في عالم يشهد تحولات عميقة وإعادة تشكيل مستمرة لموازين القوة على المستويين الدولي والإفريقي، يبرز التفكير الاستشرافي كأداة مركزية لصناعة المستقبل. في هذا السياق، يقود الوزير الأسبق بشير مصيطفى مبادرة فكرية وتنموية طموحة تحت مسمى «صناعة الغد»، تحولت اليوم إلى مؤسسة جزائرية تسعى إلى هندسة شروط النشوء والتقدم للجزائر والوطن العربي، عبر مشروع يمتد لثلاثة عقود ويجمع بين العمق الفكري والبعد العملي.
في هذا الحوار، يفتح بشير مصيطفى ملفات الرؤية، التنمية، إفريقيا، الطاقة، والثقافة، ويقدّم قراءة استشرافية لمكانة الجزائر في عالم يتشكل.
1 /بدايةً، كيف تقدمون لنا صورة شاملة عن الدور الذي تضطلع به مؤسسة صناعة الغد؟
تأسست المؤسسة الجزائرية صناعة الغد في سبتمبر 2023، كنتاج طبيعي لمسار فكري وميداني بدأ في عام 2014 تحت مسمى مبادرة صناعة الغد، ويعكس التزام الجزائر بمشروع نهضة وطني وعربي يمتد على مدى ثلاثة عقود، مدعوم بخارطة طريق استراتيجية (2014–2044). وقد نجحت المؤسسة في السنوات العشر الأولى من هذا المشروع في تحقيق نتائج ملموسة وأسست قاعدة صلبة للمرحلة المقبلة، حيث أصدرت 12 كتابًا باللغتين الوطنية والأجنبية ضمن سلسلة صناعة الغد، ونشرت خمس نشريات يقظة استراتيجية تناولت أبرز قضايا التنمية والسياسة والمجتمع، وكتبت أكثر من 600 مقال أسبوعي يعكس متابعة دقيقة للتطورات الوطنية والإقليمية، كما أنتجت 200 حلقة إذاعية عبر الإذاعة الوطنية تعزز التفاعل مع المجتمع، وأسست 57 جمعية ولائية منها 23 جمعية معتمدة و34 قيد التأسيس، فضلاً عن فتح ثمانية مكاتب خارجية للجالية في عواصم أوروبية وأمريكية وعربية وإفريقية، لتعزيز التواصل مع الجالية الجزائرية ونقل رؤيتها وأفكارها. وتتميز المؤسسة برؤية استشرافية عميقة تهدف إلى هندسة مستقبل الجزائر والوطن العربي في أفق 2050، مع التركيز على رفاهية السكان، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، وتقوية التماسك الاجتماعي والثقافي، وإدماج الجالية في الجهد الوطني، وتحفيز قطاعات الإنتاج الحيوية، ورفع جودة التعليم والبحث العلمي، إلى جانب ترسيخ اليقظة الروحية. ولتحقيق هذه الرؤية، تعتمد المؤسسة على منظومات اليقظة الاستراتيجية التي تغطي 17 قطاعًا وطنيًا، وتشمل فضاءات النقاش العام والنخبوي من خلال ندوات وطنية وولائية وبلدية وملتقيات الجالية، بالإضافة إلى المطبوعات التي تشمل كتابين سنويين ونشريات شهرية ومجلة علمية محكمة، فضلاً عن المركز الإعلامي ومركز دراسات الاستشراف وشبكة التواصل الاجتماعي وقناة يوتيوب وWeb TV.
2 /مدى انسجام المبادرات مع الجوانب العملية والتطبيقية
تعمل مؤسسة صناعة الغد كمنظومة تفكير متكاملة تجمع بين البعد البشري والتقني والعلمي، حيث تصمم السياسات العامة وتقترح حلولًا قابلة للتطبيق على أرض الواقع، مركزة على معالجة مشكلات الوطن والأمة في تطورها المستقبلي عبر 17 قطاعًا يغطي كافة فضاءات المجتمع. ويظهر تأثير المؤسسة بوضوح من خلال نشريات اليقظة الاستراتيجية، التي تقدم تحليلاً معمقًا لتطور المشكلات المستقبلية، وتستند إلى بيانات وإحصائيات دقيقة، مع تقديم حلول تقنية قابلة للتنفيذ. تصدر هذه النشريات شهريًا على مستوى العاصمة والولايات والبلديات والجالية لتصل مباشرة إلى صناع القرار، كما تصدر المؤسسة كتابين سنويًا أحدهما نظري والآخر تطبيقي، إضافة إلى مجلة علمية متخصصة في الدراسات الاستشرافية. وتؤكد المؤسسة أنها ليست جهة تنفيذية أو حكومية، بل قوة اقتراح تضع تصوراتها بين يدي الحكومات، تمهيدًا لإطلاق مشروعات استراتيجية كبرى بداية من سنة 2035، ما يضعها في موقع فريد يجمع بين الفكرة والرؤية والتطبيق المستقبلي.
3 / تموضع الجزائر في إفريقيا
تتموقع الجزائر في إفريقيا بالاعتماد على العمق الجغرافي والاستراتيجي، والرصيد التاريخي والمصداقية السياسية، مع التأكيد على ضرورة الانتقال من مجرد حضور رمزي إلى بناء شراكات اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد. يشمل ذلك مجالات الطاقة والفلاحة والبنى التحتية والتعليم، لتصبح الجزائر لاعبًا محوريًا في رسم ملامح التنمية والإستقرار القاري.
4 / عناصر القوة الناعمة للجزائر
تمتلك الجزائر رصيدًا كبيرًا من القوة الناعمة، يتمثل في تاريخها التحرري والدبلوماسي، وثرائها الثقافي والديني المعتدل، ومستوى التعليم والتكوين العالي، وخبرتها في الوساطة وحل النزاعات، إلى جانب حضورها الإنساني والتنموي في مختلف أرجاء القارة، مما يجعلها شريكًا موثوقًا وقادرًا على توسيع نفوذها الثقافي والاجتماعي ضمن فضاء إفريقيا.
5/ الانفتاح على إفريقيا
يمثل الساحل منطقة استراتيجية طبيعية للجزائر، لكنه ليس الحصر، إذ يتعين على الجزائر التوجه نحو عمق القارة وإقامة شراكات مباشرة مع الأقطاب الكبرى لتحقيق التوازن الجغرافي والاقتصادي، وتفعيل دورها في صياغة السياسات القارية بما يخدم مصالحها الوطنية والاستقرار الإقليمي.
6/ التكامل الاقتصادي مع الأقطاب الإفريقية الكبرى
يمكن تحقيق تكامل اقتصادي فعّال مع أقطاب إفريقيا الكبرى مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا وإثيوبيا ومصر عبر ربط المصالح الاقتصادية الرئيسية، وتطوير سلاسل القيمة المشتركة، وإقامة مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود، وتنظيم السياسات الطاقوية والفلاحية بشكل مشترك، مع تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية لضمان شراكات استراتيجية مستدامة تحقق منافع ملموسة لجميع الأطراف.
7/ مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–النيجر–الجزائر
يعود المشروع إلى عام 2000، وقد تأخر تنفيذه بسبب تحديات التمويل، إلا أن الواقع الحالي يسمح بتجسيده من خلال آليات تمويل مبتكرة مثل صناديق استثمار إفريقية ثنائية أو متعددة الأطراف، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، والبنوك الإفريقية والدولية. تنفيذ المشروع سيعزز مكانة الجزائر الطاقوية في السوق الأوروبية، خاصة مع التحول نحو الغاز الطبيعي والغاز الهجين، ويمنحها موقعًا متقدمًا في خارطة الطاقة العالمية، ويشكل رافعة اقتصادية لدول المنطقة.
8/ المفاتيح الأساسية للتنمية المستدامة في الجنوب الجزائري
تتمثل المفاتيح في استصلاح الأراضي الفلاحية غير المستغلة والتي تصل إلى نحو 25 مليون هكتار، وتطوير مناخ الاستثمار في قطاعات متعددة تشمل الفلاحة الصحراوية والطاقة الشمسية والرياح والصناعات المشتقة من المحروقات والصناعات الغذائية والتجميلية، إضافة إلى تربية الإبل والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والمناجم والذهب، مع تعزيز تجارة المقايضة مع دول الساحل. هذه الرؤية الشاملة تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة تضمن الرفاهية والازدهار لأهالي الجنوب وتخلق فرصًا اقتصادية طويلة المدى.
9/ شروط نجاح تجارة المقايضة
تتطلب تجارة المقايضة تأطيرًا قانونيًا وتشريعيًا واضحًا، وتنظيمًا إداريًا فعالًا عبر مؤسسات مصغرة، إلى جانب تطوير شبكة لوجستية متكاملة تشمل الطرق والسكك الحديدية والاتصالات، وتحديث المنافذ الحدودية، وضمان توفر خدمات بنكية متقدمة، مما يحقق انعكاسًا إيجابيًا مباشرًا على الاقتصاد الوطني ويعزز التكامل مع ولايات الجنوب.
10/ القرن القادم: قرن الفكرة الثقافية
يشير بشير مصيطفى إلى أن القرن القادم سيكون قرن الفكرة الثقافية، حيث تقوم العلاقات الدولية على أساس التقارب أو التباعد الثقافي والقيمي، وستنشأ أسواق ثقافية جديدة وتتشكل موازين قوة ناعمة تعتمد على الثقافة واللغة والدين والتراث والفنون والقيم المجتمعية. وسيبدأ تصميم هذا القرن ابتداءً من 2050 من خلال نشر اللغات، والتأثير الديني والقيمي، وتوظيف الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يعكس التاريخية الفكرية للأمم: القرن 18 كان قرن فكرة الثروة، القرن 19 الفكرة الاستعمارية، القرن 20 الفكرة السياسية، القرن 21 الفكرة الاقتصادية، والقرن 22 سيكون قرن الفكرة الثقافية، الذي سيحدد خارطة القوة والهيمنة المستقبلية في العالم.
