منذ أن دعا القرآن الكريم الإنسان إلى التأمل في الكون وآياته، تشكّلت لدى المسلم حساسية جمالية رفيعة تُهذب الذوق وتُنمّي الروح، ممهّدة لولادة فن راقٍ يعكس رؤيته العميقة للوجود، من هنا نشأ فن الزخرفة الإسلامية بوصفه امتدادًا لفكرة التوحيد وعلاقة الإنسان المسلم بالطبيعة، فكان ثمرة تمازج بين المعتقد الديني من جهة، وبين حضارات شعوب متعددة احتضنها الإسلام واستوعب ثقافاتها من جهة أخرى. وعلى مرّ العصور، تطوّر هذا الفن حتى صار لغة جمالية قائمة بذاتها، تحمل فلسفة الأمة الإسلامية وتعبّر عن سعيها الدائم لتحقيق التوازن بين العقل والروح والجسد، تمامًا كما يتناغم أفراد المجتمع في سعيهم للبناء والرقي.
- رحلة اكتشاف.. من المصحف إلى اللوحة
- موهبة تولد من التأمل.. وتكبر بالتكوين
- أسلوب “يحيا” أكثر مما يُرسَم
- بين التقليد والإبداع.. خطوة بخطوة
- الخامات.. والروح التي تصنعها الألوان
- التخطيط.. والبحث عن الفكرة داخل التراث
- هوية روحية قبل أن تكون فناً بصرياً
- الجمهور.. مرآة تُعيد لصاحبتها الثقة
- من المسابقات إلى الطموحات الكبيرة
- الحروفيات.. جسر المستقبل
- فنّ يولد من القلب.. ليصل إلى القلب
وقد احتلت الزخارف الإسلامية عبر التاريخ مكانة محورية في الحياة اليومية للمسلمين، فزيّنت مساكنهم وأثاثهم وملابسهم وكتبهم، وأضفت على تفاصيل حياتهم روحًا من الجمال والبهاء. وتتنوّع عناصر هذا الفن بين الأشكال الهندسية الدقيقة، والعناصر النباتية الغنّاء، والخط العربي بما يحمله من دلالات أدبية وروحية وقرآنية، ليعيد الفنان توظيفها ضمن نسق بصري متوازن، قائم على التكرار والتناظر وحسن توزيع المساحات. ومن خلال هذا البناء التجريدي الرفيع، يتحول العمل الفني إلى مجال رحب للتأمل والانطلاق نحو أبعاد روحانية أعمق.
في هذا الامتداد الإبداعي العريق، تبرز تجربة الطالبة بسملة سعد التي وجدت في الخط والزخرفة الإسلامية ليس مجرد فنّ تمارسه، بل عالمًا يُشبهها ويُكمل رؤيتها للحياة، لتصبح أعمالها مرآة لروح جمالية تتغذى من التراث وتبحث عن بصمتها الخاصة في هذا الفضاء اللامحدود
رحلة اكتشاف.. من المصحف إلى اللوحة

من مدينة آفلو الهادئة، تشقّ الطالبة بسملة سعد طريقها بثبات داخل عالم الفن الإسلامي، مستندة إلى خلفية أكاديمية تجمع بين الماستر في الفنون البصرية – نقد تشكيلي بجامعة آفلو، والدراسة المتخصصة في المعهد الجهوي للفنون الجميلة بالجلفة، غير أنّ بدايات هذا المسار لم تكن في القاعات الجامعية، بل في مكان أكثر قداسة وعمقًا: صفحات المصحف الشريف.
تقول بسملة إنّ أولى جذوات الشغف اندلعت حين كانت تحفظ القرآن، من دون أن تدرك أنها تفتح أبواب عالم كامل من الجمال. كانت جمالية الخط القرآني والزخارف التي تُزيّن المصاحف والمساجد تشدّ نظرها بقوة، قبل أن تتحوّل إلى حبّ صادق ثم إلى مشروع حياة.
موهبة تولد من التأمل.. وتكبر بالتكوين
ترى بسملة أن أولى خطواتها كانت بسيطة ومتردّدة، أقرب إلى محاولات طفل يحاكي لوحة جميلة. رسمت دون قواعد، ودون وعي بأن خلف تلك الزخارف المتقنة تاريخًا ومدارس وأسسًا صارمة. لكنها كانت تمتلك ما هو أهم: الميل الفطري لهذا الفن، والموهبة التي تحتاج فقط إلى يد خبيرة تصقلها.
جاءت الجامعة والمعهد ليشكلا نقطة التحوّل. هناك تعلّمت قواعد الخط وأساليب بناء الزخرفة وأسس المنمنمات، وهناك بدأت الموهبة غير الموجهة تتحوّل إلى مهارة أكاديمية، تصف تلك المرحلة بقولها أن الفن نقطة تحوّل في حياتها حيث شعرت أنها وجدت عالمها بالفعل.
أسلوب “يحيا” أكثر مما يُرسَم
حين تسأل بسملة عن أسلوبها الفني، لا تقدّم تعريفات تقنية ولا تتحدث عن مدارس تجريدية أو كلاسيكية. بالنسبة لها، الخط والزخرفة أسلوب حياة قبل أن تكونا تقنية.
ترى أنّ هذا الجمال الإسلامي ليس شكلاً فقط، بل هو ذوق وروح ونظرة للحياة. لذلك ترفض وصف أعمالها بأنها مجرد لوحات، بل تعتبرها امتدادًا لارتباط روحها بهذا التراث. وتقول إن ما يميّز هذا الفن أنه علامة هُوية وجمال ودين، وأنه فن “خاص بنا نحن المسلمين”، يحمل من القوة ما يجعله قادرًا على تمثيل الثقافة قبل أن يعبّر عن الفنان.
بين التقليد والإبداع.. خطوة بخطوة
لا تُخفي بسملة أنها لا تزال في بدايات الطريق، لكنها حريصة على بناء أساس متين. ولهذا فهي تستند إلى مدارس فنية تقليدية، وتتأثر بشكل خاص بأعمال محمد راسم، مؤسس فن المنمنمات في الجزائر. هذا المسار الكلاسيكي لا يعني رفض التجديد، بل تأجيله حتى “تتأكد أنها أتقنت أهم مفاتيح الفن الإسلامي”، فهي تسمح بالتجديد حين تشعر أنها تمسك بأسس هذا الفن الواسع حسبها، فالتطوير يأتي بعد الإتقان لا قبله.
الخامات.. والروح التي تصنعها الألوان
في عالم الزخرفة والخط، تلعب الأدوات دورًا حاسمًا في بناء شخصية العمل. تستخدم بسملة في الزخرفة الألوان المائية والغواش والذهبي، بينما يعتمد الخط على المحبرة وأقلام الخط الحديثة التي أصبحت بديلاً عن القصب.
وتؤكد أنّ الخامة تؤثر بقوة على روح العمل، سواء كان موضوعه روحانيًا أو زخرفيًا بحتًا، لذلك تتعامل مع كل لوحة بصبر وهدوء، معتبرة أن الدقة في الزخرفة تحدٍّ جميل لا يخشاه إلا من لا يملك شغفها.
التخطيط.. والبحث عن الفكرة داخل التراث

رغم ميلها إلى التجريب، تؤمن بسملة بأن الفن الإسلامي يحتاج تخطيطًا أوليًا صارمًا. فغالبية الزخارف تعتمد على التكرار والتناظر والقياسات الدقيقة، وهذا يتطلب رؤية واضحة قبل انتقال الريشة إلى الورق.
ومع ذلك، لا تُغلق الباب أمام الأفكار الجديدة، بل تختبر بعضها في مسودات أولية، بينما تواصل البحث في التراث واكتشاف أساليب تُناسب طريقتها الخاصة.
هوية روحية قبل أن تكون فناً بصرياً
بالنسبة لها، ليس الخط والزخرفة مجرد تراث بصري، بل امتداد للهوية والروح. ترى أن الفن الإسلامي يعكس عظمة الفكرة التي يقوم عليها: الجمال المنظّم الذي يمزج بين الإيمان والفن، ويحوّل الهندسة والألوان والخط إلى لغة روحية لا تحتاج ترجمة.
وتؤكد أن ارتباط هذا الفن بالثقافة الإسلامية ليس ارتباطًا شكليًا، بل هو جوهره العميق. لذلك فهي تعتبره أحد أقوى الرموز التي تحافظ على الذاكرة الحضارية للمسلمين.
الجمهور.. مرآة تُعيد لصاحبتها الثقة
تقول بسملة إن تفاعل الجمهور مع أعمالها كان من أجمل ما رافق مسيرتها القصيرة. وجدت في كلماتهم دعمًا وتشجيعًا، وفي إعجابهم انعكاسًا لروح هذا الفن التي تكاد تكون مشتركة بين كل مسلم يراه.
وترى أن الاختلاف في تقدير الأعمال غالبًا ما يكون بين فئة متعلمة تعرف عمق الفن الإسلامي، وأخرى تكتفي بالنظر السطحي. أما الأجانب، فتقول إن الكثير منهم يمارسون هذا الفن حتى دون انتماء ديني، لأن جماليته قادرة على تجاوز الحدود.
من المسابقات إلى الطموحات الكبيرة
نجاح بسملة في عدة مسابقات أثّر في مسارها ومنحها ثقة إضافية. ليس لأنها تبحث عن الجوائز، بل لأنها وجدت في ذلك دليلاً على أن رسالتها تصل، وأن الجمهور يلمس ما تضعه من روح في أعمالها.
أما مشاريعها المستقبلية، فهي تحلم بمواصلة العمل في الزخرفة مع التوسع في الرسم الزيتي، معتبرة أن التنويع يجعل الفنان أكثر مرونة ونضجًا. أما المواضيع، فتقول إنها ما تزال في مرحلة البحث والاختبار، تراقب ما يلامس روحها لتصنع منه لوحة جديدة.
الحروفيات.. جسر المستقبل
ترى بسملة أن الخط العربي لم يفقد مكانته أبدًا في الفنون المعاصرة، بل إن ما يحدث اليوم من دمج بين الخط والزخرفة والألوان في لوحات وجدرانيات حروفية يؤكد أنه فن في تطور دائم. هذا المزج بين الأصالة والحداثة، برأيها، هو ما يمنح الخط العربي القوة للاستمرار والانتشار.
فنّ يولد من القلب.. ليصل إلى القلب
رحلة بسملة سعد ليست مجرد مسار أكاديمي، بل حكاية شغف بدأ من صفحات المصحف، وتحول إلى مشروع فني يسعى لربط الماضي بالحاضر. بين الخط والزخرفة، وبين التراث والرؤية الشخصية، ترسم لنفسها طريقًا هادئًا وواثقًا. طريق يبدأ من الإيمان بجمالية الفن الإسلامي، وينتهي برغبة صادقة في أن يصل هذا الجمال إلى كل من يشاهده.
وبين الحلم والخط واللون.. تواصل بسملة بناء عالمها الخاص، عالمٌ لا يزال في بدايته، لكنه مرسوم بثقة، ومتجه نحو أفق واسع لا يعرف حدودًا.
