في الزمن الذي كانت فيه الهواتف مجرد أدوات اتصال، لم يكن أحد يتخيّل أن يصبح الهاتف الذكي لاحقًا جزءًا من صورة الفرد، وركنًا أساسيًا من تعريفه الاجتماعي، ومعيارًا تُقرأ من خلاله مكانته الاقتصادية والثقافية.
- الهاتف كمعيار انتماء.. حين تصبح الآلة مرآة للهوية
- الاستهلاك الاستعراضي.. حين تتحول الحاجة إلى “عرض اجتماعي”
- الدعاية الرقمية.. تحالف بين الشركات وصناع الصورة
- حرب العلامات التجارية.. علم نفس المستهلك في قلب التنافس
- عبد السميع للجنوب الكبير: “الآيفون رمز رقي.. والناس تحكم عليك من النغمة”
- عبد السلام: “أشترى التقنية.. لا الهيبة”
- من يحدد السعر؟ ولماذا نشتري رغم الغلاء؟
- لماذا يستمر الطلب على الهواتف الغالية رغم الأزمة؟
- قوة الإعلانات: خلق حاجة غير موجودة
- مستقبل سوق الهواتف في الجزائر
- نحن والهواتف
لكن هذه الحقيقة اليوم واضحة للعيان: الهاتف لم يعد في جيب الناس، بل في نظرة الناس إليهم، من الشوارع إلى المقاهي، ومن المؤسسات إلى الجامعات، ومن العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، أصبح نوع الهاتف يشكل طبقة داخل الطبقة، ويصنع انطباعات فورية، ويخلق مسافات وقرابات بين الأفراد.
فلماذا أصبح الهاتف رمزًا اجتماعيًا؟ وكيف شكّلته الدعاية والتواصل الاجتماعي؟ وما الذي يجعل الشباب يتنافسون على امتلاك أجهزة تفوق قدراتهم المالية؟
في هذا السياق، نستعرض الظاهرة من خلال أربع زوايا: الزاوية الاجتماعية التي تعتبر الهاتف كوسيلة لشرعية الانتماء وزاوية الشباب للحديث عن التجارب اليومية بين الاعتراف والضغط بالإضافة لزاوية الاقتصادية لنجيب عن لماذا ترتفع الأسعار؟ ومن يشتري؟ وزاوية المستقبل أي إلى أين تتجه ثقافة الهاتف في الجزائر؟.
الهاتف كمعيار انتماء.. حين تصبح الآلة مرآة للهوية
يرى الباحث محمد بغداد أن التحوّل الثقافي المرتبط بالهاتف ليس مجرد تطور تكنولوجي، بل هو انعكاس لتحول في بنية التفكير الاجتماعي.
ويوضح للجنوب الكبير أن الهاتف في الأصل آلة اتصال وإعلام، إلا أن الأجيال الجديدة أصبحت تشعر بأنها ولدت في زمن تجاوز فيه الهاتف وظيفته، وأصبح وسيلة إثبات وجود وطريقة للحصول على شرعية الانتماء الاجتماعي.
وبحسبه، لم يعد الهاتف مجرد جهاز، بل صار خطوة ضرورية للاندماج في المجتمع الحديث، من لا يمتلك هاتفًا متطورًا يبدو “خارج الزمن”، ومن يحمل أحدث إصدار يبدو “ضمن الإطار” المقبول اجتماعيًا.
مضيفاً، أنه ظهرت سلوكيات جديدة أصبح المجتمع غير قادر على مواكبتها، الأزمات والمخالفات المرتبطة بالهاتف تؤكد عدم قدرة الكثير من الفئات على التكيف مع هذه الآلة التي تورّط الإنسان وتنهك المجتمع بتكاليف نتائجها.
بهذا المعنى، الهاتف لم يعد حاجة تقنية فحسب، بل حاجة نفسية واجتماعية تمسّ الانتماء، والقبول، والاعتراف.
الاستهلاك الاستعراضي.. حين تتحول الحاجة إلى “عرض اجتماعي”
يرى بغداد أن المجتمعات غير المستقرة اقتصاديًا أو ثقافيًا تكون أكثر عرضة للإغراء بالسلع الحديثة، فمن طبيعة سلوك المجتمعات المتخلفة أنها تنبهر بالمنجزات الجديدة، مما يجعلها تنتج سلوكات تتناسب مع ذلك الجديد، وتُحدث تعديلات في منظومتها القيمية دون تمييز بين الوسيلة والغاية،
وهنا يظهر مفهوم الاستهلاك الاستعراضي الذي طرحه “فيبلن”، حيث لا يتم شراء السلعة من أجل الحاجة، بل من أجل الصورة التي تمنحها.
وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل، تقوى هذه الظاهرة لأن الفرد لا يستهلك السلعة فقط.. بل يستهلك الطريقة التي ستُرى بها أمام الآخرين.
الدعاية الرقمية.. تحالف بين الشركات وصناع الصورة
يشرح بغداد أنّ شركات التكنولوجيا تحالفت مع منصات التواصل الاجتماعي لتشكيل نمط استهلاك عالمي فالعلاقة بين شركات التواصل والشركات المنتجة للسلع وثيقة إلى درجة التحالف الاستراتيجي، هذه المنصات أفضل وسيلة لسلب إرادة الأفراد.
كما يرى أن الشركات الكبرى تمتلك “ذراعين”: ذراعًا إعلاميًا يسلب إرادة المستهلك عبر الإعلانات، وذراعًا سياسيًا يضغط على الحكومات ويفرض شروط الاستهلاك والتوزيع، وهذا التحالف جعل الهاتف يبدو أكثر من مجرد سلعة، بل ضرورة اجتماعية.
حرب العلامات التجارية.. علم نفس المستهلك في قلب التنافس
يرى بغداد أن التنافس بين آبل وسامسونغ وشاومي ليس تكنولوجيا فقط، بل هو حرب رمزية فالشركات تدرس نفسية وثقافة المستهلك بدقة، وتبني حملاتها الإعلانية وفق ذلك، فتجعله يستهلك المنتج دون تردد، وهذا مرتبط بتسويق كل فترة، فالهاتف هنا ليس جهازًا، بل قصة تُباع للمستهلك، وصورة ينتمي إليها، وهوية يحملها في جيبه.
عبد السميع للجنوب الكبير: “الآيفون رمز رقي.. والناس تحكم عليك من النغمة”
يحمل عبد السميع هاتف iPhone 13 Pro Max ويقول إنه اختاره أولاً لجماله وقوة كاميرته، لكن وراء الاختيار سبب آخر: “التميّز”. مضيفاً، أنه بمجرد رؤية الناس لعلامة آبل يتعاملون معك على أنك من الطبقة الراقية، حتى نغمة الهاتف تكفي لجعل الناس يلتفتون، ويصف الهواتف الفاخرة بأنها أيقونة اجتماعية فالناس تحكم عليك من هاتفك، البعض يشتريه فقط ليظهر.
عبد السلام: “أشترى التقنية.. لا الهيبة”
على عكس عبد السميع، يختار إسلام نهجًا مختلفًا، يستعمل Galaxy A56 5G، ويعتبره خيارًا عمليًا إذا يوفر حسبه أداء ممتازًا ضمن سعر مناسب، لا يعنيني المظاهر، لكنّه يعترف أن المجتمع يقيم الناس بناءً على هواتفهم، فهناك فئات تقيسك بما تملك في الجامعة لاحظت ذلك كثيرًا.
ويرى أن الشركات تلعب دورًا كبيرًا في خلق هذا الوهم فالتسويق يجعل الهاتف رمزًا للثراء والتحضر، رغم أن هذا غير حقيقي، مؤكداً أن الأسعار مبالغ فيها في الفئات العليا فهناك هواتف صينية تعطي نفس المواصفات بنصف السعر.
ويختم بنصيحة عقلانية للشباب أن الهاتف أداة، وليس معيارًا للقيمة.
من يحدد السعر؟ ولماذا نشتري رغم الغلاء؟
يشرح نصر حميداتو الخبير الاقتصادي في تحليله لجريدة الجنوب الكبير أن الأسعار تُحدّد وفق خمسة عناصر أولها المواصفات التقنية وهي المعالجات والكاميرات والشاشات وكذا العلامة التجارية قوة البراند وهي العامل الأكثر تأثيرًا بالإضافة لسعر الصرف أي انخفاض في قيمة الدينار يرفع الأسعار
وطرق الاستيراد بنوعيه الرسمي وغير الرسمي (الكابة) والضمان الذي يرفع التكلفة لكنه يوفر الثقة للمستهلك.
لماذا يستمر الطلب على الهواتف الغالية رغم الأزمة؟
ورغم الظروف الاقتصادية، يؤكد حميداتو أن الطلب على الهواتف الفاخرة لم ينخفض قائلا للجنوب الكبير: ليس لأن عدد المشترين يزداد، بل لأن فئة من المجتمع ما زالت تملك القدرة الشرائية، الهاتف بالنسبة للبعض أصبح بطاقة تعريف اجتماعية، ويوضح أن الإعلانات تُقنع الناس بأن الهاتف “استثمار” في الصورة أو في الدخل، خاصة لدى صناع المحتوى، مشيرا إلى أن الشباب هم الأكثر إقبالاً على الهواتف الفخمة بسبب ثقافة الاستعراض وتأثير المؤثرين.
وفق حميداتو، الطلب لم ينخفض لكنه متمركز لدى فئات محددة وذلك راجع لعدة أسباب: الأسباب اجتماعية أن يكون الهاتف بطاقة تعريف فالهاتف الفخم يقدّم لصاحبه “مظهرًا لائقًا” يُستخدم كنوع من الاستعراض، لأسباب نفسية أو الشراء المبرر إذا يشعر المستهلك أنه يستثمر، رغم أنه قد يخسر، أما الأسباب وظيفية والتي تتمثل في جعل الهاتف كأداة إنتاج فبالنسبة لصناع المحتوى، الهاتف ليس رفاهية..بل آلة عمل.
قوة الإعلانات: خلق حاجة غير موجودة
يرى حميداتو أن الإعلانات تربط الهاتف بأسلوب حياة رفاهية، نجاح، سفر، جمالية، أناقة.. الاعلانات تقنع المستهلك أن الهاتف بوابة للرفاهية، وهكذا يتحول الهاتف إلى رمز هوية، وليس أداة للتواصل، وهذا ما يدفع البعض للديون والقروض لشراء هاتف لا يناسب دخلهم.
ويضيف ذات المتحدث ان الشباب هم الأكثر شراءً للأجهزة الراقية بسبب تأثير الأقران، أو المؤثرين، أو ثقافة الاستعراض، بالإضافة إلى الحاجة لفيديوهات بجودة عالية.
مستقبل سوق الهواتف في الجزائر
يتوقع حميداتو أن تسير السوق نحو استمرار تأثير الصورة والبراند على قرارات الشراء وتوسع فئة الهواتف المتوسطة-الراقية لتلبية رغبات “الهيبة” بسعر أقل ونمو التصنيع المحلي الذي قد يوفر بدائل بأسعار منافسة، وكذا زيادة تطوير الكاميرات والميزات الموجهة للمحتوى
نحن والهواتف
من خلال آراء الشباب والخبيرين، يتضح أن الهاتف الذكي تجاوز دوره الأصلي، وأصبح قطعة من الهوية الاجتماعية، من يحمل هاتفًا متطورًا لا يناله احترام تقني فقط، بل اعتراف اجتماعي، ومن يحمل هاتفًا بسيطًا لا يُنظر إليه على أنه عملي، بل على أنه “الأقل”، هذا التحوّل جعل الهاتف مرآةً تعكس ما نريد أن نبدو عليه، لا ما نحن عليه فعلاً.
ويبقى السؤال المفتوح: هل نختار الهاتف.. أم أن الهاتف أصبح يختار لنا صورتنا في المجتمع؟

