نزهة التماسيني | مراسلو الجنوب الكبير
لم يعد العقار الفلاحي في الجزائر مجرد مساحة جغرافية قابلة للاستغلال، بل تحول إلى ركيزة أساسية في معادلة تحقيق الأمن الغذائي وبناء اقتصاد وطني منتج ومستدام قادر على توليد الثروة وفرص العمل. وفي إطار توجه الدولة نحو تطهير الوضعيات القانونية وعصرنة آليات التسيير عبر الرقمنة، يكشف الديوان الوطني للأراضي الفلاحية عن إدارة محفظة عقارية ضخمة تتجاوز 4.29 مليون هكتار، يستفيد منها قرابة 280 ألف فلاح ومستثمر.
ويتزامن هذا مع تدفق متزايد لطلبات الاستثمار الراغبة في تحويل هذه المساحات إلى مشاريع إنتاجية ذات جدوى اقتصادية عالية. وللانتقال من منطق “إدارة الأرض” إلى “تثمينها الاستثماري”، نظم الديوان الوطني للأراضي الفلاحية بالتعاون مع المركز الجزائري للاستشراف الاقتصادي وتطوير الاستثمار والمقاولاتية ندوة الأربعاء 12 أوت 2026، حملت عنوان “العقار الفلاحي.. رهان استراتيجي لتعزيز الاستثمار والإنتاج الوطني”. وشكل هذا اللقاء منصة حيوية لبحث سبل ربط العقار الفلاحي بالتكنولوجيا الحديثة، وتوجيهه نحو المشاريع الإنتاجية الكبرى، مع فتح آفاق جديدة لإدماج الاستثمار الشبابي في هذا القطاع الحيوي.
تطهير العقار الفلاحي: المدخل الإجباري لبناء بيئة استثمارية آمنة وشفافة
اللقاء، الذي أشرف عليه المدير العام للديوان الوطني للأراضي الفلاحية لعناصري محمد أمزيان ورئيس المركز الجزائري للاستشراف الاقتصادي وتطوير الاستثمار والمقاولاتية أكرم زيددي، جمع إطارات الديوان، أعضاء المركز، خبراء، رواد أعمال، أصحاب المؤسسات الناشئة والمصغرة وشباباً حاملي أفكار ومشاريع، وتمحورت النقاشات حول واقع تسيير العقار الفلاحي والجهود المبذولة لتطهيره وضبط وضعيته القانونية، باعتبار أن وضوح الوضعية العقارية يمثل أحد الشروط الأساسية أمام المستثمرين، ويسمح بإرساء بيئة أكثر شفافية وفعالية في دراسة الملفات والاستفادة والاستغلال، وأكد المشاركون أن التحدي لم يعد مرتبطاً بمجرد توفير الأراضي أو تسوية وضعياتها، وإنما بكيفية تحويلها إلى عقار منتج قادر على رفع المردودية وتنويع الإنتاج وخلق القيمة المضافة
المدير العام للديوان الوطني للأراضي الفلاحية، محمد امزيان لعناصري: أرقام تكشف حجم الملفات والعمليات
وقدم المدير العام للديوان الوطني للأراضي الفلاحية، محمد امزيان لعناصري خلال الندوة، عرضاً تضمن جملة من المؤشرات المتعلقة بتسيير العقار والملفات المعالجة، حيث كشف، في مجال التنازل عن حق الامتياز في إطار القانون 10-03، عن إيداع 4925 طلب تنازل، مقابل 2934 طلباً لحق الشفعة، فيما بلغت موافقات الولاة 697 موافقة، مع إنجاز 589 عقداً توثيقياً و18 عقد امتياز، وفي مجال الشراكة لتطوير وتنويع الإنتاج الفلاحي، وفي إطار القانون نفسه، تم تسجيل 10018 عقد شراكة منجزة، بمساحة إجمالية تقدر بـ 105.202 هكتار، إلى جانب إبرام 34 وحدة فلاحية للإنتاج عقود شراكة مع الخواص في إطار المرسوم التنفيذي 11-06 ، وتعكس هذه المعطيات حجم العمليات التي يشهدها العقار الفلاحي، وكذا الحاجة إلى مواصلة تسوية الملفات وتبسيط الإجراءات بما يسمح بتحويل الأراضي المتاحة إلى مشاريع اقتصادية فعالة
رئيس المركز الجزائري للاستشراف الاقتصادي وتطوير الاستثمار والمقاولاتية أكرم زيدي: تثمين العقار لا يتوقف عند منح الأرض
من جهته، أكد رئيس المركز الجزائري للاستشراف الاقتصادي وتطوير الاستثمار والمقاولاتية أكرم زيدي أن أهمية الندوة تنبع من الدور المحوري الذي يؤديه العقار الفلاحي في تحقيق أهداف التنمية الفلاحية، مشدداً على أن توفير عقار واضح الوضعية القانونية ومؤطر بآليات تسيير فعالة يمثل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار واستقطابه وتحقيق الاستغلال الأمثل للأراضي، وأوضح زيدي أن تثمين العقار لا يرتبط فقط بمنح الأراضي أو تسوية وضعياتها، وإنما يتطلب ضمان استغلال منتج ومستدام، وربط العقار بالاستثمار والتجهيز والتكنولوجيا والموارد البشرية، بما يسمح بتحقيق قيمة مضافة حقيقية داخل القطاع الفلاحي، وتبرز هذه الرؤية الحاجة إلى الانتقال من مقاربة تركز على توفير العقار إلى مقاربة اقتصادية متكاملة، تجعل من الأرض نقطة انطلاق لمشروع إنتاجي قادر على خلق الثروة وتوفير مناصب الشغل والمساهمة في تعزيز الإنتاج الوطني 4.29 مليون هكتار و279 ألف مستفيد
وتطرقت المعطيات المقدمة إلى المحفظة العقارية التي يسيرها الديوان ضمن عدة صيغ وأطر قانونية، حيث تشمل 2.324.156 هكتار في إطار القانون 10-03، و73.411 هكتاراً في إطار المطابقة وفق المنشور الوزاري المشترك المؤرخ في 29 نوفمبر 2022، كما تشمل المحفظة 840.643 هكتاراً ممنوحة في إطار مختلف الصيغ السابقة، و669.864 هكتاراً في إطار التسوية وفق القانون 24-55، فضلاً عن 236.175 هكتاراً ممنوحة في إطار المرسوم 21-432 المعدل والمتمم، و153.501 هكتاراً تخص الوحدات الفلاحية للإنتاج في إطار المرسوم التنفيذي 11-06، وبلغ مجموع المستفيدين، وفق المعطيات المقدمة خلال اللقاء، 279.838 مستفيداً، بمساحة إجمالية تقدر بـ 4.297.750 هكتاراً، وهو ما يعكس الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للمحفظة العقارية التي يشرف عليها الديوان
17 ألف ملف للترشح. و22 ولاية معنية
وفيما يتعلق بالإعلان عن الترشح في إطار القرار الوزاري رقم 1344 المعدل والمتمم، أوضح المدير العام أن 22 ولاية قامت بالإعلان عن الترشح لاستغلال مساحة تقدر بـ 22.799 هكتاراً، وسجلت العملية إيداع 17.233 ملفاً، تم قبول 16.623 ملفاً منها، فيما بلغت الملفات التي عالجتها اللجنة الولائية 2322 ملفاً، أما بخصوص الإعلان الخاص عن الترشح في إطار القرار نفسه، فقد تم، منذ صدور المنشور الوزاري المشترك رقم 02 المؤرخ في 01 جوان 2025، إطلاق عمليات التسوية عبر سبع ولايات، هي وهران، سعيدة، عنابة، جيجل، معسكر، عين الدفلى وسيدي بلعباس، على أن تتواصل العملية لتمس ولايات أخرى وبلغ مجموع الملفات المعنية بالتسوية 231 ملفاً، بمساحة إجمالية تقدر بـ 1.387 هكتاراً
الرقمة.. نحو تسيير أكثر شفافية وفعالية
واحتلت الرقمنة حيزاً مهماً من أشغال الندوة، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتحديث تسيير العقار الفلاحي وتحسين الخدمة العمومية، فالانتقال إلى الخدمات الرقمية من شأنه تسريع معالجة الملفات، وتحسين متابعة العقارات، وتوفير معطيات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار، إلى جانب تقليص التعقيدات الإدارية وتعزيز الشفافية في دراسة الطلبات ومتابعة مختلف العمليات، ويكتسي هذا المسار أهمية خاصة في ظل حجم المحفظة العقارية والعدد الكبير من الملفات والمستفيدين، بما يجعل الرقمنة أداة ضرورية لضمان نجاعة أكبر في التسيير والمتابعة
نحو عقار أكثر استقطاباً للاستثمار
وفتحت الندوة المجال أمام المشاركين لطرح انشغالاتهم وأسئلتهم حول إجراءات التسوية والتطهير، وآليات الاستفادة والاستغلال، ومسار معالجة الملفات، إضافة إلى العراقيل التي تواجه المستثمرين والفاعلين في الميدان، كما شكل اللقاء فرصة لتبادل الخبرات والمعطيات بين مختلف المتدخلين، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تقريب الرؤية بين الهيئات المسؤولة عن العقار وأصحاب المشاريع والمؤسسات الناشئة والمستثمرين، ويبرز هنا تحدٍ أساسي يتمثل في توجيه العقار نحو المشاريع التي تحقق مردودية اقتصادية حقيقية، وتستجيب للأهداف الوطنية المتعلقة برفع الإنتاج وتنويعه، بدل أن يبقى العقار في وضعيات غير مستغلة أو في انتظار التسوية لسنوات.
وأكد الطرفان أهمية تعزيز التنسيق والتشاور بين المؤسسات والهيئات المعنية بالعقار الفلاحي والاستثمار، وتبادل الخبرات والمعطيات بما يسمح ببناء رؤية مشتركة حول تطوير هذا المورد الاستراتيجي، ويكتسي هذا التنسيق أهمية أكبر بالنسبة إلى المشاريع الموجهة للشباب والمؤسسات الناشئة والمصغرة، باعتبارها قادرة على إدخال نماذج جديدة في الاستثمار الفلاحي، والاستفادة من التكنولوجيا والرقمنة، وخلق نشاط اقتصادي مستدام بالمناطق الريفية والصحراوية، وتكشف الأرقام التي عرضت خلال الندوة أن الجزائر تتوفر على محفظة عقارية فلاحية ضخمة، غير أن الرهان الحقيقي يتجاوز عملية توزيع الأرض أو تسوية وضعيتها القانونية إلى ضمان استغلالها بالشكل الذي يحولها إلى مصدر للإنتاج والقيمة المضافة، وبذلك، فإن تطهير العقار، تسوية وضعياته، رقمنة تسييره، تبسيط إجراءات الاستفادة، وربطه بمشاريع استثمارية منتجة، تشكل حلقات مترابطة في مسار واحد، عنوانه الانتقال من العقار كوعاء إلى العقار كأداة للنمو الاقتصادي، وتأتي هذه المقاربة في وقت يتزايد فيه الرهان على رفع الإنتاج الوطني وتعزيز الأمن الغذائي وتنويع الاقتصاد، ما يجعل العقار الفلاحي واحداً من أهم الأوراق التي يمكن توظيفها لتحقيق هذه الأهداف، شريطة مواصلة الإصلاحات وتحسين التسيير وربط الأرض بالمشروع والإنتاج .

