إن الإرادة التي تحدو الجميع في الوصول إلى ترميم شبكة العلاقات البينية بين الشعوب الإفريقية، من خلال التنبيه إلى الأهمية الكبرى لتوفير لقمة العيش الآمنة لهذه الشعوب، في مناخ من التعاون الوثيق والعمل الجاد والتضامن النوعي والتواصل الذكي، الذي يتناسب ومنسوب الإدراك والمهارة التي تمتلكها الأجيال الجديدة، وتكون قادرة على مواجهة الموجات الاستعمارية الجديدة، التي لم تتخلى عن جشعها وتوحشها في سلب خيرات القارة والإصرار على الدفع بها في غياهب الحروب والصراعات البغيضة.
هواجس المستقبل
إن انعقاد الطبعة الرابعة من المعرض التجارة الإفريقية البينية، يشكل فرصة ثمينة لمباشرة تفكير نوعي في أبعاد هذه التظاهرة، دون مزاحمة الاقتصاديين تحليلاتهم ورجال الأعمال اهتماماتهم، ولكن الإثراء المقصود يتمثل في الاقتراب من الأهداف المعلنة لهذه التظاهرة، والعمل على تحويل الموضوع إلى اشتغال تقوم به النخب العلمائية، تساهم به في الارتقاء بالنقاش الوطني حول القضايا الكبرى، كون المعرض ليس حدثا اقتصاديا أو تجاريا فقط، بل يشمل تناول العديد من القضايا المصيرية، وبالذات في المرحلة الراهنة التي تعرف صعودا متناميا لإفريقيا في النقاش الاقتصادي والسياسي والأمني الدولي، وما يتوقع أن تأتي به الأيام القادمة من تجسيد مخططات وسيناريوهات يتم الكشف عن بعض ملامحها من حين لآخر.
زيادة على التأثير الكبير الذي تشكله التجارة والنشاطات الاقتصادية على الجوانب الثقافية والفكرية التي تبرر وجودها وتشرعن أهدافها وتؤثر في سلوك الناس، كون الأمر لا يتعلق فقد بأرباح تنتجها النشاطات التجارية ولكنها مفاهيم وسلوكات ونفسيات وقوالب ثقافية وميولات مزاجية ومواقع تأثير اجتماعي، كون المعروف أن التجارة لها تأثير كبير انطلاقا من ثقافة الإنسان وما تحمله من عوامل وقوة تأثير في الأنماط المعيشية والتفكيرية داخل المجتمع الواحد، ويكون تأثيره اكبر واشمل على المستوى الدولي، وما ينتج عن ذلك من تغيير كبير وعميق على الشعوب وثقافتها ومزاجها ومصالحها، خاصة وان احد عناوين المرحلة القادمة من حياة العالم تتحكم فيها القوى التجارية الدولية، وما ترغب فيه من توسيع على مستويات النفوذ والسيطرة على الأسواق الدولية.
الدروب المكنونة
لقد استعاد الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي (1425 /1504م)، وهو يتجول في أروقة المعرض ويتمعر المنتوجات المعروضة، تلك المنعرجات الجغرافية التي سار في دروبها ذات يوم منذ قرون خلت، يوم أدرك أن الرهان الاستراتيجي يقع على إفريقيا، التي تحتاج إلى تحرير الإنسان وجعله يشعر بإنسانيته، ويمارس حياته وفق القيم العليا التي تعبر عن ذاته وتنسجم مع القوانين الكونية التي تؤسس للكرامة والمساواة والعدالة، وان الإنسان أولى بثرواته التي خلقها الله له، ومكنه من استغلالها لتلبية حاجاته الطبيعية وتحقيق سعادته، وهذه القيم التي جاهد من اجلها المغيلي أخذت الطابع الإنساني واستندت على المنطق الكوني، مما جعل الأفارقة يقبلون عليها ويعتنقونها بسهولة ويسارعون إلى تجسيدها في حياتهم اليومية.
إن استعادة الشيخ المغيلي في معرض التجارة البينية الإفريقية، لا يمثل استحضارا لرمزية دينية عابرة، ولكن استشرافا لتجربة نموذجية متكاملة، تندرج مباشرة في مضمون وأهداف المعرض، كون هذه التجربة استكملت عوامل النجاح في الفضاء الإفريقي من خلال الفهم الدقيق لعلاقة التجارة بقيم المنظومة الثقافية (الدينية على وجه الخصوص)، فقد نجحت وحققت الكثير من الانجازات، تحتاج اليوم إلى قراءة نوعية وعميقة لأبعادها، باعتبارها تجربة تحتاج إلى التفكير فيها وإثرائها، على اعتبار أنها تتلاقى من الأهداف المعلن عنها في الطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية، وتتلاحم كثيرا من عناوين الخطاب الرسمي للرهان الجزائري في هذه التظاهرة.
الفرصة الذهبية
لقد كان الشيخ المغيلي فرصة ذهبية للكثير من الشعوب الإفريقية وبالذات التي تتواجد في منطقة الساحل، التي سارعت إلى احتضان المغيلي والاستثمار في أفكاره، وبالذات الأفكار الاقتصادية وقيم الحرية والانعتاق، خاصة وأن الرجل يمتلك خبرة كبيرة وتجربة نوعية، في مجال التحرر الاقتصادي، وهو الذي نجح في معركة مواجهة الرأسمالية المتوحشة في منطقة توات، مما جعله مشروعا إفريقيا للحصول على الحرية الاقتصادية بالنسبة للشعوب التي كانت غارقة في التخلف والرضوخ تحت سلطة الاستغلال، كما أن الرجل لم يبخل على الشعوب التي نزل بحاضرتها، فقد لها خلاصة تجاربه وما أفرزته خبرته في مشاريع التغيير الثقافي وبناء الوعي المسهل لقيام مشاريع اقتصادية تستهدف تحقيق كرامة الإنسان وتحقيق إنسانيته وتجسيد حريته.
إن نجاح المغيلي اعتمد على الاستناد على قاعديتين أساسيتين: أولهما، استفادته القصوى من التجارب السابقة، وفهمه العميق لأبعاد الحركة التجارية التي نقل مشروع الحرية إلى إفريقيا، وهي التجربة التي كانت خلاصة التجار الأوائل الذي توغلوا في إفريقيا واستبدلوا الأسلحة والجيوش بأخلاق التجارة (القيم بدل الأسلحة)، الأمر الذي جعلهم نموذجا جديدا محملا بالقيم السامية التي انجذبت لها الشعوب الإفريقية لما وجدته من مصالح غيرت بها أوضاعها الداخلية ونقلتها نحو مستويات جديدة من الإنسانية وتحقيق معان الذات، وثانيهما، الإدراك الجيد والوضوح الكبير الذي تميز به تفكير الشيخ المغيلي الذي كان يعرف أسباب تخلف الشعوب الإفريقية، وبالذات الجوانب الاقتصادية، التي وقفت حاجز مانعا أمام إمكانية قيام تغير في حياة الشعوب الإفريقية، فسعى إلى نشر معالم مشروعه الاقتصادي، من خلال خطاب واضح ومفهوم، وان كان يبدو للبعض (في الظاهر) أنه خطاب ديني، يرغب في تقديم مفاهيم جديدة عن الدين ودوره في حياة الناس.
الرسالة التاريخية
استعاد الشيخ المغيلي وهو يتنقل بين أجنحة معرض التجارة البينية الإفريقية، المعاني التي تعلمها في شبابه وسعى إلى تجسيدها في كهولته، والمتمثلة في كون النشاطات التجارية استبدلت الجهود العسكرية وقامت بتحمل مسؤولية نقل نسائم الحرية إلى إفريقيا، التي حمل إليها التجار الأوائل قيم الإسلام وما يتضمنه من حرية واحترام كرامة الإنسان، من خلال الأخلاق الصافية والمواقف الصلبة المتمحورة حول الوقوف مع الحق في الحياة وإزالة أغلال الاستعمار بكل أنواعه، وهي المثل التي تنطلق من قاعدة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار)، ومقولة: (لقد إبتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام )، وهي الثقافة التي استساغتها الإنسانية في كل إرجاء الدنيا، ووجدت ثمارها اليانعة في إفريقيا، من خلال التطبيق الرائع للتجار المسلمون، الذين كانوا أغلبهم من أرض الجزائر وحواضرها العريقة.
استعاد الشيخ المغيلي أنفاسه وظهرت على محياه وهو يستذكر مواقف أحفاده من قادة الثورة التحريرية المباركة، الذين جعلوا من تركة المغيلي مستندا استراتيجيا في بلورة رؤيتهم نحو إفريقيا، وهي الرؤية التي تجسدت بفعالية وجودة تنفيذ، في فترة الاستقلال التي أدارت الدولة الجزائرية المستعادة أشرعتها نحو العمق الإفريقي، مقدمة الإمكانيات والوسائل ومسخرة القدرات في مساندة الموجات التحررية الإفريقية، معتبرة أن منجز الثورة التحريرية الجزائرية يحتاج إلى ضرورة استكمال مساره عبر احتضان الرغبة الإفريقية في الانتقال إلى مرحلة الاستقلال والانعتاق من براثن الاستعمار، وهو الجهد الذي ساعد الكثير من هذه الشعوب على التخلص من الاستعمار، انطلاقا من الجزائر، الأمر الذي جعل قلوب وأفئدة الكثير من الأفارقة معلقة بالجزائر وحول ثورتها الحريرية إلى أيقونة خالدة ونموذجا راقيا في الذهن الإفريقي برمته.
