لم يعد الاهتمام بالأمن الغذائي مسألة عرضية في حياة المجتمعات المعاصرة، فالأمن الغذائي هو الذي يضمن قدرة المجتمع على البقاء، ويحدد فرصه في النمو ويصونه من التهديدات والضغوط التي يمكن أن ترهن قراراته السيادية. ومن هنا تعتمد السلطات العمومية مختلف الأساليب والوسائل التي تسمح لها بتحقيقه. ومن بين متغيرات الأمن الغذائي ضمان التغذية السليمة التي لا تنفصل عن ضمان حصول الساكنة على البروتين؛ الذي من بين مصادره الحيوانات المائية.
تقليديا يعتبر الصيد البحري واستغلال الأنهار المصدر الأساسي للحصول على هذا النوع من الحيوانات، إلا أن التطور العلمي والتكنولوجي، أفرزا مقاربات جديدة تسمح للإنسان بالحصول عليها ليس من البحار والأنهار فحسب، وإنما عن طريق ما يعرف بتربية المائيات أو الاستزراع، ولو كان ذلك في أعماق الصحراء، بحيث يستطيع المرء الحصول على الرخويات، القشريات، الأسماك والنباتات المائية، التي تتم العناية بها عبر محاضن مخصصة لذللك تتوفر على الظروف الملائمة.
وتعتبر تربية المائيات قطاعا هاما من قطاعات انتاج الغذاء الأسرع نموا في العالم، بحيث تغطي تربية المائيات أكثر من نصف احتياجات العالم من الحيوانات المائية. ففي سنة 2022 بلغ الإنتاج العالمي من تربية المائيات 130.9 مليون طن بقيمة 312.8 مليار دولار، وهو ما يمثل 59% من الإنتاج العالمي لمصايد الأسماك وتربية المائيات. التي يخصص منها 89% للاستهلاك البشري المباشر، مما يُبرز الدور الأساسي لمصايد الأسماك وتربية المائيات في الحفاظ على الأمن الغذائي العالمي. أما النسبة المتبقية، فهي للاستهلاك غير المباشر أو الاستخدامات غير الغذائية، ولا سيما إنتاج دقيق السمك وزيت السمك.
وينظر إلى تربية المائيات على أنه يمكنها تغطية الطلب العالمي المتزايد على الحيوانات المائية، خاصة في ظل تزايد الاهتمام بالمحافظة على البيئة واستدامتها وصيانة التنوع البيولوجي.
ولم تبق الجزائر بعيدة عن هذا المسار العالمي؛ إذ كانت في البداية تعتمد على الصيد البحري بدرجة كبيرة لسد حاجياتها الغذائية من الحيوانات المائية. ومع ازدياد السكان خاصة على مستوى السواحل والمناطق الداخلية القريبة من الساحل عرف عرض الحيوانات المائية نقصا حادا بالتوازي مع زيادة الطلب عليها. وهو ما أدى إلى زيادة أسعار الحيوانات المائية بشكل فادح، فضلا عن عدم قدرة سكان المناطق البعيدة عن الساحل كمدن الهضاب أو المدن الصحراوية من الوصول إلى هذا النوع من المنتجات. وهو ما انعكس سلبا على نمو شعبة الصيد البحري؛ الأمر الذي أدى بالكثير من الصيادين إلى العزوف عن ممارسة الصيد البحري نظرا للظروف غير الملائمة التي أصبحوا يعملون فيها، وضعف اقبال الساكنة على اقتناء منتجات الصيد البحري نتيجة ارتفاع أسعارها بالنظر لضعف القدرة الشرائية. وتبعا لذلك وسعيا من السلطات العمومية إلى تعزيز الأمن الغذائي وتنمية التشابك بين مختلف القطاعات والشعب، تم التفكير جديا في انتهاج أساليب مدعمة للصيد البحري، يمكنها المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي وتخفيض تكاليف الحصول على الحيوانات المائية. وكان من بين هذه الوسائل الاعتماد على تربية المائيات كنمط داعم للصيد البحري من أجل زيادة الثروة السمكية. فتم تحديد الإطار القانوني المنظم لها بصدور القانون 01-11 المتعلق بالصيد البحري وتربية المائيات الذي تم تعديله في سنة 2015. كما تم اصدار المرسوم التنفيذي رقم 04-373 يحدد شروط منح الامتياز من أجل إنشاء مؤسسة لتربية المائيات وكيفيات ذلك، وكذا المرسوم التنفيذي 07-208 يحدد شروط ممارسة نشاط التربية والزرع في تربية المائيات ومختلف أنواع المؤسسات وكذا شروط إنشاءها وقواعد استغلالها.
وكانت المناطق الصحراوية من المناطق التي تم اعتبارها مهيئة لهذا النشاط نتيجة توفرها على المياه الجوفية من جهة والنشاط الزراعي الواسع بها بحيث يمكن دمج النشاطين معا من حيث استغلال احواض الري والسقي لتربية المائيات، في حين تستفيد الزراعة من فضلات الحيوانات البحرية باعتبارها سمادا مغذيا وغنيا بالمواد الضرورية للزراعة. ويعتبر إدماج تربية المائيات في المناطق الصحراوية من خلال استغلال الموارد المائية المتاحة وإنشاء مشاريع نموذجية متكاملة مع الزراعة، أساسا لضمان الاستدامة الزراعية والاقتصادية. خاصة وان بعض الحيوانات المائية كأسماك البلطي والسلور أثبتت قدرتها على التكيف مع المياه المالحة من جهة ومع الظروف المناخية لمناطق الجنوب.
ولقد بينت التجربة نجاح هذا النشاط، خاصةً فيما يتعلق بدمجه مع الزراعة. إذ تم إطلاق صغار سمك البلطي (وهو نوع سريع النمو نسبيًا) في أحواض ري المزارعين في الجنوب، وقد لاقى هذا الأمر استحسانًا كبيرًا منهم. إذ لم ينظروا إلى الأمر من منظور توفير مصدر جديد للبروتين الحيواني لهم فحسب، بل كان له أيضًا تأثير إيجابي على محاصيلهم، حيث أصبحت مياه أحواض الري غنية بالعناصر الغذائية من فضلات الأسماك.
وحتى بالنسبة للأنواع الأخرى من الحيوانات المائية أظهرت تجربة حاسي بن عبد الله بالتعاون مع الشريك الكوري بخصوص تجربة الجمبري نتائج مذهلة.
وفي هذا السياق يمكن استغلال حتى الآبار قليلة الملوحة، التي يجعلها محتواها الملحي غير صالحة للشرب أو الزراعة، فيتم استخدامها في تربية أنواع مُعينة من الأسماك، مثل البوري أو البلطي، في أحواض اصطناعية. إلى جانب الأسماك، يُمكن استخدام بعض المواقع لتربية العديد من أنواع القشريات، مثل الأرتيميا (Artemia salina)، وهي مفصليات صغيرة ذات قيمة عالية في الأسواق العالمية. كما يُمكن لتربية المائيات ضمان إمدادات مُنتظمة من الأسماك الطازجة للسكان المحليين. فالقيمة الغذائية للأسماك الطازجة تفوق بكثير تلك الموجودة في الأسماك المحفوظة بالتبريد أو التجميد.
والحقيقة أن تربية المائيات في الصحراء تُمثل قطاعًا واعدًا لتعزيز الأمن الغذائي الوطني وتحفيز تنمية العديد من القطاعات الاقتصادية في المناطق الجنوبية. هذا بالتوازي مع الحاجة المحلية إلى تغيير نمط الاستهلاك القائم على اللحوم الحمراء في ظل ارتفاع نسب الإصابة بأمراض السكري والضغط الدموي، وحاجة الساكنة إلى مغذيات أساسية مهمة متوفرة في الحيوات المائية كالأحماض الدهنية أوميغا 3، المعادن والفيتامينات. كما أن الاهتمام بتربية المائيات المتكاملة مع الزراعة في المناطق الصحراوية، يساعد في استغلال الموارد المحلية وتنويع الأنشطة الاقتصادية، لا سيما من خلال زراعة الأنواع عالية القيمة أو استغلال النباتات والطحالب المستخدمة التي تعتبر حلقة وصل رئيسية في النهوض بهذا القطاع.
يمكن النظر إلى تربية المائيات في الجنوب على أنها نافذة للانخراط في مسار التجارة الدولية، فالتجارة العالمية في المنتجات المائية وصلت إلى 195 مليار، وهو ما يمثل 9.5% من اجمالي التجارة العالمية في المنتجات الزراعية.

