صدر حديثًا عن دار “الدواية” للطبع والنشر سنة 2025 الكتاب القصصي الوحل والأحاجي للكاتب والفنان المسرحي بن امحمد محمد، المستشار الثقافي بمديرية الثقافة لولاية برج باجي مختار، وهو ابن الجنوب الأصيل، من ولاية أدرار. وقد شارك الكاتب بإصداره ضمن فعاليات الصالون الدولي للكتاب “سيلا 2025”، مقدّمًا عملاً أدبيًا يعيدنا إلى دفء الحكاية الشعبية وعبق المجالس القديمة.
في هذا العمل، يستعيد الكاتب ملامح الزمن الجميل، حين كانت عجوز الحي تجمع الأطفال حولها لتحكي قصصًا تمزج بين الخيال والحكمة، فيغدو الكتاب بمثابة جسرٍ يربط الأجيال بثقافة الحكي، ويحافظ على هذا الموروث الشفهي من الاندثار في زمن طغت عليه التكنولوجيا.
يأخذنا بن امحمد في رحلة أدبية بين قصص واقعية وأخرى رمزية. فـ”الرحيبة” — تلك الساحة الشعبية في قلب الحي — تتحول إلى فضاء يختلط فيه الفرح بالصراع، حيث يتسلل “الوحل” كرمزٍ لارتباط الإنسان بأخطائه وضعفه، فتتوالى المواقف الغريبة التي تكشف عن طبيعة البشر في مواجهة ذواتهم.
وفي قصة “العائد من الموت”، نصادف مجموعة من الشباب المولعين بالمغامرة، يجوبون الصحراء على دراجاتهم النارية في رحلة صيد محفوفة بالمخاطر. لكن الرياح تأبى إلا أن تفرّقهم، فيلقى كل واحد منهم حتفه، وينجو واحد فقط ليحمل عبء الحكاية ونجاةً تثير التساؤل.
أما في قصة “القوم”، فيرصد الكاتب مأساة شباب قهرهم قانون القبيلة، فغلبهم الغضب، وتعاهدوا على الانتقام. وفي قصة “تينسم”، يقدم بن امحمد صورة مؤلمة لامرأة جميلة قادتها الظروف القاسية إلى زواج غير متكافئ. ومع مرور الأيام، يتحول زوجها إلى مدمن يسومها سوء المعاملة، فتعيش بين العنف والخوف حتى تنقلب الصرخة إلى لعنة غامضة حين تتطلع إلى القمر في ليلة حالكة، فتتحول رمزيًا إلى أداة لانتقام النساء من قهر الرجال.
مجموعة الوحل والأحاجي ليست مجرد نصوص حكائية، بل هي تجسيد لذاكرة الجنوب الجزائري، ومرآة لواقع الإنسان البسيط حين تصطدم فطرته بنوازع الشر والخير. بأسلوبه العفوي المشحون بالصور الشعبية، ينجح الكاتب بن امحمد محمد في بعث روح الحكاية القديمة بروح معاصرة، تذكّرنا بأن القصص التي كانت تُروى على ضوء القنديل لا تزال تنبض بالحياة.

