تعد مهنة تسلق النخيل من الحرف التقليدية العريقة التي ما تزال تحافظ على مكانتها في العديد من ولايات الوطن على غرار بسكرة ، حيث ارتبطت لسنوات طويلة بعلاقة الإنسان البسكري بأشجار النخيل وغاباتها الواسعة. وبينما يواصل محترفوها أداء مهام التلقيح والعناية وجني التمور، تواجه هذه الحرفة تحديات متزايدة، أبرزها مخاطر السقوط وتراجع عدد الغيطان بسبب ظاهرة صعود المياه.
ويؤكد متسلقون أن الحرفة، رغم ما تمنحه من متعة وشعور بالفخر، تبقى محفوفة بالمخاطر، إذ قد يكلف خطأ بسيط حياة المتسلق، حتى بالنسبة لأصحاب الخبرة الطويلة.
ويروي محمد الدوسن ، البالغ55 سنة من بلدية طولقة ، أنه بدأ تسلق النخيل في سن الخامسة عشرة، بعدما تعلم الحرفة من جده. ويقول إن شغفه بها لم يتراجع رغم وفاة جده إثر سقوطه من ارتفاع يقارب عشرة أمتار أثناء عمله سنة 1988، مؤكداً أن حب النخلة ينتقل داخل العائلات من جيل إلى آخر.
ولا تقتصر مخاطر المهنة على السقوط، إذ يحذر ممارسوها من أشواك جريد النخيل ولسعات العقارب وبعض الزواحف والحشرات، ما يجعل الحذر واتخاذ إجراءات الوقاية أمرين ضروريين أثناء الصعود والعمل فوق الجذوع.
الشجاعة والرشاقة.. مفاتيح مهنة شاقة
ويرى المتسلقون أن الشجاعة والثقة بالنفس والمرونة واللياقة البدنية تعد من أهم مقومات هذه المهنة، خصوصاً عند التعامل مع النخيل المرتفع والجذوع شبه الملساء.
وبعض الشباب دخلوا المجال حديثاً، مستفيدين من التكوين أو من امتلاكهم غيطاناً جديدة، بينما تعلم آخرون الحرفة من آبائهم وأجدادهم، لتبقى بذلك واحدة من المهن التي تعتمد بدرجة كبيرة على نقل الخبرة بين الأجيال.
ويؤكد ممارسون أن التطور أدخل بعض المعدات والوسائل المساعدة إلى عملية خدمة النخيل، غير أن العمل اليدوي لا يزال أساسياً، خصوصاً في الغيطان التقليدية التي تتطلب صعود النخلة لتلقيحها والعناية بها وجني ثمارها.
1200 دينار أجرة يومية للمتسلق
ورغم توفر بعض الآليات الحديثة، يظل الاعتماد على اليد العاملة قائماً، نظراً لارتفاع تكلفة المعدات وعدم قدرة جميع الفلاحين على اقتنائها. وتصل أجرة متسلق النخيل، وفق شهادات أصحاب الغيطان، إلى نحو 1200 دينار يومياً، خصوصاً خلال مواسم التلقيح والعناية بالعراجين وجني التمور.
دعوة للحفاظ على الحرفة والنخيل
ويرى العديد من الباحثين والمهتمين بالنخيل أن الطرق التقليدية في العناية بالنخلة تظل ذات أهمية كبيرة للحفاظ عليها، داعين إلى التنظيف الدوري واستخدام الجير الأبيض لحماية الجذوع بعد موسم جني التمور، مع ضرورة الاهتمام بالنخيل على مدار السنة ،ومحذرين من أن إهمال النخلة يضعف جذعها وجريدها، ويجعل عملية التسلق أكثر خطورة، فضلاً عن توفير بيئة مناسبة لاختباء الحشرات والزواحف السامة.
كما أشاروا إلى التراجع الكبير في الاهتمام بالنخيل في وادي سوف خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تغيير عدد من الفلاحين نشاطاتهم الزراعية، بالتزامن مع استمرار مشكلة صعود المياه التي ألحقت أضراراً واسعة بغابات النخيل وأثرت على المردود مؤكدين على ضرورة تنظيم مسابقات ودورات تكوينية لتعليم الشباب فنون تسلق النخيل، وإنشاء جمعيات محلية تهتم بهذه الحرفة، إلى جانب إيجاد حلول لمشكلة صعود المياه، حفاظاً على النخلة باعتبارها جزءاً أصيلاً من هوية بسكرة وتراثه الزراعي.

