتداءً من 2026.
ويعد مصنع حرشاية للحديد والصلب ليس مجرد مشروع صناعي محلي، بل حلقة محورية في سلسلة وطنية تنقل الجزائر نحو عهد اقتصادي متطور قائم على: استغلال الموارد المنجمية محليًا، وتقليص فاتورة استيراد الحديد، على غرار تعزيز الصناعة الوطنية، وأيضا خلق قيمة مضافة ومناصب عمل.
ويُجمع خبراء الاقتصاد على أن هذه المشاريع تمثل “قفزة صامتة” لكنها عميقة وفعّالة، تنقل الجزائر من مرحلة تصدير المواد الخام إلى مرحلة الاستثمار في التحويل والتصنيع، بما يتماشى مع رؤية الجزائر الجديدة التي أعلن عنها رئيس الجمهورية.
وبهذه الخطوات المتسارعة، تبدو الجزائر مقبلة على مرحلة اقتصادية غير مسبوقة، تكون فيها ولايات مثل النعامة وتندوف وبشار جزءًا من منظومة صناعية وطنية كبرى. ومع دخول مشاريع الحديد والسكك الحديدية حيّز الاستغلال، تتجه البلاد بثبات نحو تحقيق سيادة اقتصادية حقيقية وبناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة التحولات العالمية وصنع مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
