الجنوب الكبير ويب الجنوب الكبير ويب
  • الوطني
  • أخبار الجنوب
  • ملفات
  • رياضة
  • دولي
  • ثقافة
  • رأي
  • آخر الأخبارآخر الأخبار
  • الجنوب الكبير TVالجنوب الكبير TV
  • النسخة الرقميةالنسخة الرقمية
الجنوب الكبير ويبالجنوب الكبير ويب
  • الوطني
  • أخبار الجنوب
  • ملفات
  • رياضة
  • دولي
  • ثقافة
  • رأي

الفيديو

سجل القراءة

للقراءة لاحقًا

إليزي
34° 18°
17 كلم/سا
07 أكتوبر 2026 الأربعاء
الشروق 06:21
الغروب 18:06
الفجر 05:00
الظهر 12:14
العصر 15:37
المغرب 18:06
العشاء 19:21
يتبقى لصلاة
  • من نحــن
  • الإشهار
  • اتصل بنا
  • الفريق
انضم إلينا
أقلام

بين قراءة السماء وكتابة الأرض: معادلة المسلم الحضارية

أ. عبد الرحمن دويدة
آخر تحديث: 8 ديسمبر 2025
أ. عبد الرحمن دويدة
معادلة المسلم الحضارية

إن ديننا الجميل، يرفع الإنسان في سماء وجوده بجناحي الوسطية، صانعا منه كيانا يجمع بين الغيب والشهادة، وبين الروح والجسد، والدنيا والدين، ويظهر هذا في ثنائيات باح بها القرآن الكريم، ولكنها لم تنل حظها من التدبر العملي في دنيا المسلمين، وعلى سبيل المثال:

1) الجمع بين العلم والإيمان: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.. وَالْإِيمَانَ):

إن تقارير الواقع تقول بأن المسلمين اكتفوا بالإيمان، دون الأخذ بزمام العلم التجريبي، وكأنهم مطالبون بقراءة السماء فقط، وليس بكتابة الأرض وإعمارها، فأخذنا الايمان وتركنا الطب والهندسة والفلك والفيزياء والكيمياء وكل مداخل التكنولوجيا وما يخدم الإنسانية جمعاء، طالما أن هناك من يفعلها بالنيابة عنا، فأخذها غيرنا بقوة، وصنع بها سُلطانه، ثم عاد ليبيعها لنا … بأغلى الأثمان.

يقول الأستاذ عيد صالحي في كتابه (الدعوة الإسلامية ومشروع بناء المجتمع المدني الأمثل): إننا لو انطلقنا إلى مكتبة عامة، فيها من كتب الرياضيات والفيزياء وعلم الفلك وسائر العلوم الطبيعية والتقنية الأخرى….. إضافة إلى ركن مخصص لكتب الفقه والحديث والعقيدة … وسألناه: أين هي الكتب الإسلامية؟ لكانت إجابته: (إنها تلك التي في الركن الآخر) وكأن الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الفلك ليست كتبا إسلامية، وحقيقة الأمر أن مرد هذا هو التصور الخاطئ لمعنى (العلم) في فقهنا وتقسيمه إلى علم شرعي وعلم دنيوي، وهذا التقسيم المزيف الذي عطل الأمة، ما أنزل الله به من سلطان.

إن الله يريد أن يكون عبده المسلم، شخصا يعرف حدود الشـريعة ويجيد قوانين الطبيعة كذلك، شخصا يبني المساجد ويشيد المختبرات، يحفظ القرآن ويجيد لغات البرمجة. يرتل آيات الخلق، ويفهمها بعلم الفلك، يقرأ آيات البحار، ويسافر فيها بصناعة السفن والغواصات.

فلا يريد الله تعالى أن يَسبح عبده في غيبيات السماء فقط، ويهمل واقع الأرض وتحدياته، نعم، يُحب الله رؤية عبده في الصف الأول في صلاة الفجر، لكنه يحب أن يراه بعدها غير متخلف عن صفوف الصناعة والإنتاج، نعم، يريد الله مولانا العظيم، أن يكون عبده شخصية مؤمنة ولكن عالمة، وعاملة، يريده أن يكون صاحب اليد العليا، فبذلك فقط ستكون كلمة الله هي العليا. أو كما يقول الأستاذ عبد الله سبع في كتابه “خواطر فكرية”:
(إننا إن لم نتفوق في دنيانا، فلن نُحترم في ديننا).

إن الله يحب أن يتقن عبده فقه الوضوء والصلاة، ويحبه كذلك إذا كان يجيد تحلية ومعالجة المياه، وصناعة سخان الماء، وتركيب الكهرباء، وبرمجة الحاسوب، وزراعة النبات، وخياطة الثياب، وصناعة المعدات. فديننا هو دين تسبيح وإنتاج، وصلاة وعمران. وإن كنا بحاجة إلى علماء الشريعة، فإننا في المقابل، بحاجة أكبر إلى علماء … الحياة.

(فالله شرع الدين، ليكون ترشيدا للعلم، لا بديلا عنه).

كيف سنكون خير أمة أخرجت للناس … ونحن لا نخرج للعالم بشـيء جديد؟ وكيف ستكون كلمة الله هي العليا وأيادينا في كل شيء هي السفلى؟

لقد كان أول ما أنزله الله من الوحي على نبيه محمد، هو الأمر بالقراءة، لأن عصـر المعجزات قد ذهب، وبدأ عصـر الوصول إلى الله بالعلم .

تقول الكاتبة كفاح أبو هنود، في كتابها (فقه بناء الانسان في القرآن):

“اقرأ، هي الكلمة التي ستكتب حضورنا بين الأمم، وهي أول أبجدية في مسيرة التغيير، وهي الترتيل الجديد الذي يكون الوعي والعلم أحد مفرداته، والعقل أحد أدواته، اقرأ، هي الكلمة التي ستفيض بحضارة، معابدها مكتبة، وتسبيحها قراءة، وصلاتها صناعة المعرفة”.

2) الجمع بين الإيمان والعمل الصالح:

قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا … وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)

لا توجد –على حد علمي- آية في القرآن الكريم، تكتفي بنداء المؤمنين دون أن يليها أمر بفعل، أو نهي عن منكر، وكأن في هذا إشارة إلى أن الايمان وحده لا يكفي، ولا يُغني العبد إن لم يكن معه عمل صالح، ولأجل هذا السبب، نجد الله يذم إيمانا لا ينعكس على صاحبه في أسلوب عيش صحي وصحيح، قال تعالى (قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) .

بل تأمل معي قوله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)، فتامل كيف ساوى الله بين النفس التي لم تكن آمنت وبين النفس التي لم تكتسب في إيمانها خير، أي لم يكن له أثر في واقعها العملي، فكان كلاهما في الميزان سواء، لأن العمل الصالح (بمعناه الحقيقي غير السطحي) هو الدليل العملي على صدق الإيمان، وروحه التي تمنحه معناه ووزنه.
(فالإيمان هو وجهة طيبة، والعمل الصالح … أقدام السير إليها).

علينا أن نزيل من أذهاننا وهم الأفضلية على الغير، بمجرد إنظمامنا إلى منظومة الإيمان، فالله لا ينظر إلى الهُوية الجامدة، ولا يعطي الألقاب إلا لمن عمل بمقتضياتها.

ولكن هنا وجب التنبيه، إلى ضرورة فهم ما يعنيه مصطلح ” العمل الصالح”، فالاقتصار على حصـر العمل الصالح في الشعائر فقط، هو أحد أعطاب الوعي الحضاري، وهو ما أشار إليه المفكر القطري جاسم سلطان حين قال في كتابه (من الصحوة إلى اليقظة):

“إذا تخلفت الأمة، فعليها أن تعيد النظر في مفهومها للعمل الصالح”.

فحين يتغير مفهوم “العمل الصالح”، أو يُختزل أو يُفرغ من بعده الحضاري الاجتماعي، فإن هذا التشويه لا يُؤثر على الأفراد فحسب، بل يُعطل نهوض المجتمع والأمة بأسرها.
فكيف نُطلق على أمة لا تزرع قوتها، ولا تصنع دواءها، ولا تنتج طاقتها، ولا تكتب فكرها، ولا تحمي سيادة قرارها؟ بأنها (تعمل الصالحات)؟
كيف يكون العمل صالحًا، إن لم يرفع عن الناس فقرًا، أو يفتح لهم باب عِلم، أو يبني فيهم عقلًا ووعيا، أو يحميهم من الذل والتبعية لغيرهم؟

في كتابه “التصورات الكبرى والتقدم الاجتماعي”، يقدم الدكتور جاسم سلطان تعريفًا أعظم للعمل الصالح، وهو:

“كل عمل يُحي الأرض، ويُسعد الانسان، ويرضي الإله”.

أو كما رأى المفكر فهمي هويدى في كتابه (التدين المنقوص)، بأن العمل الصالح هو العمل الذي يعنى بـ ( حقوق الناس، وهموم الأرض)، فكما أن الله في الصلاة فإنه كذلك في عيادة المريض وإطعام الجائع، وتيسير أمور الناس، والإنفاق الراشد للمال العام، واستصلاح الأراضي، وإقامة المصانع، فعمارة الآخرة لن تتحقق دون عمارة الدنيا، والسماء لم تذكر في القرآن إلا مرتبطة بالأرض. فكل عمل أرضي ستفرح به السماء.

وبما أننا في عصـر الذكاء الصناعي والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والثورة البيولوجية، وساحات الفكر المفتوح… فإن “العمل الصالح” يجب أن يُعاد فهمه من جديد بما يليق بروح العصـر، واحتياجات الأمة، وهموم الإنسان. أو كما يصفه سعيد ناشيد في كتابه (قلق في العقيدة) بأنه: “العودة من أهوال الغيب، إلى أحوال الناس”.

فالقرآن لم يقل: “الذين آمنوا” لهم الجنة، بل ربط ذلك دومًا بـالشـرط العملي الاجتماعي: “وعملوا الصالحات”، والصالحات هي كل ما يصلح الحياة، ويقوّم اعوجاجها. لأنه حين يملأ نور الله قلب الانسان حقا، يستحيل أن يقف متفرجًا على الفقر، أو الجهل، أو الظلم، أو التخلف.

رابط دائم: eldjanoubelkabir.dz/fi9k

زوارنا يتصفحون الآن

الجزائر والنيجر تُطلقان استغلال الوصلة المحورية العابرة للصحراء للألياف البصرية

الجزائر والنيجر تُطلقان استغلال الوصلة المحورية العابرة للصحراء للألياف البصرية

إن قزام : تنصيب بوهاوية السعيد مكلفًا بمهام مدير التربية

إن قزام : تنصيب بوهاوية السعيد مكلفًا بمهام مدير التربية

فوز بشق الأنفس لمنتخب الجزائر أمام النيجر

فوز بشق الأنفس لمنتخب الجزائر أمام النيجر

النعامة : آفاق جديدة لزراعة البصل بالبذر المباشر ب عين بن خليل

النعامة : آفاق جديدة لزراعة البصل بالبذر المباشر ب عين بن خليل

تامنغست : السيول تكشف المستور ب قريتي ترهنانت وتاقمارت .

تامنغست : السيول تكشف المستور ب قريتي ترهنانت وتاقمارت .

قد يهمك أيضاً

وادي جرات

وادي جرات… حين تتحول ذاكرة الصخر إلى وجهة سياحية عالمية‬

16 أغسطس 2026
اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي... هل آن أوان إعادة التوازن؟

اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي… هل آن أوان إعادة التوازن؟

6 أغسطس 2026
بين السؤال والتساؤل... كيف يبدأ الفكر وأين ينتهي؟

بين السؤال والتساؤل… كيف يبدأ الفكر وأين ينتهي؟

6 أغسطس 2026
في اليوم العالمي لحرية التعبير.. لماذا نقضت الزوايا غزل الصحافة من بعد قوة؟

في اليوم العالمي لحرية التعبير.. لماذا نقضت الزوايا غزل الصحافة من بعد قوة؟

3 مايو 2026
الجنوب الكبير ويب
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • الإشهار
  • الفريق
  • الخصوصية

الجنوب الكبيــر ويب موقع إخباري ليومية الجنوب الكبير الجزائرية المستقلة التي تأسست في 12 نوفمبر 2019، ومديرها العام الإعلامي: جانتي محمود

حساباتنا على شبكات التواصل

جميع الحقوق محفوظة  | الجنوب الكبير ويب © 2026 

Welcome Back!

Sign in to your account

اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني
كلمة المرور

هل نسيت كلمة المرور؟

بين قراءة السماء وكتابة الأرض: معادلة المسلم الحضارية

إن ديننا الجميل، يرفع الإنسان في سماء وجوده بجناحي الوسطية، صانعا منه كيانا يجمع بين الغيب والشهادة، وبين الروح والجسد، والدنيا والدين، ويظهر هذا في ثنائيات باح بها القرآن الكريم، ولكنها لم تنل حظها من التدبر العملي في دنيا المسلمين، وعلى سبيل المثال:
أ. عبد الرحمن دويدة · 8 ديسمبر 2025 - 10:33 تحديث: 8 ديسمبر 2025 - 10:34
بين قراءة السماء وكتابة الأرض: معادلة المسلم الحضارية

1) الجمع بين العلم والإيمان: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.. وَالْإِيمَانَ):

إن تقارير الواقع تقول بأن المسلمين اكتفوا بالإيمان، دون الأخذ بزمام العلم التجريبي، وكأنهم مطالبون بقراءة السماء فقط، وليس بكتابة الأرض وإعمارها، فأخذنا الايمان وتركنا الطب والهندسة والفلك والفيزياء والكيمياء وكل مداخل التكنولوجيا وما يخدم الإنسانية جمعاء، طالما أن هناك من يفعلها بالنيابة عنا، فأخذها غيرنا بقوة، وصنع بها سُلطانه، ثم عاد ليبيعها لنا … بأغلى الأثمان.

يقول الأستاذ عيد صالحي في كتابه (الدعوة الإسلامية ومشروع بناء المجتمع المدني الأمثل): إننا لو انطلقنا إلى مكتبة عامة، فيها من كتب الرياضيات والفيزياء وعلم الفلك وسائر العلوم الطبيعية والتقنية الأخرى….. إضافة إلى ركن مخصص لكتب الفقه والحديث والعقيدة … وسألناه: أين هي الكتب الإسلامية؟ لكانت إجابته: (إنها تلك التي في الركن الآخر) وكأن الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الفلك ليست كتبا إسلامية، وحقيقة الأمر أن مرد هذا هو التصور الخاطئ لمعنى (العلم) في فقهنا وتقسيمه إلى علم شرعي وعلم دنيوي، وهذا التقسيم المزيف الذي عطل الأمة، ما أنزل الله به من سلطان.

إن الله يريد أن يكون عبده المسلم، شخصا يعرف حدود الشـريعة ويجيد قوانين الطبيعة كذلك، شخصا يبني المساجد ويشيد المختبرات، يحفظ القرآن ويجيد لغات البرمجة. يرتل آيات الخلق، ويفهمها بعلم الفلك، يقرأ آيات البحار، ويسافر فيها بصناعة السفن والغواصات.

فلا يريد الله تعالى أن يَسبح عبده في غيبيات السماء فقط، ويهمل واقع الأرض وتحدياته، نعم، يُحب الله رؤية عبده في الصف الأول في صلاة الفجر، لكنه يحب أن يراه بعدها غير متخلف عن صفوف الصناعة والإنتاج، نعم، يريد الله مولانا العظيم، أن يكون عبده شخصية مؤمنة ولكن عالمة، وعاملة، يريده أن يكون صاحب اليد العليا، فبذلك فقط ستكون كلمة الله هي العليا. أو كما يقول الأستاذ عبد الله سبع في كتابه “خواطر فكرية”:
(إننا إن لم نتفوق في دنيانا، فلن نُحترم في ديننا).

إن الله يحب أن يتقن عبده فقه الوضوء والصلاة، ويحبه كذلك إذا كان يجيد تحلية ومعالجة المياه، وصناعة سخان الماء، وتركيب الكهرباء، وبرمجة الحاسوب، وزراعة النبات، وخياطة الثياب، وصناعة المعدات. فديننا هو دين تسبيح وإنتاج، وصلاة وعمران. وإن كنا بحاجة إلى علماء الشريعة، فإننا في المقابل، بحاجة أكبر إلى علماء … الحياة.

(فالله شرع الدين، ليكون ترشيدا للعلم، لا بديلا عنه).

كيف سنكون خير أمة أخرجت للناس … ونحن لا نخرج للعالم بشـيء جديد؟ وكيف ستكون كلمة الله هي العليا وأيادينا في كل شيء هي السفلى؟

لقد كان أول ما أنزله الله من الوحي على نبيه محمد، هو الأمر بالقراءة، لأن عصـر المعجزات قد ذهب، وبدأ عصـر الوصول إلى الله بالعلم .

تقول الكاتبة كفاح أبو هنود، في كتابها (فقه بناء الانسان في القرآن):

“اقرأ، هي الكلمة التي ستكتب حضورنا بين الأمم، وهي أول أبجدية في مسيرة التغيير، وهي الترتيل الجديد الذي يكون الوعي والعلم أحد مفرداته، والعقل أحد أدواته، اقرأ، هي الكلمة التي ستفيض بحضارة، معابدها مكتبة، وتسبيحها قراءة، وصلاتها صناعة المعرفة”.

2) الجمع بين الإيمان والعمل الصالح:

قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا … وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)

لا توجد –على حد علمي- آية في القرآن الكريم، تكتفي بنداء المؤمنين دون أن يليها أمر بفعل، أو نهي عن منكر، وكأن في هذا إشارة إلى أن الايمان وحده لا يكفي، ولا يُغني العبد إن لم يكن معه عمل صالح، ولأجل هذا السبب، نجد الله يذم إيمانا لا ينعكس على صاحبه في أسلوب عيش صحي وصحيح، قال تعالى (قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) .

بل تأمل معي قوله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)، فتامل كيف ساوى الله بين النفس التي لم تكن آمنت وبين النفس التي لم تكتسب في إيمانها خير، أي لم يكن له أثر في واقعها العملي، فكان كلاهما في الميزان سواء، لأن العمل الصالح (بمعناه الحقيقي غير السطحي) هو الدليل العملي على صدق الإيمان، وروحه التي تمنحه معناه ووزنه.
(فالإيمان هو وجهة طيبة، والعمل الصالح … أقدام السير إليها).

علينا أن نزيل من أذهاننا وهم الأفضلية على الغير، بمجرد إنظمامنا إلى منظومة الإيمان، فالله لا ينظر إلى الهُوية الجامدة، ولا يعطي الألقاب إلا لمن عمل بمقتضياتها.

ولكن هنا وجب التنبيه، إلى ضرورة فهم ما يعنيه مصطلح ” العمل الصالح”، فالاقتصار على حصـر العمل الصالح في الشعائر فقط، هو أحد أعطاب الوعي الحضاري، وهو ما أشار إليه المفكر القطري جاسم سلطان حين قال في كتابه (من الصحوة إلى اليقظة):

“إذا تخلفت الأمة، فعليها أن تعيد النظر في مفهومها للعمل الصالح”.

فحين يتغير مفهوم “العمل الصالح”، أو يُختزل أو يُفرغ من بعده الحضاري الاجتماعي، فإن هذا التشويه لا يُؤثر على الأفراد فحسب، بل يُعطل نهوض المجتمع والأمة بأسرها.
فكيف نُطلق على أمة لا تزرع قوتها، ولا تصنع دواءها، ولا تنتج طاقتها، ولا تكتب فكرها، ولا تحمي سيادة قرارها؟ بأنها (تعمل الصالحات)؟
كيف يكون العمل صالحًا، إن لم يرفع عن الناس فقرًا، أو يفتح لهم باب عِلم، أو يبني فيهم عقلًا ووعيا، أو يحميهم من الذل والتبعية لغيرهم؟

في كتابه “التصورات الكبرى والتقدم الاجتماعي”، يقدم الدكتور جاسم سلطان تعريفًا أعظم للعمل الصالح، وهو:

“كل عمل يُحي الأرض، ويُسعد الانسان، ويرضي الإله”.

أو كما رأى المفكر فهمي هويدى في كتابه (التدين المنقوص)، بأن العمل الصالح هو العمل الذي يعنى بـ ( حقوق الناس، وهموم الأرض)، فكما أن الله في الصلاة فإنه كذلك في عيادة المريض وإطعام الجائع، وتيسير أمور الناس، والإنفاق الراشد للمال العام، واستصلاح الأراضي، وإقامة المصانع، فعمارة الآخرة لن تتحقق دون عمارة الدنيا، والسماء لم تذكر في القرآن إلا مرتبطة بالأرض. فكل عمل أرضي ستفرح به السماء.

وبما أننا في عصـر الذكاء الصناعي والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والثورة البيولوجية، وساحات الفكر المفتوح… فإن “العمل الصالح” يجب أن يُعاد فهمه من جديد بما يليق بروح العصـر، واحتياجات الأمة، وهموم الإنسان. أو كما يصفه سعيد ناشيد في كتابه (قلق في العقيدة) بأنه: “العودة من أهوال الغيب، إلى أحوال الناس”.

فالقرآن لم يقل: “الذين آمنوا” لهم الجنة، بل ربط ذلك دومًا بـالشـرط العملي الاجتماعي: “وعملوا الصالحات”، والصالحات هي كل ما يصلح الحياة، ويقوّم اعوجاجها. لأنه حين يملأ نور الله قلب الانسان حقا، يستحيل أن يقف متفرجًا على الفقر، أو الجهل، أو الظلم، أو التخلف.

أأ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
أأ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
تم نسخ الرابط ✓
لا يتوفر إصدار صوتي حالياً
أ أ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
0:00 / 0:00
هذا الصوت مولد آلياً بالذكاء الاصطناعي، وقد يحتوي على أخطاء بالنطق