يقول التاريخ أن سنة 1860 شهدت فتنة طائفة كبيرة بالشام عرفت بفتنة دمشق أين اندلعت مواجهات دموية بين الدروز والمسيحيين في جبل لبنان، وامتدت إلى دمشق، أين هوجمت جماعات الأحياء المسيحية من طرف الدروز، فلم يتردد الأمير في التدخل لحماية المسيحيين من الدروز، مدافعا عن التعايش والسلم الاجتماعي، صانعا نموذجا من السلام، استنادا إلى قناعاته الفكرية والدينية والسياسية، متحملا ما لا يقدر عليه غيره، ويقدم نموذجا للسلام يبقى وديعة ثمينة للأجيال القادمة من المستقبل.
ذكاء اللحظة التاريخية
(هؤلاء ضيوفي، ولن تلمسوهم)، صدح بها الأمير عبد القادر في وجه الجماعات الدرزية المسلحة المطاردة للدروز، مستمدا مقولته من منطق نبي الله لوط عليه السلام، واقفا في وجه شراعة الغرائز الحيوانية الطافحة بالحق والصدام الدموي، مستمسكا بمقتضيات العقل، ومنحازا إلى العدل والإنصاف، كون الحياة أصلها التعارف والتعايش، انطلاقا من قوله تعالى (شعوبا وقبائل لتعارفوا)، فالأساس الذي تقوم عليه الحياة، هو الاختلاف والتنوع في مختلف أوجهه وأنماطه الثقافي والفكرية والبيولوجي والديني، وهو التنوع الذي يمثل إكسير الحياة، ولا يؤدي دوره وفعاليته إلا إذا وجد التعايش بين الأنواع والمخلوقات.
لقد تمكن الأمير عبد القادر من القبض على اللحظة التاريخية التي جعلت منه شخصية متفردة في عصره، وهو التتويج الذي لا يمكن تصوره إلا إذا امتلك الإنسان المستوى العالي من مميزات القيادة، وتمكن من فنون ومهارات التعامل الذي مع متغيرات التاريخ، وترفع عن شهواته وعواطفه الشخصية، وارتقى إلى المستوى الإنساني المبني على النظرة الفلسفية الفاحصة، وأبصر الحقيقة الموجودة التي تضمن استمرار الحياة لجميع البشر، في وعي متبصر للقيم الإنسانية العليا، وبالذات العدل والمساواة والإنصاف والاعتراف بالتنوع.
إن الرصيد التاريخي الذي راكمه الأمير عبد القادر، وبالذات من خلال السنوات الطويلة من مقارعة الاستعمار ومواجهة الظلم ومختلف أنواع الشراهة في العدوان، جعله يمتلك كيفية معالجة المشاكل وإدارة الخلافات، كون الأمر لا يتعلق بما يترسب في النفس من الأحقاد والهواجس ضد نوعية الأشخاص الممارسين للظلم، وإنما يتجه الأمر نحو السلوك في حد ذاته، وان الظلم سلوك منبوذ مهما كان من يقوم ب هاو يمارسه، ودون النظر إلى نوعية من يقع عليه هذا الحيف، فالعدل للإنسان مهما كانت انتماءاته أو قناعاته أو معتقداته.
الطاقات القيادية
تؤكد مقولة (لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب)، إن الظفر بمكانة المتميزة في التاريخ، لا تكون إلا بامتلاك النفسية المتبصرة والعقل المتفتح والتنزه من الشراهة والنوازع الحيوانية، وإنما بامتلاك المميزات والصفات الإنسانية العالية التي تتجاوز الانتقام والظلم وتعمل على التمسك بالعدل والمساواة ومعاندة العدوان، وهو ما يعرف بالقيادة التي لا تنحصر في موقع إداري أو منصب تنظيمي ولا بامتياز اجتماعي، ولكنها في حقيقة الأمر ثمن باهظ يدفعه صاحبه، فيضع نفسه في خدمة الناس وأنه مجرد وسيلة تسعى إلى صناعة الأمن والسلام والأريحية للآخرين.
إن الميزة النوعية التي جعل من الأمير عبد القادر الجزائري شخصية قيادية جلب له احترام وتقدير الآخرين (حتى من خصومه)، ما كان يتمتع به من تراكمات تربوية وثقافية وأخلاقية، راكمها من صغره عبر التربية الصارمة التي مر بها بداية من العائلة إلى الزاوية وغيرها من مؤسسات صناعة القادة التي كانت تمتلكها المجموعة الوطنية.
لقد ترسخت تضحيات وجهاد طلبة الزوايا والمدارس القرآنية في تحرير مدينة وهران من الاستعمار الاسباني الصليبي، الكثير من الصور والقيم في عقل الأمير عبد القادر وحرفت عميقا في نفسيته، ولكنها انتقلت به من مهاوي الحقد والانتقام والنظرة المحدودة، إلى عوالم الإنسانية والعدل ومقارعة البغي، وان السلم والأمن حق أساس مشروع للنفس البشرية وان التعايش بين المختلفين هدف يبذل في سبيل تحقيقه الكثير من الجهد والتضحيات، ولا يقوم ب هالا القليل من الناس الذين يمتلكون القدرات الثمينة من الصفات والخصائص القيادية.
قد يكون من المفيد للمجموعة الوطنية وفي هذه اللحظة الفارقة من تاريخ البشرية، وما يتوقع أن تأتي به الأيام القادمة من نتائج الصراع التدميري الجاري في الشرق الأوسط، أن تتم النظرة إلى زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية، بابا الفاتيكان إلى الجزائر، أن يتم الشروع في إعادة النظر في العديد من القضايا والمفاهيم، وان تدرك النخب العلمائية أن التعامل مع النماذج الاستثنائية المنجزة من طرف المجموعة الوطنية، وفي مقدمتها مشروع الأمير عبد القادر، في صناعة السلام وتجسيد التعايش بين المختلفين، والبراعة في ابتكار الحلول الذكية للمشاكل المتعصية، تتم عبر الطاقات القيادية التي يتم صناعتها في مخابر التكون الحقيقي والمؤسسات الجادة والأساليب الذكية وعبر برامج ومخططات عميقة في الفهم ومتضلعة في الإدراك الكوني.
وديعة المستقبل
إن موقف الأمير عبد القادر في الشام وقدرته على تخليص الأرواح البشرية، وإيجاد السبل الكفيلة بصناعة السلام وتامين وسائل النجاة والحفاظ على الممتلكات، لا تتعلق بأحداث فتنة دمشق وإنما تتجاوزها إلى غيرها من الأماكن والمواقع، فموقف الأمير عبد القادر كان سيكون نفسه لو كان في إي مكان أخر من العالم، ومهما كانت ديانة وانتماءات ومعتقدات المتخاصمين، كونه استند إلى القيم الإنسانية العليا والقواعد المنطقة الضابطة للديناميكية الحياة، بعد عن أي تفكير في شهرة أو طمع في مكانة سياسية أو امتياز اجتماعي، فبقدر ما كان الموقف نبيلا ومتميزا بقدر ما كانت مخاطره كبيرة وخطيرة تمتد إلى شخص الأمير وحياة أهله وممتلكاته، وقد تحمل الأمير قدر واسع منها.
إن موقف الأمير عبد القادر في فتنة الشام، هو مشروع صناعة السلام، الذي يبقى وديعة للأجيال القادمة، ليس التي تعتقد نفس اعتقادات الأمير عبد القادر من المسلمين، وإنما هو مشروع إنساني يفترض أن ترافع عنه الأجيال الجديدة، وان ترفع المجموعة الوطنية من درجات التمسك به، والمرافعة عنه والترويج له، كون هذا المشروع مكسبا تاريخيا وطنيا تمت صناعته بعقلية وجهد جزائري خالص، يحتاج إلى أن تتم عمليات إيصاله بموثوقية إلى الأجيال القادمة.
لقد تمكنت النخب الجزائرية من الاقتباس من مشروع الأمير عبد القادر في العديد من المحطات، مثل الفوز بحل أزمة الرهائن في إيران وإعادة اللحمة إلى اليمن وتوقيف الحرب في اريتريا، وغيرها من الأزمات الدولية التي كانت خلاصة استثمار ذكي وصون أمين لوديعة الأمير عبد القادر، واليوم تجد النخب العلمائية نفسه بحاجة ماسة وهي تعيش زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية، بابا الفاتيكان، أن تكون مناسبة لرفع مستوى إنضاج الوعي الوطني بمفهوم ودلالة وديعة الأمير عبد القادر والسير نحو مسارات جديدة للكثير من دول العالم ومناطقه وبالذات تلك التي ينهشها الظلم والبغي والعدوان، وهو ما يتطلب الانتباه لاشتراطات اللحظة التاريخية التي تمر بها البشرية اليوم، وتقديم الجهود المنتظرة والتي تثبت حقيقة الوفاء للأمير عبد القادر وصون وديعته.

